السبت 6 مارس 2021 10:51 م

في أواخر يناير/كانون الثاني، توجه قائد الجيش الباكستاني الجنرال "قمر جاويد باجوا" إلى قطر في زيارة لمدة يومين، وبالرغم أنها ظهرت كزيارة روتينية، إلا أن الرحلة أتت بعد عام متوتر في العلاقات الباكستانية الخليجية، مما يشير إلى أن إسلام أباد تشعر بالقلق إزاء انحسار دورها في هندسة أمن الخليج.

وتجمع باكستان ودول الخليج علاقة مشتركة منذ فترة طويلة، حيث قامت في البداية على الدين والعلاقات الاستراتيجية، ثم نمت لتشمل العلاقات الاقتصادية.

وتشمل العلاقة العسكرية التدريب والتعاون الأمني، في حين أن العلاقات الاقتصادية مرتبطة إلى حد كبير بمجتمع العمال المهاجرين الباكستانيين، والذين يشكلون وجودًا كبيرًا في المنطقة.

ولفترة من الوقت، ركزت سياسة الخليج تجاه باكستان على دعم العلاقات الثقافية والدينية، بدلا من بناء الروابط الاقتصادية المستدامة، وعرضت إسلام أباد التوسط في التوترات بين الرياض وطهران، مع تجنب التورط في كافة الحروب.

وبالرغم من إعطاء الأولوية لموارد الطاقة، إلا أن الجهود الشاملة لتحسين العلاقات الاقتصادية مع الخليج كانت باهتة.

باكستان ورعاية الأمن

لطالما قدمت باكستان نفسها على أنها راعية أمنية لدول الخليج. وبسبب العلاقات العائلية بين أنظمة الخليج ومختلف الزعماء الباكستانيين على مر السنين، كان يُنظر إلى إسلام أباد كحليف يمكن الاعتماد عليه عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن مصالح الخليج.

ولكن عندما منعت الاعتبارات السياسية المحلية باكستان من إرسال قواتها إلى الحرب اليمنية في عام 2015، اتخذت العلاقات منحنى متدهورًا، لا سيما بالنسبة للسعودية والإمارات، مما سمح للهند، المنافسة اللدودة لباكستان، بالحصول على موطئ قدم أكبر في الخليج.

وسعت حكومة "مودي" إلى تعزيز علاقاتها مع الخليج، وهو ما تجلى في الاستثمار السعودي المكثف في البنية التحتية ومشاريع النفط في الهند، وكذلك التعاون في جهود "مكافحة الإرهاب".

وأصبح من الواضح أن الهند تحل محل باكستان في مجالات كانت باكستان تتصدرها في السابق مثل تصدير القوى العاملة. وقد أبرزت الزيارة "التاريخية" لقائد الجيش الهندي للخليج العام الماضي الدور العسكري المتنامي للهند.

كما يؤثر تغير مواقف دول الخليج تجاه إسرائيل بشكل غير مباشر على العلاقات الباكستانية الخليجية، فقد رفضت القيادة الباكستانية بصراحة الاعتراف بإسرائيل، بالرغم من الضغوط من مختلف البلدان المؤثرة.

أما الهند فلديها علاقة قوية بإسرائيل، ويرتبط البلدان في قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات، إلى جانب الدفاع والاستخبارات، مما يتماشى مع دول الخليج في إطار تطبيعها مع إسرائيل.

هناك سبب آخر لتدهور العلاقات الباكستانية الخليجية؛ وهو أن إسلام أباد تشعر بأن دول الخليج لم تتخذ موقفا قويا تجاه الفظائع الهندية في كشمير.

وفي أغسطس/آب الماضي، انتقدت باكستان علنا ​منظمة التعاون الإسلامي التي تقودها السعودية بشأن هذه المسألة.

ولكن في حين ركزت باكستان على الخطابات والكلمات، فقد اعتمدت الهند على التحرك، جاعلة نفسها أكثر أهمية استراتيجيا واقتصاديا لدول الخليج.

العمال المهاجرين

وسط التغييرات التي تجري في الخليج، وخاصة التقارب الخليجي الإسرائيلي، لم يعد لدى باكستان الكثير لتقدمه، وأصبحت مساحة المنافسة المتاحة لها في الخليج تضيق وتختفي بسرعة، ويحتاج المسؤولون الباكستانيون إلى إدراك ذلك.

وينبغي أن تركز السلطات الباكستانية قبل كل شئ على طبقة المهاجرين في الخليج، حيث يعتبر هؤلاء المهاجرين مصدرا ماليا مهما عبر التحويلات.

وتعتبر الطريقة الأكثر عملية للقيام بذلك هي تقييم الخطط الوطنية لدول الخليج  - مثل الرؤية السعودية 2030، والرؤية الكويتية 2035 ورؤية عُمان 2040 - وتدريب العمال على المهارات المناسبة للمشاريع المصاحبة، مما يضمن قدرتهم علي المنافسة في أسواق العمل الخليجية.

ثانيا، يجب على المسؤولين الباكستانيين دراسة وتحديد المجالات الاقتصادية المحتملة في الخليج، وأحدها التعاون الزراعي؛ بما أن الظروف القاحلة، إلى جانب ندرة المياه، والأمن الغذائي تشكل مصادر قلق دائمة في الخليج.

ونظرا لأن قطاع الزراعة يعتبر مجال تصدير قوي لباكستان، فينبغي إجراء استثمارات جادة في البحوث الزراعية وتحسين جودة المحاصيل، من أجل الاستفادة من صناعة الأغذية الخليجية.

كما ينبغي على باكستان تجاوز الشركاء التقليديين، وتوسيع العلاقات الثنائية الأخرى في الخليج، مثل العلاقات مع عُمان والكويت. وقد انعكست الخطوات الإيجابية في هذا الصدد في اتفاقية يوليو/تموز 2020 التي أرسلت باكستان بموجبها العاملين في الرعاية الصحية إلى الكويت للمساعدة في محاربة جائحة "كورونا".

وحتى وقت قريب، لم تهتم السياسة الخارجية الباكستانية بتعزيز العلاقات الاقتصادية مع جميع دول الخليج، لكن المبادرات الأخيرة تظهر أن القيادة الباكستانية جادة بشأن إصلاح أخطاء الماضي.

الاستثمار الأجنبي

تكمن أكبر فرصة لباكستان حاليًا في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، وهو مشروع ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية، وقد أعربت دول الخليج بالفعل عن رغبتها في أن تكون جزءًا من هذا المشروع، حيث يرتبط بخططها للنمو الاقتصادي للقطاع غير النفطي.

ومن خلال حوافز مثل الإعفاءات الضريبية في المناطق الاقتصادية الخاصة بالممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، يمكن تشجيع دول الخليج على جلب الاستثمار الأجنبي المباشر إلى باكستان، وهو أمر تحتاجه بشدة في خضم الانكماش الاقتصادي الحالي.

وتوفر المنتديات المختلفة منصة يجب أن تستخدمها القيادة الباكستانية، بما في ذلك اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي في إسلام أباد في وقت لاحق من هذا العام، لأن مجرد لعب دور الوسيط بين السعودية وإيران لن يصل بإسلام أباد إلى أي مكان، وقد حان الوقت لتنفيذ خطوات أكثر عملية.

المصدر | أرهاما صيديكا/ ميدل ايست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد