الجمعة 26 مارس 2021 11:43 م

تعد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تجتاح لبنان اليوم غير مسبوقة في تاريخ البلاد الممتد إلى 100 عام، والذي شهد اضطرابات طائفية وحروبا أهلية واضطرابات اجتماعية وأثرا مدمرا للتدخلات الإقليمية والحروب الخارجية.

وحتى الآن، تجنبت البلاد الانزلاق مرة أخرى إلى الحرب الأهلية (1975 - 1990) التي قتلت وأصابت مئات الآلاف ودمرت البنية التحتية والاقتصاد وأجبرت اللبنانيين على إعادة التفكير في نظامهم السياسي.

وفي الواقع، يعود الامتناع عن العنف الخطير كما يظهر اليوم، بالرغم من المظاهرات وأعمال الاضطراب المحدودة، إلى الدروس المستفادة من تلك الحرب الأهلية، عندما اعتقدت الفصائل السياسية أنه يمكن تحقيق التغيير من خلال فوهة البندقية.

لكن لا ينبغي الاستبعاد الكامل لفرضية أن تؤدي الكارثة الاجتماعية والاقتصادية الحالية إلى تدمير كل الحكمة المتبقية في الذاكرة الجمعية اللبنانية لتفرض بعض التحديات الخطيرة للقانون والنظام، خاصة في المراكز الحضرية.

وتقع مسؤولية هذا الوضع على عاتق قادة الطوائف المختلفة الذين يتحكمون في شبكات المحسوبية (التي انبثقت من النظام الطائفي القديم للبلاد) بالتنسيق والتعاون مع طبقة من الرأسماليين والتجار.

ويتشارك كل هؤلاء في الفساد والاستيلاء المسعور على موارد لبنان والاستفادة من التشريعات التي سنها برلمان منقسم طائفيا بدلا من حماية الدولة ومؤسساتها.

وفي حال اندلاع العنف، فمن المرجح أن يأخذ طابع ثورة من الساخطين والمضطهدين ضد أولئك الذين يسيطرون على السلطة السياسية والاقتصادية.

واليوم، يخاطر هؤلاء باستقرار البلاد في مقابل استمرار امتيازاتهم وسيطرتهم.

ومن المقلق حقيقة أن "حزب الله" وحلفاءه، مثل حركة "أمل" بقيادة رئيس مجلس النواب "نبيه بري"، سمحوا في السابق لمؤيديهم الشيعة وأنصارهم بمهاجمة المتظاهرين في بيروت والمدن الأخرى، ما يثبت أن "حزب الله" يقوم بدور الحامي للطبقة السياسية الفاسدة.

وإذا عاد هذا السلوك، فمن المحتمل أن تتحول الاشتباكات بين المؤيدين والمناهضين للحكومة إلى طابع طائفي، ما يؤدي إلى نزاع مسلح مخيف.

وإذا حدث ذلك، فمن المؤكد أن حربا أهلية ستندلع في غياب تعاون النخبة، مع عدم وجود نهاية في الأفق لمثل هذا الانهيار.

  • الانهيار الاجتماعي التدريجي

وفي 17 مارس/آذار، نشرت صحيفة "النهار" اللبنانية تقريرا باستخدام معلومات من الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومصادر أخرى حول الظروف الاجتماعية والاقتصادية المؤلمة والخطيرة في البلاد.

وتعتبر هذه الظروف مؤشرا على جولة من الاضطرابات الاجتماعية تهدد بأعمال عنف بين الأشخاص غير القادرين على تأمين سبل عيشهم وقوات الأمن التي تأخذ الأوامر بالحفاظ على القانون والنظام بأي ثمن.

وذكر التقرير ظروفا مزعجة للغاية. باختصار، يعيش 55% من اللبنانيين تحت خط الفقر، ويعيش 23% منهم في فقر مدقع.

وبلغ معدل التضخم الإجمالي 146% في عام 2020. وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة تزيد عن 400%.

ووصل معدل البطالة إلى 40%، في حين أن العاملين بالكاد يكسبون قوت يومهم مع فقدان العملة الوطنية (الليرة) 90% من قيمتها خلال العام الماضي.

وفي يوم صدور التقرير، كان سعر صرف الصرف هو 15 ألف ليرة للدولار، بعد أن كان المعدل 1500 ليرة فقط للدولار في بداية عام 2020.

ويبلغ الدين العام ما يقرب من 96 مليار دولار، وهو ما يمثل 171% من الناتج المحلي الإجمالي، وتمثل ديون شركة كهرباء لبنان 40% من إجمالي الدين العام.

وانخفضت احتياطيات البنك المركزي بشكل حاد من 30.3 مليار دولار في فبراير/شباط 2020 إلى 17.5 مليار دولار في منتصف مارس/آذار، ما يعني أن البلاد قد لا تتمكن قريبا من تغطية استيراد المواد الغذائية والأدوية والوقود، وغيرها.

وظهرت صورة أفضل للعملة الوطنية بعد ظهر يوم 19 مارس/آذار، عندما ارتفعت قيمة الليرة مقابل الدولار إلى نحو 10 آلاف ليرة للدولار، وهو مستوى لا يزال لا يمكن السيطرة عليه، بعد أنباء عن لقاء الرئيس "ميشال عون" ورئيس الوزراء المكلف "سعد الحريري" مرة أخرى لمناقشة تشكيل الحكومة.

واستجابة لتراجع ​​الاحتياطيات، أعلن "غازي وزني"، وزير المالية في الحكومة المؤقتة لرئيس الوزراء المستقيل "حسان دياب"، أن الحكومة ستبدأ في تقليص دعم المواد الغذائية ورفع أسعار البنزين لأن احتياطيات البلاد تتضاءل بسرعة. كما حذر من أن الأموال المتاحة تكفي لمدة شهرين على الأكثر.

وبدأ السائقون في الوقوف في طوابير عند محطات الوقود قبل أن يرتفع سعر البنزين.

وحذر وزير الطاقة "ريمون غجر" من أن وقود توليد الكهرباء سينفد بحلول نهاية مارس/آذار إذا لم يتمكن البرلمان من العثور على تمويل طارئ للإبقاء على البلاد مضاءة، ويخضع هذا بالفعل حاليا لإجراءات التقنين من 4 إلى 6 ساعات في اليوم. وتمكن المشرعون من تأمين 200 مليون دولار، أي خمس المبلغ المطلوب وهو مليار دولار.

وتظهر علامات الإجهاد والانهيار أيضا على نظام الرعاية الصحية في البلاد، حيث يترنح بسبب جائحة فيروس كورونا في حين لم تبد الحكومة الضعيفة استعدادا لمواجهته.

وحتى كتابة هذه السطور، يوجد في لبنان أكثر من 440 ألف حالة إصابة و5 آلاف و808 حالة وفاة.

ولأعوام، أهملت الحكومات المتعاقبة الصحة العامة، وبدلا من ذلك دعمت المؤسسات الخاصة، وهو الوضع الذي ساعد في تفاقم الوباء الحالي عندما بدأت هذه المستشفيات في الامتناع عن استقبال مرضى "كوفيد-19" الفقراء.

ووقع برنامج تطعيم مبكّر ممول من البنك الدولي بقيمة 34 مليون دولار ضحية للسياسيين الفاسدين الذين قفزوا إلى بداية الطابور وقاموا بتلقيح أنفسهم، ما دفع ممثل البنك في بيروت، "ساروج كومار جها"، إلى تعليق الجهود.

ويضاف إلى هذا المزيج وجود ما يقرب من 900 ألف لاجئ سوري في البلاد، بالرغم أن التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن العدد يبلغ 1.5 مليون.

وتأخرت خطط إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم بسبب صعوبة حل الأزمة السورية، التي بدأت الآن عامها الحادي عشر. ويقع 89% من اللاجئين السوريين تحت خط الفقر وفقا لتقديرات 2020.

وتساهم أزمة اللاجئين في تفاقم التعقيدات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعاني منها لبنان اليوم.

وفي الواقع، من الصعب أن نتخيل كيف يمكن معالجة مشاكل لبنان إذا ظل حل أزمة اللاجئين غير معروف.

  • تعميق المأزق السياسي

وإذا كان الوضع الاجتماعي والاقتصادي يرسل إشارات تحذيرية حول حالة السلم الاجتماعي في لبنان، فإن الجمود السياسي لا يؤدي إلا إلى تفاقمه.

وبعد أكثر من 7 أشهر على استقالة حكومة "حسان دياب"، في أعقاب انفجار 4 أغسطس/آب في مرفأ بيروت، لا يزال لبنان بلا حكومة جديدة.

وتم اختيار رئيس الوزراء السابق "سعد الحريري" من قبل غالبية أعضاء مجلس النواب، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020، عيّنه الرئيس "ميشال عون" لتشكيل حكومة جديدة.

ووعد "الحريري" بتشكيل حكومة تكنوقراط ليس لها انتماء سياسي واضح، لكن رغبته لم تتحقق حتى الآن.

ويبدو أن سبب التأخير هو الخلافات بين "عون" و"الحريري" على الحقائب الوزارية، بما في ذلك حصة الرئيس من الوزارات والإصرار على السيطرة على الثلث زائد واحد من جميع الحقائب الوزارية.

وبحسب الدستور اللبناني، تنهار الحكومة إذا استقال رئيس الوزراء أو الثلث زائد واحد من أعضاء الحكومة.

وتم تطبيق هذا النص الدستوري مع إصرار "حزب الله عليه" خلال الترتيب السياسي لعام 2008، لإنهاء الفراغ الرئاسي في ذلك الوقت.

ويتم استخدام هذا النص غالبا عندما لا يكون رئيس الوزراء المعين حليفا للحزب.

وفي الأساس، أصبح تشكيل الحكومة في لبنان رهينة اعتبارات "حزب الله" المحلية والإقليمية. ويشير الأمين العام لحزب الله، "حسن نصر الله"، إلى أن حكومة "الحريري" يجب أن تضم كلا من التكنوقراط والسياسيين، ربما لأنه يعتقد أنه سيكون له تأثير أكبر على الفئة الأخيرة.

والآن، يستخدم "عون"، الحليف المسيحي القوي لـ"حزب الله"، والتيار الوطني الحر بقيادة صهره "جبران باسيل" في البرلمان، نفس التكتيك للسيطرة على أجندة "الحريري".

لكن لا يبدو أن الأخير حريص على إعطاء "عون"، المدعوم من "حزب الله"، الوسائل لتقرير كيفية تشكيل حكومته أو أجندة الإصلاح التي قد يسنها.

وفي غضون ذلك، يقترب البلد من نقطة اللاعودة، مع عدم استعداد المانحين الدوليين لتقديم المزيد من المساعدات، خوفا من أن ينتهي الأمر بهذه المساعدات إلى فجوة الفساد نفسها التي ابتلعت المساعدات الأخرى التي تلقاها لبنان على مر السنين.

وبالفعل، أكدت الحكومات العربية، خاصة في الخليج، أنها لن تقدم أي مساعدة للبنان طالما يتمتع "حزب الله" بالسلطة التي يتمتع بها في الجسم السياسي الآن

. وعندما أرسلت الدول العربية مساعدات بعد انفجار ميناء بيروت، تجنبت قنوات الحكومة اللبنانية. 

كما أثرت الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على الجيش اللبناني. وفي رسالة تحذيرية من قائد الجيش "جوزيف عون"، طالب السياسيين في الآونة الأخيرة بتشكيل حكومة لوقف الفوضى المروعة التي قال إن قواته لن تتمكن من السيطرة عليها.

وفي الواقع، رفضت قيادة الجيش أمرا أصدره الرئيس "عون" في 8 مارس/آذار بإخلاء الشوارع من بعض الاحتجاجات، في عملية تعقد العلاقات المدنية العسكرية في البلاد.

ومن المستبعد أن يتدخل الجيش في السياسة. ويعتبر الجيش نفسه مؤسسة دولة ليس لها طموحات سياسية.

وكذلك يخشى قادة الجيش الانقسام، ويشعرون بالقلق بشأن "حزب الله" كميليشيا مسلحة قوية.

لكن مجرد حقيقة أنقائد الجيش شعر بالجرأة الكافية لإصدار تحذير ورفض الانصياع لأمر من القائد العام للقوات المسلحة، هي مؤشرات على انسحاب مؤسسة أخرى تدريجيا من حماية النظام السياسي.

  • التأثيرات الإقليمية والدولية

ويعد لبنان رهينة الظروف الإقليمية التي تفاقم انقساماته المذهبية والسياسية.

