السبت 24 أبريل 2021 08:49 م

تعاني الكويت من عجز في الميزانية منذ 7 سنوات على التوالي، في وقت تمثل فيه رواتب موظفي القطاع العام والإعانات والمنح حوالي 71% من إجمالي الإنفاق الحكومي. وفشلت محاولات معالجة العجز بالرغم من برنامج "استدامة" الذي أطلقته وزارة المالية عام 2016 من أجل تدشين إصلاحات اقتصادية بما في ذلك إعادة هيكلة سوق العمل.

وفي صيف عام 2020، أيّ مع بداية انتشار جائحة "كورونا"، أعلن وزير المالية السابق "براك الشيتان" أن الحكومة لن تكون قادرة على دفع الرواتب بعد أكتوبر/تشرين الأول، في حين أعلن الوزير الحالي أنه بحلول أبريل/نيسان 2021 ستواجه الحكومة عجزًا ماليًا.

وفي فبراير/شباط الماضي، بدأت الشائعات تنتشر حول الاقتراض من "صندوق الأجيال القادمة" لتمويل العجز، في وقت ما يزال فيه قانون الدين العام معلقًا من قبل البرلمان. ومع ذلك، ففي وقت سابق من هذا الشهر، أعربت مصادر في الحكومة عن اطمئنانها بشأن تأمين الرواتب مع ارتفاع أسعار النفط إلى ما يقرب من 70 دولارًا للبرميل، ما جنّب الحاجة إلى اتخاذ إجراءات جذرية.

ولن يحل أي من السيناريوهين المذكورين مأزق رواتب القطاع العام، كما لم تحدث المبادرات السابقة مثل "استدامة" أو الإصلاحات الأخرى المدرجة في خطط التنمية الوطنية أي فرق ملموس.

والواقع أن مأزق رواتب القطاع العام قد تفاقم لدرجة أن أي إصلاح سيعني تحديات كبيرة بالنسبة للعلاقة بين الحكومة والمواطنين، ويعد هذا الأمر محفافا بالمخاطر للغاية، في ظل المناخ السياسي المضطرب حاليًا في الكويت.

المنح النقدية الكويتية

صدر أحدث إصدار في هذا الإطار عن برنامج دولة الكويت، كلية لندن للاقتصاد - مركز الشرق الأوسط، تحت عنوان "إصلاح توزيع الثروة في الكويت: تقدير التكاليف والآثار" للبروفيسور "ستيفن هيرتوج".

ومع الأخذ في الاعتبار الوضع غير المستدام لرواتب القطاع العام وتشوه الاقتصاد، يقترح "هيرتوج" حلًا بديلًا لشبكة الأمان الاجتماعي وتقاسم الثروة من خلال تقديم منحة نقدية غير مشروطة لجميع الكويتيين بغض النظر عن العمر والوضع الاقتصادي والاجتماعي.

وعلى عكس سياسات ومقترحات المنح النقدية في أماكن أخرى والتي يتم تمويلها من خلال الضرائب، يقترح "هيرتوج" أن تأتي هذه المنح من الإيرادات التي يجري تحصيلها من رسوم الطاقة.

وفي حين أن ورقة "هيرتوج" البحثية جديرة بالإشادة لأنها تقدم طريقًا جديدًا للإصلاح، فإن طريقة التأطير والتحليل والبيانات المستخدمة تبدو إشكالية، حيث إن الرسومات التوضيحية التي تم استخدامها لإظهار متوسط ​​الأجور في القطاع العام لكل مستوى تعليمي، لم تكن صحيحة تمامًا ويمكن أن تكون مضللة.

وبدلاً من حصر الأمر في نقد المنح النقدية الشاملة، فمن المفيد استخدام المشكلات التي ظهرت في الورقة البحثية لتوضيح المفاهيم الخاطئة حول أجور القطاع العام وتقديم صورة أكثر تفصيلاً للتحديات التي سيواجهها أي صانع سياسة إذا حاول إصلاح سوق العمل دون فهم الواقع على الأرض.

أزمة ديوان الخدمة المدنية

لطالما أكدت الخطط الاقتصادية الوطنية لدولة الكويت على أهمية تنمية القطاع الخاص، ولكن على الرغم من هذا التركيز فإن القطاع الخاص، حتى مع ميزاته في المرونة والابتكار، يتخلف بشكل مستمر عن القطاع العام.

وبالرغم أن القطاع الخاص يتمتع بالاستقلال ظاهريًا، إلا أن التدخل المباشر للدولة في الاقتصاد الكويتي جعلها الممول الأساسي للقطاع الخاص، ما أعاق تطوره المستقل.

وإلى أن تتم معالجة هذه المشكلة الهيكلية، فإن فكرة أن التحول إلى القطاع الخاص سيصلح الاقتصاد والمجتمع بطريقة سحرية من خلال خلق فرص عمل للمواطنين؛ هي فكرة خيالية.

ويعتبر السبب في عدم جدوى إصلاحات سوق العمل في الماضي هو أن الباحثين وصناع السياسات نادرًا ما يفحصون السبب الجذري الهيكلي للمشاكل العديدة في سوق العمل الكويتي؛ وهو ديوان الخدمة المدنية.

تم تأسيس ديوان الخدمة المدنية كقناة أساسية يتم من خلالها إعادة توزيع حصة من الثروة النفطية على المواطنين بهدف ضمان حد أدنى من التوزيع العادل للدخل بين الطبقات الاجتماعية، لكن فلسفة وجود هذا الكيان، تبرر عدم ارتباط الأجر في القطاع العام بالإنتاجية أو بمخرجات الإنتاج.

يعد ديوان الخدمة العامة حاليًا أكبر جهة توظيف للمواطنين الكويتيين، حيث يوظف ما يقرب من 50% من الخريجين الباحثين عن عمل، والموجودين على قائمة الانتظار سنويًا. ويمنح ديوان الخدمة العامة التوظيف التفضيلي لخريجي الجامعات، لكن الوظائف التي يشغلونها لا تتناسب مع مستواهم التعليمي.

وباستثناء فئات الوظائف الفنية مثل الصحة والتعليم والهندسة، فنادرًا ما تتطلب غالبية الوظائف ذكاءً أو إبداعًا، وإنما تتطلب مهارات أساسية مثل القراءة والكتابة والقدرة على تشغيل جهاز كمبيوتر لتنفيذ المتطلبات البيروقراطية اليومية.

كما أن البيانات التي اعتمد عليها "هيرتوج" من مسح سوق العمل لعام 2018، الصادر عن المكتب المركزي للإحصاء، للقول بأن أجور القطاع العام مرتفعة مقارنة بالقطاع الخاص، غير دقيقة.

وأسندت البيانات متوسط ​​الأجر إلى المستوى التعليمي وخرجت برقم متوسط ​​عام لجميع القطاعات، ومع ذلك، فإن هذا القياس يتغاضى عن عامل حاسم؛ حيث لا يربط ديوان الخدمة المدنية المكافآت بالمستوى التعليمي وحده.

ويعتبر نظام الأجور أكثر تعقيدًا، وينقسم إلى الراتب الأساسي وبدل الوظيفة وبدل المهام والعلاوة الاجتماعية، وتتقلب هذه الأرقام وفقًا لخمس فئات رئيسية: سنوات الخبرة وعمره، درجته وكادره، نوع الوظيفة، الشهادات التي حصل عليها، الجنس والوضع الاجتماعي.

وعلاوة على ذلك، فإن الترقية في القطاع العام تعتمد في المقام الأول على الزمن وليس الكفاءة، وهذا ما يغفله العديد من الباحثين؛ ففي حين أن أجور القطاع العام تبدو أعلى في البداية، فإن رواتب القطاع الخاص، عند دمجها مع إعانة دعم العمال، تصبح أعلى بكثير بمرور الوقت. ولأن الترقية تعتمد على الكفاءة، يمكن للعاملين في القطاع الخاص القفز في السلم الوظيفي أفضل من أقرانهم في القطاع العام.

المنحة النقدية غير كافية

وبالرغم أن "هيرتوج" قدم أفكارا جيدة فيما يتعلق بكيفية التعامل مع أوقات الخمول غير المنتجة في القطاع العام، فإن المنح النقدية لن تحفز المواطنين على الهجرة إلى القطاع الخاص أو استثمار وقتهم في اكتساب مهارات جديدة.

ولفهم السبب، فمن الضروري تحويل المنظور من علم الاقتصاد إلى منظور الديناميكيات الاجتماعية والثقافية للمواطنين الكويتيين. وعلى الرغم من محاولة "هيرتوج" تقديم رؤية لمنح نقدي تضمن مستوى معيشيًا وأسلوب حياة مشابهًا، فمن المحتمل أن يكون من المستحيل تحقيق ذلك.

فأولاً، إذا حد ديوان الخدمة المدنية من التوظيف، فلن يكون لدى القطاع الخاص الحالي القدرة على استيعاب تدفق الخريجين الباحثين عن عمل.

وعلاوة على ذلك، أشار "هيرتوج" إلى أن النساء أكثر عرضة لترك التوظيف الحكومي من أجل المنح النقدية ومضى يقول إن "عدم العمل في وظيفة مربحة لا يعتبر بشكل عام مشكلة اجتماعية للمرأة الكويتية".

لكن هذا الادعاء يرسخ معايير التفرقة بناء على النوع الاجتماعي، كما يعزز الأحكام المسبقة غير الصحية الموجودة بالفعل في سوق العمل.

وأخيرًا، بالرغم أن الوظائف الحكومية تعتبر غير منتجة عمومًا مقارنة بوظائف القطاع الخاص، فإن هذه الوظائف توفر عنصر مشاركة المواطنين وانخراطهم من خلال كونهم أعضاء نشطين في سوق العمل، وهو أمر لن توفره المنح النقدية الشاملة.

المصدر | شيخة الهاشم | منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد