الاثنين 8 مارس 2021 05:16 م

يأتي انسحاب الإمارات من قاعدتها العسكرية في "عصب" في إريتريا في الوقت الذي تعيد فيه إدارة "بايدن" الجديدة تقييم التزام أمريكا بالحرب في اليمن.

ومع ذلك، وبقدر ما كان انسحاب الإمارات من اليمن عام 2019 رمزيا بطبيعته، فإن تفكيك قاعدة "عصب" في إريتريا ينبغي اعتباره انسحابا تكتيكيا من مشاركة استراتيجية للإمارات في القرن الأفريقي. ويعني هذا أن انسحاب أبوظبي في معظمه يأتي في صورة تجربة لإرسال إشارات ما إلى واشنطن وليس انسحابا حقيقيا من المنطقة.

ومن خلال القيام بعمليات استكشافية في ليبيا والقرن الأفريقي واليمن، وجدت الإمارات طرقا للعمل دون عتبة الحرب، مع تفويض القتال والعمليات التخريبية لشبكة واسعة من الوكلاء.

وبصفتها "سيدة الخداع"، تحافظ الإمارات على موطئ قدمها القوي ونفوذها في اليمن من خلال المجلس الانتقالي الجنوبي والمرتزقة وجماعات الميليشيات الأخرى الذين يزودون أبوظبي بوسائل منفصلة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية مع إمكانية الإنكار المعقول.

وبالتالي، استخدمت أبوظبي السعودية ببراعة كدرع للاختباء وراءها وسط انتقادات عالمية بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وجرائم الحرب التي ارتكبها "التحالف الذي تقوده السعودية".

وبالنظر إلى تغطية الصراع على مدار الأعوام الـ6 الماضية، تم وصف الإمارات على نطاق واسع بأنها شريك صغير يدعم شريكه الرئيسي، متمثلا في السعودية، في حربها ضد الحوثيين. لكن في الواقع، كان الشريك الأصغر المزعوم قادرا على صرف النقد عن معسكرات التعذيب وحالات الاختفاء وجرائم الحرب حيث كان الرأي العام العالمي منشغلا بالدرجة الأولى بدور السعودية في هذا الصراع.

وفي غضون ذلك، كانت الإمارات قادرة على تأمين أهدافها في اليمن في كثير من الأحيان على حساب الرياض. وكانت استراتيجية أبوظبي في المنطقة بمثابة لعبة محصلتها صفر مع السعودية، فأي هدف تؤمنه الإمارات هو هدف تخسره السعودية.

وفي عام 2019، كان هناك احتجاج على تخلي الإمارات الواضح عن السعودية في اليمن. ومع ذلك، بعد مرور عامين تقريبا، أصبح من الواضح أن سلوك الإمارات قد كلف السعودية تكلفة كبيرة.

ولم تعد التكاليف البشرية وتكاليف السمعة للجيش الإماراتي متناسبة مع الفوائد التي عادت بها الحملة على الإمارات. وفي الواقع، حققت أبوظبي منذ فترة طويلة أهدافها الأساسية في اليمن؛ وهي تحقيق تأمين الوصول إلى الممرات البحرية حول مضيق باب المندب.

ولم يظهر الحوثيون الذين كانوا في ذلك الوقت محصورين في شمال اليمن على طول الحدود السعودية في الاستراتيجية الكبرى للإمارات "الإتجارية" الجديدة، ولم يظهروا في أي اعتبارات خطيرة تتعلق بالأمن القومي الإماراتي.

وتماما مثل البريطانيين حتى عام 1967، لم تكن الإمارات مهتمة بالمناطق النائية التي يتعذر الوصول إليها من الساحل اليمني المهم استراتيجيا. وكان تأمين موطئ قدم في عدن والحفاظ على السيطرة على المياه الساحلية لليمن في الجنوب شيئا كانت أبوظبي قادرة وراغبة في تفويضه إلى شبكة من الوكلاء أصبح المجلس الانتقالي الجنوبي أهم عناصرها.

ومن خلال التدريب والتجهيز والتمويل لشبكة واسعة من أكثر من 90 ألف مقاتل جنوب اليمن، تعلمت أبوظبي من دروسها في ليبيا أن الحرب من خلال التفويض قد توفر عمقا استراتيجيا في الخارج بتكاليف محدودة أو منعدمة فيما يتعلق بالسمعة أو البشر أو السياسة. وبينما لا تزال السعودية تتلقى وطأة الانتقادات الدولية بشأن الكارثة الإنسانية التي ساعدت في إحداثها، فقد قامت أبوظبي بتعهيد تكاليف السمعة في هذه الحرب إلى الرياض.

