الأحد 7 مارس 2021 11:48 ص

ترحيب بارد ذلك الذي حظي به الرئيس الأمريكي "جو بايدن" في الصحف الخليجية منذ توليه منصبه في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وسط تساؤلات حيال استراتيجيته للتعامل مع الجارة اللدودة إيران بعد سنوات من "الضغوط القصوى" التي مارسها عليها سلفه "دونالد ترامب".

وباستثناء السعودية وسلطنة عمان، هنّأ زعماء الخليج الرئيس الديمقراطي مع دخوله البيت الأبيض، داعين إلى توطيد العلاقات مع حليف تاريخي ينتشر آلاف من جنوده في قواعد مهمة في المنطقة الغنية بموارد الطاقة، لكنها ظلت ردود فعل خافتة تخفي وراءها تشاؤما من اتجاه إدارة "بايدن" لإعادة دمج إيران بإطار الاتفاق النووي، حسبما أوردت صحيفة "نيويورك تايمز".

ويعكس هذا الخفوت مؤشر العلاقة الإيرانية – الخليجية، التي تمثل ميزان حرارة المنطقة سياسيًا وأمنيًا، شاملة إسرائيل، التي أفادت مصادر مطلعة، في وقت سابق، بأن مسؤوليها أجروا اتصالات مع نظرائهم بدول الخليج بشأن تشكيل تحالف عسكري في مواجهة إيران.

وفي المقابل، قال عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني "أحمد وحيدي" إنه "في حال دخلت السعودية، والإمارات، والبحرين، في تحالف ضد إيران، فإنها ستتلقى ضربات قوية جدا"، ما يعكس نية تصعيد إيرانية واضحة إزاء الاتجاه الدبلوماسي لإدارة "بايدن"، الأمر الذي تعده دول كالسعودية والبحرين والإمارات تهديدا محدقا.

غير أن مدير السياسات بمركز "ديفنس بريوريتي" للأبحاث الأمنية "بنجامين فريدمان" يشير إلى أن إدارة "بايدن" تحصر مصلحة الولايات المتحدة في كبح إيران عن صنع أسلحة نووية، وهو ما قد تحققه صفقة العودة للاتفاق النووي، ولا تضع المخاوف الخليجية كأولوية، خاصة في ظل تباين موقف دول الخليج العربية من التعاطي مع إيران، وفقا لما نقله موقع قناة "الحرة" الأمريكي.

السعودية والبحرين

فلدى الرياض والمنامة تحديدا رفض مبدئي لعودة العلاقة الدولية مع إيران إلى مرحلة الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق "باراك أوباما" مع إيران عام 2015، لكن كل منهما تدرك أن إمكانية منع ذلك قد لا تكون مضمونه بالضرورة، خاصة في ظل اتجاه "بايدن" لإسدال الستار على صفحة دعم الولايات المتحدة للحملة العسكرية السعودية في اليمن، التي قال إنها "أدت إلى كارثة إنسانية واستراتيجية".

في المقابل، تملك إيران وسائل ضغط ميدانية بالغة التأثير، إذ استهدفت ميليشيات موالية لها السعودية، عبر ضرب مطار أبها الدولي عن طريق طائرات مسيرة ملغمة، كما ادعت ميليشيا عراقية (على الأرجح موالية لإيران)، في يناير/كانون الثاني الماضي، مسؤولية هجوم في نهاية الشهر الماضي على العاصمة الرياض، أسفر عن وقوع أضرار في مجمع ملكي مهم في الرياض.

وترى الباحثة المتخصصة في الأسلحة النووية، بمركز الدفاع عن الديمقراطيات "FDD"، "أندريا سترايكر"، أن سبب سعي الولايات المتحدة للتفاوض مع إيران، هو أن فريق "بايدن" المكلف بالمباحثات النووية مع إيران، هو نفس فريق أوباما، والذي يميل إلى التهدئة.

وترى السعودية والبحرين فريق "بايدن" مخطئ في العودة إلى الاتفاق النووي بصيغته القديمة، أو إلغاء العقوبات وقيود التأشيرات على إيران، باعتبار أن ذلك يبعث برسالة إلى إيران مفادها أن "الهجمات على حلفاء الأمريكيين هي أفضل طريقة لإيران للحصول على تنازلات من جانب الولايات المتحدة"، حسبما ترى "سترايكر".

ولذا تعرض التغيير في السياسة الأمريكية تجاه طهران لانتقادات أطراف حليفة للسعودية، صدر آخرها عن وزير الخارجية الأمريكي السابق "مايك بومبيو"، الذي صرح لموقع "واشنطن فري بيكن" الأمريكي، قائلا: "إن مرشد الثورة الإيرانية لا يفهم سوى القوة، لقد قدت ردا على التهديد الإيراني، والذي حمى الشعب الأمريكي من إرهابه ودعمت دولة إسرائيل".

ولذا يتوقع المعلق السياسي السعودي "علي الشهابي" أن تعلن السعودية "دعما مشروطا" لخطوات "بايدن" في التعامل مع إيران، يتربط بتعليق عودة الاتفاق النووي بقيود إضافية على سلوك إيران الإقليمي.

وفي هذا السياق، شددت الحكومة السعودية على أهمية إشراك الدول المتضررة من "التهديدات الإيرانية" في المفاوضات الدولية حول البرنامج النووي الإيراني، وأعلنت الولايات المتحدة مؤخراً أنها ستشارك حلفاءها في أي خطوة جديدة مع إيران قبل اتخاذها.

لكن طهران ترفض أي مشاركة خليجية في شأن الاتفاق النووي، وتعتبره يخص أطرافه المُوقِّعين عليه فقط دون من سواهم.

الموقف البحريني إزاء ذلك بدا صدى لنظيره السعودي، إذ أطلق ولي العهد البحريني "سلمان بن حمد آل خليفة" تصريحات صحيفة بتاريخ 25 فبراير/شباط الماضي، مفادها أن "مجلس التعاون الخليجي يجب أن يكون طرفاً في أي مفاوضات حول أمن المنطقة".

واعتبر "آل خليفة" أن "السعودية هي عامل استقرار للمنطقة والاقتصاد العالمي، والعمق الاستراتيجي للأمتين العربية والإسلامية".

لكن يبدو أن دوائر البحث وصناعة القرار الأمريكية لا ترجح الاستجابة للمطالب السعودية البحرينية، وهو ما عبر عنه استطلاع أجرته مؤسسة "تشاتام هاوس" لآراء سياسيين وخبراء في الغرب والصين وروسيا ودول المنطقة، كشف صعوبة التوصل لحل شامل لكل التوترات، من خلال حوار واحد مباشر مع طهران.

واقترح المسؤولون والخبراء التعامل مع كل مشكلة إقليمية على نحو منفصل، والعمل على كل تلك المسارات بالتوازي، من خلال مناقشات متعددة الأطراف بين الجهات ذات الصلة، إلى جانب مناقشة المشكلات الخاصة بقضايا البرنامج النووي، والبرنامج الصاروخي، والميليشيات التي تدعمها طهران.

وإزاء ذلك، جاء الاتجاه السعودي لحلحلة الأزمة الخليجية في يناير/كانون الثاني الماضي، لمحاولة غلق تعدد جبهات المواجهة المرتقبة إقليميا، حسبما يرى الزميل البارز في مركز أبحاث المجلس الأطلسي "عماد الدين بادي".

وقال "بادي": "من الواضح أن التقارب بين دول الخليج كان نتيجة رغبة سعودية في "استباق الضغط من إدارة بايدن".

فيما أشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى ورقة ضغط أخرى تحاول الرياض استثمارها في ضغوط الكواليس الدبلوماسية، تتعلق تحفيز قنوات التقارب مع إسرائيل.

وفي السياق، أفادت مصادر إعلامية إسرائيلية بأن رئيس الموساد "يوسي كوهين" توجه إلى الولايات المتحدة وعرض أمام إدارة "بايدن" معلومات استخبارية، في محاولة لمنعها من العودة إلى الاتفاق النووي.

تحفظ الإمارات

الموقف الإماراتي يبدو أقل حدة من نظيره السعودي، وإن كان غير مرحب باتجاه دبلوماسية "بايدن" بشكل مطلق، إذ يرتبط ذكر الديمقراطيين بتوجههم في التركيز على حقوق الإنسان والعلاقات مع إيران، وهو ما يجعل العلاقة مع الإمارات أقل مما كانت عليه في عهد الرئيس السابق "دونالد ترامب".

ويعزز هذا التحفظ الاتهامات لأبوظبي بالقيام بأعمالٍ تتنافى مع حقوق الإنسان، سواء داخل أراضيها أو من خلال توسعاتها العسكرية مثل اليمن، ودعمها لللواء المتقاعد "خليفة حفتر" في ليبيا.

وعلى الرغم من ذلك، فإن عدداً من العوامل المشتركة، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب والتمويل غير المشروع، تراها أبوظبي هي الأساس في علاقتها مع الولايات المتحدة، وستمضي معها نحو علاقات أعمق مما كانت عليه سابقا، حسبما يرى عديد المراقبين.

ولذا لا تتوقف الإمارات عن تأكيد أن علاقتها مع واشنطن ستكون أفضل من قبل، وهو ما عبر عنه سفيرها لدى واشنطن"يوسف العتيبة"، قائلا إن بلاده "تتجه نحو علاقة أعمق مع الولايات المتحدة في المستقبل"، وأن نهجاً جديداً سيحدد شكل تلك العلاقات.

الباحث المتخصص في العلاقات الدولية والشؤون الأمريكية "خالد الترعاني"، يرى أن الإمارات "تدرك أنها أمام أزمة في علاقتها مع الولايات المتحدة في ظل إدارة بايدن"، مشيرا إلى أن تعليق "العتيبة" يأتي في إطار "محاولة للظهور وكأن الإمارات تمسك بزمام الأمور، وتقرر محددات العلاقة مع الولايات المتحدة، "بينما الحقيقة على عكس ذلك، والإمارات تدرك هذا"، وفقا لما أورده موقع "الخليج أون لاين".

وجاء تعليق "عبدالخالق عبدالله" المحلل السياسي الإماراتي، المقرب من ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، على تحركات إدارة "بايدن" إزاء إيران معبرا صريحا عن تحليل "الترعاني، إذ صرح لـ "نيويورك تايمز"، قائلا: "ليس أمامنا إلا الثقة بالإدارة الأمريكية الجديدة، ليس لدينا أي خيار آخر، إدارة بايدن مصممة بالفعل على التواصل مع إيران ولا توجد طريقة أو أي شخص لإيقافهم".

وساطة قطر

الوضع يبدو مختلفا بشكل كلي في قطر، التي طالما بحثت عن دور إقليمي نشط، كأحد أهم مقومات قوتها الناعمة، وطرحت الدخول على خط الوساطة بين واشنطن وطهران في محاولة لتقريب وجهات النظر بين الطرفين.

وفي 26 فبراير/شباط الماضي، قال وزير الخارجية القطري "محمد بن عبدالرحمن آل ثاني" إن بلاده تشجع على الدبلوماسية والحوار بين أطراف الاتفاق النووي الإيراني، مجدداً استعداد الدوحة الدائم للقيام بأي جهد يخدم استقرار المنطقة.

وكان الوزير القطري قد أكد، في يناير/كانون الثاني الماضي، على أن "الوقت قد حان كي تبدأ دول الخليج العربية المحادثات مع إيران"، حسبما نقلت عنه وكالة "بلومبرج" الأمريكية، مشيرا إلى أن الدوحة مستعدة للتوسط في مثل هذه المفاوضات.