وهناك من يعتقد أن مشاكل لبنان المستمرة هي على الأقل جزئيا نتيجة للانقسام الطائفي بين المجتمعات السنية والشيعية في الشرق الأوسط، مع مظاهر مماثلة في سوريا والعراق واليمن.

وهناك من هو مقتنع بأن الدور الحاسم لـ"حزب الله" في سياسة لبنان يؤخر الحلول المطلوبة بشدة من أجل تحسين موقف إيران التفاوضي بشأن برنامجها النووي مع الولايات المتحدة.

ثم هناك الكثير ممن يجمعون بين هذين الاعتبارين مع ما سيحدث لحدود لبنان القابلة للاشتعال بسهولة مع إسرائيل.

وفي جميع وجهات النظر هذه، يقع لبنان ضحية لمكائد الغرباء، إيران والسعودية والولايات المتحدة وإسرائيل وأطراف أخرى، حيث يحاول كل منهم جعل مساعدات الإغاثة رهينة رغباته وأجندته الخاصة.

وكان هذا هو سبب دعوة البطريرك الماروني "بشارة بطرس الراعي" لعقد مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة من أجل حيادية لبنان. وقوبلت دعوة "الراعي" بموافقة واسعة من مجموعة من القوى الاجتماعية والسياسية، ولكن ليس من "حزب الله"، الذي اعتبر دعوة التدويل تهديدا للبلاد.

وبالفعل نظم الحزب حملة اعلامية ضد البطريرك.

وفي وقت سابق من الشهر، قام التيار الوطني الحر الذي يتزعمه الرئيس "عون" بزيارة البطريرك لحثه على عدم توجيه دعوته، مصرا على أن اللبنانيين قادرون على تشكيل حكومة دون تدخل خارجي.

لكن بالنظر إلى انشغال المجتمع الدولي بوباء فيروس كورونا وعدم استقرار الاقتصاد الدولي، لا يبدو أن مشاكل لبنان على أجندة الشؤون العاجلة للعديد من الدول.

وبالتالي، فإن دعوة البطريرك "الراعي" للتدويل ستلقى على الأرجح آذانا صماء.

وقد أظهر الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" فقط اهتماما بمحاولة إجبار السياسيين اللبنانيين على إظهار التزام كافٍ لمحاربة الفساد وتصحيح السياسة في البلاد. 

وبصفته مستعمرة فرنسية سابقة، يظل لبنان مصدر قلق فريد في باريس، لكن نصائح "ماكرون" الأخيرة بدت ببساطة وكأنها مجرد توسل من غير المرجح أن يؤتي ثماره.

ولا يبدو أن الولايات المتحدة تريد إعطاء الأولوية للبنان بالنظر إلى تحديات الشرق الأوسط العديدة.

وفي فبراير/شباط تجنبت الخارجية الأمريكية أي ذكر لـ"حزب الله" في إدانة اغتيال الناشط اللبناني المناهض للحزب "لقمان سليم".

وبخلاف الضربة الأمريكية على الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا، فإن ما ظهر من إدارة "بايدن" حتى الآن هو نهج حذر تجاه لبنان وسوريا يعتبر جزءا من السياسة الأمريكية تجاه المنطقة التي تجمع بين تقليل المشاركة في الشرق الأوسط والتأكيد على المحادثات المستقبلية مع إيران.

لكن لبنان بمفرده لا يمثل أولوية للمصالح الأمريكية في المنطقة اليوم.

ومرة أخرى، يبقى على اللبنانيين أن يرسموا بأنفسهم طريقهم للخروج من انفجار اجتماعي وشيك قد يأتي في صورة ثورة ضد النظام القائم.

وحتى الآن، يبدو أن "حزب الله" وحلفاءه عازمون على مواجهة الاحتجاجات، معتبرين أنها مضرة بالسلام الاجتماعي.

وقد يضعهم هذا الموقف قريبا في مواجهة مباشرة مع الغالبية الساحقة من اللبنانيين، وبعضهم من الشيعة الفقراء الذين يعانون بشكل كبير من الظروف السائدة في البلاد.

وقد تصبح مواجهات الشوارع بين مؤيدي التغيير والمدافعين عن النظام القائم عنيفة بسرعة، ما يفتح الباب أمام حرب أهلية أخرى مأساوية في البلاد.

المصدر | عماد حرب/المركز العربي بواشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد