السبت 13 مارس 2021 10:15 ص

اقتصاد الكويت: تراجع كبير مقارنة باقتصاديّ الإمارات وقطر

تزامنت جائحة كورونا مع انخفاض أسعار النّفط بالسّوق الدّوليّة مما انعكس بشكل واضح على اقتصادات دول الخليج النّفطية.

أغلقت الكويت على أهلها ودفعت بالوافدين للخروج من البلاد مما انعكس عليها سلبا حيث تشكّل العمالة الوافدة عصب النّشاط الاقتصادي.

تأثّرت دول الخليج سلبا وتجلّى ذلك بعجز الميزانيّات العامّة وتسريح العمالة الوافدة وتقليص الإنفاق وإجراءات تقشّف واستدانة خارجيّة عبر السّندات الدّوليّة.

*     *     *

لم تفلت أي دولة نفطيّة من الأزمة المزدوجة التي شهدها العالم مطلع عام 2020، حيث تزامنت جائحة كورونا مع انخفاض أسعار النّفط في السّوق الدّوليّة، وهو ما انعكس بشكل واضح على اقتصاديّات دول الخليج النّفطية.

تأثّرت دول الخليج سلبا بالأزمة، وتجلّى الأمر من خلال عجز الميزانيّات العامّة، وتسريح أعداد كبيرة من العمالة الوافدة، وتقليص النّفقات العامّة، واتّباع إجراءات تقشّفية، والاتجاه للاستدانة الخارجيّة عبر السّندات الدّوليّة.

بدت الأزمة الاقتصاديّة أكثر حدّة ووضوحًا في الكويت مقارنة ببعض دول الخليج الأخرى، كالإمارات وقطر. والمقارنة هنا لها مبرّراتها، حيث تتقارب الاقتصاديّات الثّلاثة من حيث هياكلها، وطبيعة النّشاط الاقتصادي الرّيعي المعتمد على العوائد النّفطيّة، وكذلك طبيعة الإنفاق العام الذي يحرص على تقديم كثير من الخدمات لمواطني هذه الدّول في مجالات التّعليم والصّحة وباقي السّلع والخدمات العامّة، فضلًا عن ضمان وظائف مريحة بالدّولة والقطاع العام.

لكنّ السّؤال هنا، لماذا تمكّنت الإدارة الإقتصاديّة في كل من الإمارات وقطر، من تسيير الأعمال الحكوميّة وباقي أعمال المرافق العامّة، دون الإعلان عن أزمات كتلك التي شهدتها الكويت منذ الشّهور الأخيرة من عام 2020، والتي كان أبرزها مشكلة توفير السّيولة الخاصّة برواتب العاملين في الحكومة الكويتيّة وباقي مرافق الدّولة.

مظاهر الأزمة في الكويت

ثمّة عدّة مؤشّرات دلّت على وجود أزمة حقيقيّة على الصّعيد المالي والإقتصادي في الكويت، منها ما نشر عن وكالة “فيتش” في أوائل فبراير 2021، حول تخفيض التّصنيف الائتماني للدّيون الكويتيّة من مستقرّة إلى سالبة. أضف اليها تصريحات وزير الماليّة الكويتي خليفة مساعدة حمادة، التي زادت الأمر ضبابيّة، حيث أفاد بأن السّيولة بخزينة البلاد قاربت على النّفاد.

وعلى مدار الشّهور الأخيرة من عام 2020، أثيرت قضيّة التّعثّر في تدبير الرّواتب للعاملين في الدّولة، وذلك بسبب التّداعيات السّلبية لأزمة جائحة كورونا، التّي أدت إلى إغلاق البلاد لفترات طويلة أثّرت بشكل مباشر على الجوانب الإقتصاديّة. كما صاحبها تدنّي أسعار النّفط في السّوق الدّولية، حيث تمثل إيرادات النّفط 90% من الإيرادات العامّة للبلاد.

وإن كان وزير الماليّة الكويتي، أوضح أنّ وضع بلاده المالي متين، إلا أن الأمر على ما يبدو متعلّق بنقص السّيولة في الصّندوق السّيادي للكويت، حيث أنّ الأصول الماليّة لهذا الصّندوق قد تكون وضعت في مشروعات من الصّعب تسييلها في الأجل القصير أو المتوسط، أو حصلت خسارة جزء كبير من السّيولة المتاحة للصّندوق السّيادي في أسواق المال في ظلّ جائحة كورونا.

عجز الميزانية أكبر

يظهر الفارق بين أداء الدّول الثّلاث اقتصاديًّا من خلال الميزانيّات الخاصّة بعام 2021، حيث وصل عجز الميزانيّة الكويت للعام المالي 2020/2021 الى نحو 46 مليار دولار، بينما بلغ في قطر حدود 9.5 مليار دولار، وفي الإمارات وصل العجز الى 1.3 مليار دولار، في ميزانية 2021.

وبينما كانت كل من قطر والإمارات مستنزفتين في أزمات الإنفاق العسكري، فالإمارات شريك في تحالف الخليج في اليمن، فضلًا عن دعمها لفصائل مسلحة في كل من ليبيا واليمن، وتوسعها بإنشاء قواعد عسكرية في افريقيا.

أما قطر فكانت قبل إبرام المصالحة الخليجيّة في يناير 2021 تنفق على متطلّبات مواجهة الأزمة الخليجية ومتطلّبات الحرب النّاعمة والدّبلوماسيّة.

في المقابل كانت الكويت بعيدة عن هذه المجالات، ما “يجب” أن يأمنها من الوقوع في أزمة مالية ويبعدها عن استنزاف مواردها الماليّة والإقتصاديّة بشكل كبير.

ثمّة إذا علامات إستفهام كبيرة حول تراجع الوضع الإقتصادي والمالي للكويت مقارنة بقطر والإمارات، ففي مطلع 2020، كانت الكويت تمتلك رصيدًا في صندوقها السّيادي نحو 533 مليار دولار، بينما تمتلك قطر 295 مليار دولار فقط، أما الإمارات فتتميّز بوجود أكثر من صندوق سيادي لإماراتها السّت، والتّي تبلغ أرصدتها ما يزيد عن تريليون دولار.

المنطق الاقتصادي يقول أن أرصدة الكويت في صندوقها السّيادي، كانت كفيلة بألّا يتعرض وضعها المالي والإقتصادي لهزّة عنيفة تصل إلى حدّ وجود مشكلة أو التّصريح بوجود أزمة سيولة أو أن تكون هناك مشكلات في دفع رواتب موظّفي الدّولة.

وبحسب توقّعات وزارة الماليّة الكويتيّة، قد تصل قيمة عجز الميزانيّة للعام المالي 2021/2022 إلى نحو 40 مليار دولار، وهو ما يعني استمرار الأزمة الماليّة والإقتصاديّة خلال الفترة القادمة، ما سيتطلّب إدارة مالية تتّجه لإتاحة سيولة بشكل أفضل، من خلال التّصرف في بعض الأصول الماليّة المملوكة للدولة، أو عبر الإقتراض من الخارج.

والجدير بالذّكر أنّ الكويت، كانت قد أصدرت سندات في النّصف الأول من عام 2020 بنحو 14.1 مليار دولار، وهي الدّولة الأعلى من بين دول الخليج من حيث إصدار السّندات خلال هذه الفترة. 

مشكلة الشّفافيّة

من القضايا المثيرة دائمًا في الوضع المالي لدول الخليج، ومن بينها دول المقارنة في هذا المقال (الإمارات، وقطر، والكويت) أن الوضع المالي العام، لا يتسم بالشّفافية، وعادة لا تعبّر الميزانيّات العامّة عن حقيقية الوضع المالي في البلاد وبخاصة ما يتعلّق بأصول الصّناديق السّياديّة.

وبلا شكّ أن أزمة جائحة كورونا، وما تبعها من أزمة انخفاض أسعار النّفط، أثّرتا على آداء أسواق المال بشكل كبير، فحقّقت المحافظ الماليّة للصناديق السّيادية لمعظم دول العالم خسائر، ومن بينها الصّناديق السّيادية لكل من الإمارات وقطر والكويت.

المشكلة هي بعدم الإفصاح عن هذه البيانات، فبينما نجد مثلًا الصّندوق السّيادي في النّرويج يعلن عن مثل هذه البيانات بشفافيّة كاملة، ويحدّد صافي أعمال كل سنة من خسائر أو أرباح، لا نرى دول الخليج تقوم بالمثل.

في الكويت يقتصر الأمر على جلسات مغلقة في البرلمان عند مناقشة الوضع المالي أو الميزانيّة، ولا تظهر إلا بيانات شديدة العموميّة لا يتمّ التّعرض فيها بطبيعة الحال لنتيجة أعمال الصّندوق السّيادي.

سيطرة الإمارات وقطر على الأزمة

لم تصدر كل من الإمارات وقطر بيانات رسميّة تشرح طبيعة التّعامل مع الأزمة الماليّة والإقتصاديّة منذ مطلع 2020 وحتى الآن، لكن ما يمكن استنتاجه من خلال الأداء المالي والإقتصادي لكليهما، مقارنة بما تم في الكويت، أنّ الإمارات وقطر قد يكون لديهما قدرة أكبر على تسييل بعض الأصول الماليّة في الصّناديق السّيادية.

والحرص على التّعامل مع الإيرادات النّفطية المتحقّقة في ظل الأزمة بصورة تتميّز بالتّدفق الذّي يضمن عدم وجود مشكلة في الدولاب الإقتصادي للحكومات.

الكويت كانت أكثر تشدّدا في التّعامل مع جائحة كورونا، وظلّ الإغلاق الإقتصادي فيها لفترات أكثر مما حدث في الإمارات وقطر، وهو ما أدى بلا شكّ إلى وجود عوائد اقتصاديّة لبعض الإنشطة، بمعدّلات أقلّ مما كانت عليه.

 كما رأينا بعض المعارض والأنشطة السّياحيّة في الإمارات، وكذلك العديد من الفعاليّات الرّياضيّة في قطر. ظلت الكويت مغلقة على أهلها، وتدفع بالعديد من الوافدين للخروج من البلاد، وهو ما انعكس عليها سلبا في ظلّ دولة مثل الكويت تشكّل فيها العمالة الوافدة، عصب النّشاط الإقتصادي.   

* عبد الحافظ الصاوي كاتب وباحث اقتصادي

المصدر | البيت الخليجي للدراسات والنشر