ويعود الموقف القطري إلى تاريخ سنوات التوتر مع السعودية والإمارات والبحرين من جانب، ورغبة الدوحة في الحفاظ على علاقاتها الجيدة مع كل من إيران كقوة إقليمية من جانب آخر.

فالعلاقات بين إيران وقطر مهمة على مستويات عدة، بينها الاقتصاد، إذ يتشارك البلدان حقل غاز الشمال، ما يحتم عليهما التعاون والعمل معا، حسبما نقلته وكالة سبوتنيك الروسية عن "رولاند لومباردي" الباحث المتخصص في الشرق الأوسط.

وحتى إذا لم تنجح الدوحة في القيام بدور الوساطة الكاملة، فستكون حريصة على لعب دور "ميسر "المفاوضات" حسب تعبير "لومباردي"، الذي وصف قطر بأنه تعد "الدولة الخليجية العقلانية والحديثة والمنفتحة على الحوار (مع طهران).

وإذا كان دور الوساطة يعزز مصالح قطر، فإنه قد يمثل ملاذا للسعودية أيضا حال الاضطرار إليه، خاصة بعد حلحلة الأزمة الخليجية، وهو ما يشي به استقبال وزير الخارجية القطري القائم بأعمال سفارة السعودية بالدوحة "سلطان بن سعد المريخي"، في 10 فبراير/شباط الماضي، أي قبل نحو أسبوع زيارته الأخيرة لطهران.

كان اللقاء الأول من نوعه منذ يونيو/حزيران 2017، وأثار تساؤلات عن إمكانية وجود رغبة سعودية في الاستعانة بالدبلوماسية القطرية لتفكيك جمود الحوار مع إيران.

مبادرة عمان

وعلى مسافة قريبة من الموقف القطري، يأتي موقف سلطنة عمان، التي تحتل موقعا استراتيجياً شديد الأهمية فيما يتعلق بأي تعامل عسكري أمريكي ضد إيران، بالنظر إلى موقعها من مضيق هرمز الحيوي.

ثمة اتفاق عسكري بين مسقط وواشنطن يسمح للقوات الأمريكية باستخدام موانئ عُمان وأجوائها، في حال القيام بأي عمل عسكري بالمنطقة، وعلى التوازي تحتفظ عمان بعلاقات تاريخية جيدة مع إيران، ما يعني أن السلطنة يمكنها أن تمثل ورقة الضغط المطلوبة أمريكيا لدفع طهران باتجاه التسوية.

ومنذ استقلال عُمان، اختارت لنفسها أن تؤدي دور الحياد الإيجابي، وعلى هذا الأساس كان الدور العُماني في أزمات المنطقة تصالحياً، كما عُرف عن السلطنة أنها وسيط قوي ونزيه في حل الصراعات الدولية.

ويعزز من أهمية المبادرة العمانية فيما يتعلق بمفاوضات الاتفاق النووي مع إيران تاريخ مسقط في القيام بالعديد من الأدوار المهمة لتقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران قبل الوصول لصيغة الاتفاق النووي الأولى عام 2015.

كما أدت مسقط عدَّة أدوار دبلوماسية، كان آخرها الوساطة التي قادتها، في أكتوبر/تشرين الأول 2020، للإفراج عن أمريكيين لدى جماعة الحوثي باليمن.

وقد أكّد وزير الخارجية العماني "بدر البوسعيدي" استعداد بلاده للمساعدة بكل السبل لوقف التدهور في المنطقة، قائلا: "نحن نتمتع بعلاقة طيبة جداً مع إيران، وبالطبع نتمتع أيضاً بعلاقة طيبة مع الولايات المتحدة".

واعتبر "البوسعيدي" أن "الاتفاق النووي الإيراني هو الإنجاز الأهم لسياسة الولايات المتحدة في منطقتنا على مدى سنوات، وستكون العودة إلى هذه الخطة، في رأيي استكمالاً مهماً لهذا الإنجاز، فضلاً عن كونها مؤشراً واعداً لما قد يأتي بعد ذلك".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات