الأربعاء 7 أبريل 2021 01:55 م

أشاد عالم السياسة الأمريكي الشهير، "فرانسيس فوكوياما" بالطائرات المسيرة التركية والطفرة التي حدثت في قطاع إنتاجها المسيرات خلال الفترة الأخيرة، مشيرا إلى لعبها دوراً كبيراً في حسم العديد من الصراعات، وفي تغيير موازين القوى بالمنطقة، إضافة إلى تسطيرها نهاية لما اعتبرها حقبة حروب الدبابات.

وذكر "فوكوياما"، في مقال نشره بصحيفة American Purpose، أن أوائل العقد الأول من القرن الحالي، عندما بدأ اللعب بالطائرات بدون طيار للمرة الأولى، ساد التوقع بأنها ستكون ذات آثار كبيرة على السياسة العالمية، لافتا إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا تسيطران في ذلك الوقت على تكنولوجيا المسيرات الطائرة إلى حد كبير.

وأضاف أن الاستخدام المتخيل لهذه المسيرات كان هو الاغتيالات المستهدفة، أو كما تكهن البعض مؤخراً أنه يمكن استخدامها ضد البنية التحتية الحيوية للدول مثل محطات الطاقة النووية، مضيفا: "مع أن أيا من هذه التهديدات لم يظهر بشكل كبير حتى الآن، لكن المشهد العالمي قد تغير بالفعل بواسطة الطائرات العسكرية بدون طيار".

وبحسب "فوكوياما"، فإن تركيا، في ظل حكم الرئيس "رجب طيب أردوغان"، أصبحت فاعلا رئيسيا في هذا التغير، بعد أن طورت طائراتها المحلية بدون طيار لاستخدامها تأثيرات مفصلية في العديد من النزاعات العسكرية الأخيرة مثل حرب ليبيا، وفي سوريا، والنزاع على إقليم قره باغ بين أرمينيا وأذربيجان، وفي القتال ضد تنظيم "بي كا كا" داخل حدودها.

وبفضل هذه المسيرات تمكنت تركيا من الارتقاء بنفسها لتصبح وسيطاً إقليمياً رئيسياً يتمتع بقدرة أكبر من قدرة روسيا أو الصين أو الولايات المتحدة على تشكيل النتائج والمخرجات النهائية، حسبما يؤكد الفيلسوف الأمريكي.

وكان الدافع والمحفز لتركيا وراء إنتاج طائرة بدون طيار محلية الصنع هو الحظر العسكري الأمريكي الذي طبقته واشنطن على أنقرة عام 1975، وكذلك إحجامها عن بيع طائراتها المتطورة من طراز "بريداتور" و"ريبر".

ويرى "فوكوياما" أن أحدث الطائرات التركية تمثل اختراعاً مثيراً للإعجاب، خاصة "بيرقدار TB2" و"أنكاS" التي أنتجتهما شركة الدفاع التركية "بايكار"، بإشراف مصمم المسيرات الطائرة "سلجوق بيرقدار" الذي تلقى تعليمه في معهد "ماساتشوستس للتكنولوجيا".

ويشير الفيلسوف الأمريكي إلى أن "بيرقدار TB2" يمكنها التحليق عالياً لمدة 24 ساعة، كما يمكنها أداء مهام الاستطلاع والهجوم.

وفي مارس/آذار 2020 ظهرت فعالية هذه الطائرات لأول مرة خارج حدود تركيا، حين شنت أنقرة هجوماً مدمراً على القوات المدرعة للنظام السوري داخل سوريا كانت تتحرك في محافظة إدلب على طول الحدود التركية، رداً على هجوم سوري مدعوم روسياً أدى إلى مقتل 36 جندياً تركياً.

وأظهرت لقطات فيديو أن المسيرات التركية كانت تدمر العربات المدرعة السورية الواحدة تلو الأخرى، بما في ذلك أكثر من 100 دبابة وناقلات جند مدرعة وأنظمة دفاع جوي. ونتيجةً لذلك توقف الهجوم السوري تماماً، وأصبحت إدلب ملاذاً آمناً للاجئين.

وفي مايو/أيار من العام ذاته، استخدمت قوات حكومة الوفاق الليبية الطائرات المسيرات التركية لمهاجمة قاعدة جوية تابعة لقوات الجنرال الانقلابي "خليفة حفتر"، المدعومة من الإمارات، ما ساهم في إفشال هجوم تلك القوات على العاصمة طرابلس.

كما استخدمت أذربيجان المسيرات التركية، في سبتمبر/أيلول الماضي، في حرب تحرير إقليم "قره باغ" ضد أرمينيا ودمرت نحو 200 دبابة و90 مركبة مدرعة أخرى و182 قطعة مدفعية، ما أجبر الأخيرة على الانسحاب من الأراضي التي كانت تحتلها منذ 30 عاما، وأصبح هذا النصر نقطة فخر قومي في تركيا.

وتوقع "فوكوياما" أن يؤدي استخدام تركيا للطائرات بدون طيار إلى تغيير طبيعة القوة البرية بطرق من شأنها تقويض هياكل القوة الحالية التي تتبع طريقة الترهيب بأصناف من البوارج أو حاملات الطائرات التي عفا عليها الزمن والسائدة منذ بداية الحرب العالمية الثانية.

كما أن بناء القوات البرية المسلحة المعتمد على الدبابات، وهو النمط الذي هزم جيش العراق مرتين في حربي الخليج عام 1991 و2003، كانت أولويته تستند إلى حقيقة أنه على مدى سنوات عديدة، كان بإمكان دبابة فقط تدمير دبابة أخرى.

فقد كانت إحدى الحقائق غير المعروفة عن حرب عام 1967 في الشرق الأوسط هي أن دبابتين مصريتين فقط تمت إصابتهما من الجو في الضربة الجوية الإسرائيلية الافتتاحية، إذ كان من الصعب جداً إصابة هدف صغير بطائرة.

لكن الذخائر الموجهة بدقة بدأت في الانتشار في السنوات التالية، حسبما يشير "فوكوياما"، ما جعل استهداف الدبابات أسهل بكثير، رغم أنها لا تزال تتطلب منصات باهظة الثمن مثل طائرة هجومية ذات دعم وثيق من طراز  "A-10".

واليوم، غيرت الطائرات بدون طيار هذه الصورة إلى حد كبير لأنها رخيصة نسبياً وتصعب هزيمتها، فضلاً عن أنها لا تخاطر بحياة الطيارين البشر، ولذا ينوه "فوكوياما" إلى أن الجيوش في جميع أنحاء العالم تتدافع الآن لمعرفة كيفية الدفاع عن نفسها ضد المسيرات الطائرة.

وبحسب الفيلسوف الأمريكي، فإنه ليس من الواضح حتى اللحظة من سيفوز في سباق التسلح بين الطائرات بدون طيار والإجراءات المضادة لها، لكن من الممكن القول إن "العالم ربما شهد آخر معركة بالدبابات في حرب العراق عام 2003".

واختتم "فوكوياما" مقاله بالإشارة إلى أن العديد من النقاد الأمريكيين لسياسة المسيرات الأمريكية الطائرة لا يزالون يعيشون في عالم كانت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل هما المستخدمان الرئيسيان لهذه التكنولوجيا، مضيفا: "لكن هذا العالم اختفى بالفعل وسرعان ما حل مكانه عالم جديد أصبحت فيه الطائرات بدون طيار أسلحة مركزية في ساحة المعركة".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات