السبت 6 مارس 2021 10:30 ص

بابا الفاتيكان في العراق

أبرز كوارث الغزو والاحتلال الأمريكي وما ترتب عليه من تداعيات هندسة النظام السياسي طائفيا.

«صورة البابا وهو يتمشى في أور هي صورة يحتاج إليها العراق الآن» ليس فقط دعماً لمسيحيي العراق ودعوة لهم للبقاء وتأكيداً للتعايش والأخوة والمواطنة.

البابا نفسه لم يقل إنه آتٍ لحل مشاكل العراق بل: «أتيتكم حاجاً» وهي رسالة بليغة لأهل العراق وسواهم من المشتبكين بقضايا البلد الداخلية لا بل هم من أسبابها.

*     *     *

بعض مشاكل العراق عائد إلى صراع القوى والجماعات السياسية فيه، وبعضها مصدّر إليه من خارجه. بعضها موروث من الفترة السابقة للاحتلال الأمريكي، وبعضها آتٍ من هذا الاحتلال، وما ترتب عليه من تداعيات، أبرزها هندسة النظام السياسي طائفيا.

لذا فإن حزمة هذه المشاكل أكبر وأعقد بكثير من أن تحلها زيارة بابا الفاتيكان فرنسيس إلى العراق المنكوب اليوم، وهو الذي كان منارة للتقدم والحداثة والعلم والأدب والفن.

البابا نفسه خير العالمين بهذه الحقيقة؛ لذا لم يقل إنه آتٍ لحل مشاكل العراق. قال: «أتيتكم حاجاً»، وهي رسالة بليغة لأهل العراق أنفسهم، ولسواهم من المشتبكين في قضايا البلد الداخلية؛ لا بل إنهم سبب من أسبابها.

من هذه الزاوية ترتدي الزيارة أهميتها الرمزية، ليس فقط لكونها أول زيارة يقوم بها بابا للفاتيكان للعراق، وليس فقط لأن البابا فرنسيس أصرّ على إتمامها رغم كل التحديات التي من بينها تفشي وباء «كورونا»، والتفجيرات التي شهدها العراق عشية هذه الزيارة، وإنما أيضاً لأسباب أخرى أكثر أهمية، بعضها ذات طبيعة دينية ثقافية، وبعضها ذات طبيعة سياسية.

بعض التقارير الدولية، وهي تتناول حدث الزيارة البابوية للعراق، سلطت الضوء على شخص البابا فرنسيس نفسه، القريب من مدرسة «لاهوت التحرير» التي عرفتها أمريكا اللاتينية؛ القارة التي منها أتى البابا، والتي أظهرت اهتماماً غير مسبوق بقضايا الفقراء والمهمشين والمضطهدين في بلدان تلك القارة.

وحمل البابا هذا التوجه معه إلى الفاتيكان، وحرص على التعبير عنه في أكثر من مناسبة، منذ أن اعتلى منصبه، مثلما أظهر حرصاً لا يقل على ألا تبقى الكنيسة أسيرة مرجعيتها الأوروبية وحدها، وأن تمدّ جسور التواصل والتفاعل لا مع المسيحيين خارج أوروبا وحدهم، وإنما مع ممثلي الديانات الأخرى.

في العراق بالذات، فإن كنائس المسيحيين بطوائفهم المختلفة: الكلدان ولآشوريين والسريان وغيرهم، تعدّ من أقدم الكنائس لا في الشرق وحده؛ وإنما في العالم كله.

لكن ليس خافياً ما تعرض له المسيحيون العراقيون من تهجير واستهداف، بلغا ذروتهما فترة صعود التنظيم الإرهابي «داعش»، ما اضطر كثيرين منهم لمغادرة العراق، وبالتالي حرمانه من أحد روافد تنوعه الثقافي والحضاري.

«صورة البابا وهو يتمشى في أور، هي الصورة التي يحتاج إليها العراق الآن»، يقول الكاتب العراقي علي حسين، ليس فقط دعماً لمسيحيي العراق، ودعوة لهم للبقاء.

بل تأكيداً لفكرة التعايش والأخوة والمواطنة، وهذا ما يُظهره حرص البابا على أن يشمل برنامجه اللقاء مع شخصيات إسلامية، بينها المرجع علي السيستاني.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج