الأحد 21 مارس 2021 09:20 م

تتمتع السعودية، التي تحكمها عائلة "آل سعود" منذ تأسيسها عام 1932، بنفوذ عالمي كبير من خلال إدارتها لمهد الدين الإسلامي وبفضل احتياطياتها النفطية الكبيرة. وقد أثارت قرارات السياسة الداخلية والخارجية للقادة السعوديين دعوات من بعض القادة الأمريكيين لإعادة تقييم العلاقات الثنائية القائمة منذ فترة طويلة.

سعى "آل سعود" للحصول على الحماية والمشورة والتكنولوجيا والأسلحة من الولايات المتحدة، إلى جانب الدعم في تطوير الموارد الطبيعية والبشرية لبلدهم وفي مواجهة تهديدات الأمن القومي. وقد أشاد قادة الولايات المتحدة بالتعاون السعودي في المسائل الأمنية ومكافحة الإرهاب، وسعيها إلى الحفاظ على التدفق الآمن لموارد الطاقة ورؤوس الأموال في المملكة إلى الأسواق العالمية.

وقد اختلفت إدارة "دونالد ترامب" وبعض أعضاء الكونجرس حول كيفية التعامل مع العلاقات الأمريكية السعودية في ضوء الخلافات حول حقوق الإنسان والحرب في اليمن. وتظل هذه القضايا، وسياسة إيران  حاليا، على رأس أجندة كل من الرئيس الحالي "جو بايدن" والكونجرس.

القيادة والثقة العامة

تولى الملك "سلمان بن عبدالعزيز" (85 عامًا) العرش في عام 2015 بعد وفاة أخيه غير الشقيق الملك الراحل "عبدالله بن عبدالعزيز". وقد غيّر الملك "سلمان" المسؤوليات والقوة النسبية للأعضاء القياديين للجيل القادم من أحفاد مؤسس المملكة.

حيث أصبح نجل الملك "سلمان"، ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" (35 عامًا)، هو الآن الشخصية المركزية في صنع السياسة السعودية، بعد أن أكد سيطرته على قوات الأمن الوطني الرئيسية، وهمّش المنافسين المحتملين، وبدأ في تنفيذ تغييرات سياسية طموحة.

بالتوازي مع ذلك، يبدو أن قنوات التعبير عن المعارضة داخل المملكة قد ضاقت إلى حد كبير. فمنذ عام 2017، اعتقلت قوات الأمن عشرات النشطاء ورجال الدين والشخصيات الإسلامية والصحفيين الذين يمثلون اتجاهات ووجهات نظر أيديولوجية مختلفة.

وفي أواخر 2017، سجنت السلطات أيضًا عشرات الأثرياء (والمنافسين المحتملين لولي العهد) لعدة أشهر في فندق "ريتز كارلتون" في الرياض؛ كجزء من حملة شكلية لمكافحة الفساد. وقد تم الإفراج عن معظم هذه المجموعة الأخيرة من المعتقلين بعد التوصل إلى تسويات مالية غير معلنة، وسط روايات عن انتهاكات.

وتشير التقارير المتعلقة بوقوع مزيد من الاعتقالات واستجواب كبار أفراد العائلة المالكة في عام 2020، إلا أن قضايا خلافة الحكم يمكن أن تظل موضع خلاف.

لقد تحول صنع القرار السعودي من الموقف الذي كان يتجنب المخاطرة نسبيًا بشأن الحفاظ على إجماع النخبة، إلى موقف يتميز بتغييرات أكثر جرأة وموجهة مركزيًا. لقد تحدت قيادة ولي العهد مجموعات المصالح الرئيسية؛ بما في ذلك فصائل العائلة المالكة ونخب الأعمال والشخصيات الدينية المحافظة، ودفعت السعوديين والأجانب، على حد سواء، لإعادة النظر في افتراضاتهم حول مستقبل المملكة.

رؤية 2030 والتغيير الاجتماعي

تمثل مبادرة "رؤية 2030" محور الأجندة المحلية للقادة السعوديين، والتي تسعى إلى تحوير اقتصاد المملكة من خلال تنويع مصادر الإيرادات الحكومية وتقليل الاعتماد طويل الأمد على تصدير النفط من خلال الاستثمار ونمو القطاع الخاص.

وقد جمع الطرح العام الأولي لأسهم شركة النفط الحكومية "أرامكو" 26 مليار دولار في أواخر عام 2019. وخفضت السلطات بعض الإعانات الاستهلاكية والصناعية وفرضت ضريبة القيمة المضافة ورفعتها.

عرضت السلطات أيضًا وسط بعض الانتقادات المحلية، بعض مدفوعات الإغاثة، وزيادات في الرواتب، وإعفاءات ضريبية. وفي عام 2020، أدى انخفاض أسعار النفط والطلب الناجم عن جائحة فيروس "كورونا"  إلى انخفاض الإيرادات.

قاد التحول الاقتصادي التغيير الاجتماعي في المملكة منذ أوائل القرن العشرين، ويرافق الآن مبادرة "رؤية 2030" تغييرات مهمة في نهج الدولة تجاه بعض الأمور الاجتماعية الحساسة؛ حيث ألغت السلطات الحظر الذي تفرضه المملكة منذ فترة طويلة على قيادة المرأة للسيارات، في يونيو/حزيران 2018، لتوسيع مشاركة المرأة في القوى العاملة.

وأدت التغييرات الموازية إلى خلق المزيد من المساحات العامة للنساء في بعض الأحداث الاجتماعية والثقافية. وقامت السلطات بتعديل جزئي لقواعد ولاية الرجل التي تقيد استقلالية المرأة وتصرفت لوضع أحكام قضائية موحدة في القضايا ذات الصلة.

ويرحب بعض السعوديين بالتغييرات التي تم إجراؤها حتى الآن ويدعون إلى المزيد؛ فيما يعبر آخرون عن معارضتهم أو قلقهم بشأن التأثيرات المحتملة للتغييرات على القيم الدينية والاجتماعية.

حقوق الإنسان

رافقت القيود الأكثر صرامة على حقوق الإنسان، التغيير الاجتماعي الأخير، وأدى سجن ومحاكمة العديد من نشطاء حقوق المرأة وغيرهم من الشخصيات البارزة إلى تدقيق الكونجرس في استخدام المملكة للمحكمة الجنائية المتخصصة وقوانين مكافحة الإرهاب لمواجهة المعارضة.

منذ ديسمبر/كانون الأول 2020، خففت محاكم المملكة أو علقت الأحكام الصادرة بحق الدكتور "وليد الفتيحي" والناشطة في مجال حقوق المرأة "لجين الهذلول". وتم الإفراج عن مواطنين سعوديين وأمريكيين سعوديين آخرين بشروط.

في أكتوبر/تشرين الأول 2018، قتل مسؤولون سعوديون الصحفي السعودي والمقيم في الولايات المتحدة "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية في إسطنبول بتركيا، مما دفع الحكومة الأمريكية إلى فرض عقوبات سفر ومالية على بعض المسؤولين السعوديين المشتبه في تورطهم.

وحاكمت المملكة بعض المسؤولين المجهولين بتهم ذات صلة، وأدانت 8 وحكمت على 5 بالإعدام، وخففت المحاكم السعودية فيما بعد أحكام الإعدام إلى أحكام متفاوتة بالسجن. وفي فبراير/شباط 2021، أصدرت أجهزة المخابرات الأمريكية تقريرًا يقيّم أن ولي العهد "وافق على عملية في إسطنبول بتركيا للقبض على خاشقجي أو قتله"، فيما شكك مسؤولون سعوديون في استنتاجات التقرير.

الخطط النووية السعودية

يسعى القادة السعوديون إلى إعادة صياغة دور موارد الطاقة في اقتصاد المملكة ويخططون لتطوير البنية التحتية للطاقة النووية المدنية المحلية. لقد طلبوا عطاءات لبناء مفاعلين للطاقة النووية.

وعجلت إدارة "ترامب" بالنظر في الموافقات التنظيمية المطلوبة للشركات الأمريكية لتقديم معلومات تسويقية للمسؤولين السعوديين، ولم يتخلَّ المسؤولون السعوديون عن تخصيب اليورانيوم وأعلنوا عزمهم على تطوير واستخدام الموارد المحلية.

تخضع المنشآت النووية السعودية لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بالرغم من أن بعض التقارير الصحفية أثارت تساؤلات حول احتمال وجود مواقع غير معلنة، وراجعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية البنية التحتية النووية السعودية المعلنة وتوصي باعتماد وتنفيذ بروتوكول إضافي.

محاربة الإرهاب والتطرف

تصف الحكومة الأمريكية التعاون الأمريكي السعودي في مكافحة الإرهاب بأنه "قوي"، وتنسب للمسؤولين السعوديين الفضل في الحد من تمويل الإرهاب من قبل المواطنين السعوديين، والمساعدة في تقويض الدعاية الإرهابية.

كما انتقد تنظيم "الدولة الإسلامية" بشدة السلطات السعودية والمسؤولين الدينيين، وتشير تقييمات التهديدات الأمريكية إلى أن التنظيم و"القاعدة" يشكلان مخاطر مستمرة على أمن المملكة.

وتتطور علاقة الحكومة السعودية بالشخصيات الدينية المحافظة، حيث تروّج الدولة للتغييرات التي يحتمل أن تكون مثيرة للجدل في السياسة الاجتماعية، مع تجنيد القادة الدينيين لمواجهة الرسائل المتطرفة.

وباء كورونا

فرضت السلطات السعودية إغلاقًا للحدود، وقيودًا على التأشيرات، وحظر تجول داخلي، وقيودًا على السفر، وقللت من الوصول إلى الحج كتدابير لمواجهة الوباء، بما في ذلك الحد من موسم الحج لعام 2020.

واعتبارًا من 12 مارس/آذار 2021، أكدت منظمة الصحة العالمية الإبلاغ السعودي الرسمي عن أكثر من 381 ألف حالة إصابة بفيروس "كورونا"، بما في ذلك أكثر من 9 آلاف حالة نشطة، وأكثر من 6550 حالة وفاة، وقد انخفض معدل الحالات الجديد منذ يونيو/حزيران 2020.

السياسة الخارجية السعودية:

إيران والاتفاق النووي واليمن

أشاد المسؤولون السعوديون بقرار إدارة "ترامب" الانسحاب من الاتفاق النووي في عام 2018، وقالوا إنهم يتوقعون أن تتشاور الولايات المتحدة مع المملكة بشأن احتمال إعادة الانضمام إلى الاتفاقية بعد وصول "بايدن".

ويشجع المسؤولون السعوديون الولايات المتحدة على مواجهة إيران بشأن الدعم الإيراني للجهات المسلحة في جميع أنحاء المنطقة، وخاصة جماعة "الحوثي" في ​​اليمن، و"حزب الله" اللبناني، والميليشيات الشيعية في العراق.

في اليمن، قادت السعودية تحالفًا عسكريًا أغلبه من الدول العربية منذ مارس/آذار 2015، في محاولة لإعادة حكومة الرئيس "عبد ربه منصور هادي"، الذي أطاح به الحوثيون في هجوم 2014-2015.

وزودت إيران الحوثيين بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة المستخدمة لمهاجمة السعودية. وبعد هجوم صاروخي وطائرة مسيرة على منشآت نفطية سعودية نُسبت إلى إيران، أدى إلى خفض إنتاج النفط السعودي إلى النصف مؤقتًا، في سبتمبر/أيلول 2019، نشر الرئيس "ترامب" طائرات وأفرادًا أمريكيين إضافيين في المملكة.

وتستمر الهجمات بالصواريخ والطائرات بدون طيار. وقد ورد اعتبارًا من يناير/كانون الثاني 2021، أن ما يقرب من 2500 من أفراد الجيش الأمريكي كانوا في المملكة، مع أنظمة دفاع جوي وطائرات.

وسط مخاوف بشأن الخسائر المدنية في اليمن، أنهت إدارة "ترامب" التزود بالوقود الأمريكي لطائرات التحالف السعودي في أواخر عام 2018. وأعلن الرئيس "بايدن" في فبراير/شباط 2021، أن الدعم الأمريكي المتبقي للعمليات الهجومية السعودية في اليمن سينتهي، كما عيّن مبعوثًا أمريكيًا جديدًا لدعم محادثات السلام.

ويعتبر مسؤولو الأمم المتحدة أن اليمن يعيش أسوأ أزمة إنسانية في العالم، ويستشهدون بسياسات الحوثي والتحالف السعودي كعوامل مساهمة.

الشؤون الإسرائيلية الفلسطينية

تعتبر السعودية رائدة بين الدول العربية في دعم المطالب الفلسطينية الرئيسية، وقد انخرط القادة السعوديون بهدوء مع إسرائيل على أساس المخاوف المشتركة بشأن إيران.

ويواصل المسؤولون السعوديون اشتراط التطبيع السعودي مع إسرائيل بالشروط الواردة في مبادرة السلام العربية لعام 2002. وقد قال وزير الخارجية السعودي "فيصل بن فرحان آل سعود"، في ديسمبر/كانون الأول 2020، إن بلاده "منفتحة تمامًا على التطبيع الكامل مع إسرائيل... ولكن من أجل أن يحدث ذلك ولكي يكون ذلك مستدامًا، نحن بحاجة إلى أن يحصل الفلسطينيون على دولتهم ونحن بحاجة لتسوية هذا الوضع".

وفي أواخر عام 2020، منحت السعودية إسرائيل حقوق التحليق الجوي داخل مجالها الجوي لتسهيل السفر المباشر للخطوط الجوية الإسرائيلية إلى الإمارات والبحرين.

العلاقات مع الصين وروسيا

عززت صادرات الطاقة السعودية الكبيرة إلى الصين علاقات اقتصادية ودبلوماسية صينية سعودية جديدة؛ مما أدى إلى مبادرات تعاون جديدة.

إضافة لذلك يحافظ القادة السعوديون أيضًا على حوار جوهري مع روسيا، بما في ذلك حول سوريا وقضايا إقليمية أخرى. كما استؤنف التنسيق السعودي الروسي بشأن السياسة النفطية، بعد الانهيار في مارس/آذار 2020، وفيما تشتري السعودية بعض الأسلحة الصينية فهي تناقش مشترياتها من روسيا.

المصدر | كريستوفر  بلانكارد/ أوراسيا فيو – ترجمة وتحرير الخليج الجديد