ومع ذلك، فمن خلال شبكتها البديلة في اليمن، انسحبت أبوظبي تقريبا من الصراع. وكان إخراج جيشها من البر الرئيسي لليمن بمثابة انسحاب تكتيكي في أحسن الأحوال، ما يشير إلى المجتمع الدولي بأنها لا تريد أن ترتبط بعد الآن بالفظائع التي ارتكبتها، وإن كانت الشبكة البديلة تواصل ارتكابها.

وكان للمجلس الانتقالي الجنوبي على وجه الخصوص دور فعال في عمليات مكافحة الإرهاب الإماراتية، حيث اعتمد على 27 موقعا للاحتجاز حيث تعرض خصومه السياسيون والإسلاميون من جميع الألوان للتعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء.

وفي الوقت نفسه، يمكن لأبوظبي الاستفادة من مرتزقتها الإسرائيليين والأمريكيين لمطاردة وقتل خصومها السياسيين في اليمن. وارتكبت الإمارات فعليا جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان في تعاملها مع عملائها في اليمن.

وبذلك، تمكنت أبوظبي من تطهير الأجزاء المهمة استراتيجيا من جنوب اليمن من أي معارضة لمشروعها التجاري الجديد. وتم تعيين المجلس الانتقالي الجنوبي وغيره من الوكلاء الإماراتيين كنائب مفوض عن الملك. وبالرغم من تمويل تلك الجهات من قبل أبوظبي، يُسمح لهم بالحكم باستقلالية كبيرة. لدرجة أن المجلس الانتقالي الجنوبي أصبح شبكة مفككة بشكل متزايد من الوكلاء الخارجين عن السيطرة، ما يقوض بنشاط الأهداف السعودية في البلاد.

وتم إفساد العديد من اتفاقيات الرياض بين المجلس الانتقالي الجنوبي وحكومة "هادي" المدعومة من السعودية من قبل وكلاء الإمارات الذين يقوضون الحكومة المركزية في مواجهة العدوان المستمر من الحوثيين.

وبالتالي، بدلا من مجرد التخلي عن السعودية، أوجدت الإمارات وحشا جديدا يتحدى الآن بنشاط أهداف المملكة في اليمن.

وفي غضون ذلك، بذلت أبوظبي جهودا كبيرة في تزويد المجلس الانتقالي الجنوبي بشرعية الفاعل شبه الحكومي في حد ذاته. وكان رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي "عيدروس الزبيدي" يقود الدبلوماسية من قبل أبوظبي كما لو كان رئيس اليمن نفسه.

وفي محاولة لرفع المكانة الدولية للمجلس الانتقالي الجنوبي، استخدمت الإمارات علاقاتها الدبلوماسية لتعريف "الزبيدي" بمحاوري الأمم المتحدة وروسيا والولايات المتحدة وبريطانيا وحتى إسرائيل. وفي جزيرة سقطرى، التي تُستخدم كنوع من حاملة الطائرات في المحيط الهندي، يُزعم أن المجلس الانتقالي الجنوبي قد أيد حتى إنشاء عنصر استخباراتي إسرائيلي بعد اتفاقات التطبيع.

نتيجة لذلك، لن يستمر النفوذ الكبير للإمارات على الصراع في اليمن فحسب، بل سينمو، وإن كان بشكل غير مباشر. وتسمح قدراتها الحربية البديلة باحتفاظ أبوظبي بالسيطرة على المسائل المهمة ذات الاهتمام في المجال البحري.

ويعني تزويد وكلائها باستقلالية كبيرة في جميع المسائل الأخرى أن الإمارات قد أطلقت بفعالية قوة سياسية وعسكرية قوية في الصراع المستقطب بالفعل. وفي أعقاب سياسة "فرق تسد"، استغلت عمليات الوكلاء الإماراتيين في جنوب اليمن السرديات الانفصالية الجنوبية لتقويض وحدة اليمن.

ومع استسلام حكومة "هادي" بشكل متزايد لضغوط الحوثيين في الشمال ووكلاء الإمارات في الجنوب، تتكبد السعودية خسارة كبيرة في الصراع، وكل ذلك بينما تجتذب معظم السمعة السيئة عالميا حول حرب اليمن.

المصدر | ريسبونسبل ستيت كرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد