السبت 10 أبريل 2021 07:26 م

سلط موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، في تقرير له، الضوء على وصفه بـ"الواقع المرعب والحياة القاسية التي يحياها الآلاف من سكان محافظة شمال سيناء، شمال شرقي مصر، الذين يعيشون في بيئة معزولة تشبه الحرب بين نظام عسكري وتمرد متشدد متطرف، وسط قيود تفرضها الدولة على وصول الصحفيين إلى المنطقة".

وأضاف التقرير أنه "رغم العديد من التصريحات الدعائية الحماسية والمسلسلات التلفزيونية التي تبعث على الشعور بالسعادة والتي تؤكد على القضاء على الإرهاب المزعوم من قبل تنظيم الدولة، لكن الواقع في شمال سيناء لا يزال يمثل حقيقة مرعبة لسكانها".

وهذا ينطبق بشكل خاص على المجتمع القبلي، الذي يعيش بالقرب من الحدود مع قطاع غزة وإسرائيل، وهو "واقع يشمل التعذيب والاعتقالات الجماعية والقتل خارج نطاق القانون ونقص المياه والكهرباء والمضايقات من المسلحين"، حسب التقرير ذاته.

قبيلة الدواغرة

وقدم تقرير "ميدل إيست آي" نموذجا على ذلك بما تعرضت له قبيلة "الدواغرة" في 25 مارس/آذار الماضي، عندما اقتحمت 4 سيارات تقل ما لا يقل عن 23 من مقاتلي تنظيم "الدولة"، قرية العوامرية في مدينة بئر العبد بشمال سيناء؛ حيث اختطف هؤلاء المسلحون  14 من رجال القبيلة.

وقال "مغنام"، أحد أفراد القبيلة، إن مسلحي تنظيم الدولة "أطلقوا علينا اسم مرتدين؛ لأننا نساعد الجيش كمخبرين وعملاء"، لافتا  إلى أن المسلحين جابوا بئر العبد بحرية للوصول إلى قريتهم.

و"الدواغرة" هي إحدى قبائل شمال سيناء، التي تتعاون مع قوات الجيش والشرطة في سيناء، التي تشهد اضطرابا منذ 2014، مع صعود الجماعات المتشددة، لا سيما تنظيم "ولاية سيناء"، الفرع المصري لتنظيم "الدولة".

ومنذ حادثة الاختطاف تلك، تعيش قرية العوامرية حالة حداد، وتنتظر اتصالا من المسلحين للحصول على فدية.

لكن الكثيرين من أبناء القرية، بما في ذلك "مغنام"، يخشون الأسوأ: وهو مشاهدة الأقارب والأصدقاء المخطوفين، وهم يُعدمون في مقطع فيديو دعائي لتنظيم "الدولة".

تجنيد رجال القبائل

ووفق تقرير "ميدل إيست آي"، لجأت قوات الأمن المصرية، ضمن جهودها لمكافحة مسلحي تنظيم "الدولة"، إلى القبائل المحلية، للحصول على المساعدة منها، إما كمخبرين سريين، أو كقوات شبه عسكرية.

ومثل كثير من المسائل حول حرب مصر ضد المسلحين في شمال سيناء، لم يتم كتابة أو كشف سوى القليل عن هذا التعاون، بصرف النظر عن الكتابات القومية، التي تحتفل بدور القبائل غير المحدد في مكافحة التمرد.

لكن منذ عام 2013، بعد اشتداد التمرد في أعقاب الفض العنيف لاعتصام رابعة العدوية، شرقي العاصمة المصرية القاهرة، تُرك المُخبرين من القبائل الذين تعاونوا مع الجيش، طوعا أو كرها، وحدهم في مواجهة رد عنيف من المسلحين.

فقد تم إعدام العديد منهم، عبر قطع رؤوسهم غالبا، أو اختطفهم المسلحون، دون أي ذكر تقريبا في الصحف المحلية أو البيانات العسكرية، ودون تكريم أو الاعتراف بهم.

في هذا الصدد، تحدث موقع "ميدل إيست آي" إلى أفراد من عائلات المخبريين السريين الذين عملوا مع الجيش والشرطة وقتلوا على يد تنظيم "الدولة"، إضافة إلى سكان من شمال سيناء هُددوا بالاحتجاز إذا لم يتجسسوا على المسلحين.

ويعود التعاون العسكري المدني بين الجيش المصري وقبائل سيناء إلى حرب 1967؛ حيث حاولت مصر كسب ثقة البدو بعد سيطرة إسرائيل على شمال وجنوب سيناء.

وفي كثير من أدبيات تلك الحرب، كان البدو بمثابة رأس الحربة في قيادة القوات المصرية ومقاتلي حرب العصابات في العمليات قبل حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973؛ حيث شهد العديد من القادة العسكريين على فعالية وولاء قوات قبائل سيناء.

وقال "سلمان"، أحد كبار رجال القبائل: "بعد أن استعادت مصر سيطرتها على سيناء، لم يكافأ البدو والقبائل".

ولا تزال شمال سيناء حتى يومنا هذا بدون بنية تحتية وخدمات مناسبة.

وأضاف "سلمان" مشتكيا من تعامل السلطات معهم: "إما يتم تصويرنا على أننا جواسيس مخلصون للجيش أو التكفيريين (مقاتلي تنظيم الدولية). لقد أجبرونا على أن نكون كليهما. لا يمكن للمرء أن يظل محايدا".

ابتزاز بالزوجة والمرض

واعتقل "سلمان"، وهو الآن في الستينات من عمره،  عام 2004 في جنوب سيناء بعد تفجيرات طابا، عندما قتل عشرات السياح في هجمات متزامنة في سيناء.

وقال إنه احتُجز 18 يوما، معصوب العينين، واستُجوب باستمرار ، في مبنى أمن الدولة في شمال سيناء.

لم يسمحوا له بالمغادرة إلا بعد أن تعهد بالتعاون مع الجيش للعثور على مخابئ "جماعة التوحيد والجهاد" النشطة آنذاك، والتي يمكن القول إنها أول وجود للجماعات المتطرفة المتشددة في شمال سيناء.

قال "سلمان" إنهم هددوا باعتقال زوجته والتحرش بها إذا لم يتعاون، وهي طريقة معتادة لتحويل المدنيين إلى مخبرين.

وأضاف: "نحن بدو، لا نملك سوى شرفنا. كان علي أن أفعل ذلك لإنقاذ عائلتي".

في النهاية، اضطر رجال القبائل المسنون إلى المغادرة إلى محافظة جنوب سيناء ليعيشوا في سلام.

وقال "سلمان": "ضباط من أمن الدولة والمخابرات العسكرية يستخدمون أي نقطة ضعف لتجنيد الرجال: ابنك المريض، زوجتك، سجلك الإجرامي، منزلك".

وأضاف أن نقاط التفتيش هي أفضل الأماكن لاختيار المخبرين المحتملين؛ حيث يراقب ضباط المخابرات تحركات المسافرين.

مساومة على ابنته المريضة

اعُتقل "فياض"، وهو رجل قبلي يعمل سائق شاحنة لنقل الخضار بين محافظات السويس والإسماعيلية وشمال سيناء، كجزء من الاعتقالات الجماعية التي حدثت خلال حملة أمنية بدأت في سيناء عام 2018.

قال "فياض": "كان لديّ سجل إجرامي مرتبط بتجارة التهريب منذ سنوات. قال الضابط إنه يمكن أن يحتجزني لسنوات إذا لم أعمل لديه. لقد استخدم أيضًا حقيقة أنه كان عليّ السفر كل شهر مع ابنتي كي تجري غسيل للكلى في السويس".

كانت مهمة "فياض" الأولى هي جمع المعلومات عن تجار الخضار الذين يقدمون البضائع للمسلحين.

وقال إنه لفّق بعض الأسماء، لكنه اعُتقل فيما بعد، وتعرض للتعذيب لمدة شهرين.

لاحقا، بعد الإفراج عنه، اكتشف أن ضابط العمليات الخاص به نُقل إلى محافظة أخرى.

بينما كان محظوظا، قال "فياض" إن صديقه "موسى عثمان"، الذي كان يعمل في مديرية تموين شمال سيناء، لم يكن كذلك.

فقط اخُتطف "عثمان" في يناير/كانون الثاني الماضي، وأُعدم في بئر العبد.

ووصف تنظيم "ولاية سيناء" "عثمان" بأنه "جاسوس.. يعمل مع الجيش المصري المرتد".

وقال "فياض": "اكتشفنا لاحقا أن عثمان كان يبلغ الجيش عن تجار في السوق السوداء يبيعون البنزين والوقود للمتشددين".

وبعد شهر من إعدامه أطلقت محافظة سيناء اسم "عثمان" على ملعب بئر العبد الرياضي.

بينما تم تكريم "عثمان"، لا تزال عائلات المخبرين الآخرين الذين تم إعدامهم في حالة ألم على أقاربهم الذين قُتلوا لتعاونهم مع الجيش المصري.

ففي 25 سبتمبر/أيلول 2016، تلقت عائلة "حسين درويش" اتصالا من ضابط شرطة يفيد بأنها عثرت على جثة "أبو درويش" المقطوعة الرأس.

قال أحد أقاربه، طلب عدم ذكر اسمه، إن "درويش" تعاون مع الجيش في مناسبات عديدة.

وأضاف أن "درويش" أبلغ ضابط العمليات بتحركات أعضاء تنظيم "الدولة" ومواقعهم.

وفي إحدى الحوادث، استخدم الضابط المعلومات الاستخبارية وداهم وكرًا يستخدمه المسلحون.

في ذلك الوقت، اتصل "درويش" بشكل متكرر بضابط العمليات، وعندما أجاب الضابط قال له: "لا أستطيع مساعدتك. حل أمرك بنفسك".

قال قريبه: "في اليوم التالي، اعتقلوا (المتشددون) درويش واستجوبوه، ووجدنا رأسه منفصلا عن جسده".

شعور بعدم الحماية

منذ 2013، تنشر ولاية سيناء لقطات لمسلحيها وهم يستجوبون المدنيين، الذين اعترفوا بالعمل مع الجيش أو الشرطة المصرية أو المخابرات الإسرائيلية أو المليشيات الموالية للجيش.

وعلى مر السنين، استخدمت الجماعات المتشددة في سيناء خبرات أفراد الأمن السابقين، بما في ذلك مقاتلون من غزة وليبيا وسوريا والعراق.

وقال قريب "درويش": "هذه ليست معركتنا".

وأضاف: "الجيش والشرطة يبتزون  المخبر للحصول على معلومات وأسماء ثم يتركونه ليواجه مصيره دون حماية".

ومع ذلك، لا يُجبر جميع المخبرين الذين يعملون في الجيش على القيام بذلك؛ إذ يتطوع البعض للحصول على مزايا ومكانة ومال، حسب "سامح"، وهو معلم في مدرسة، وعضو في قبيلة الترابين، أكبر قبائل شمال سيناء، التي تعتبر موالية للحكومة.



"اتحاد قبائل سيناء"

وفي عام 2017، شكلت الترابين وقبائل أخرى "اتحاد قبائل سيناء"، وهو فصيل شبه عسكري من المسلحين المتعاونين مع السلطات المصرية في العمليات الأمنية بشمال سيناء.

وقال "سامح" إن الفصائل الأقوى والأكثر ازدهارا في القبيلة هي الوحيدة المستفيدة من "شهر العسل بين الجيش واتحاد قبائل سيناء".

ويرى المعلم، الذي درس في القاهرة، أن تلك العلاقة تمثل إشكالية.

وتساءل: "كيف نضمن أن القبائل المسلحة لا تضطهد خصومها، وتزعم أنهم العدو (أي: من عناصر تنظيم الدولة)؟، كيف يمكننا أن نضمن أن عنصر المليشيا (اتحاد قبائل سيناء) الذي يعمل مع الجيش في انتقاء مدنيين عشوائيين من الحواجز لا يقوم باختيار جاره الذي يدين له بالمال؟".

وأوضح أن الدولة أصدرت عفوا عن جميع أفراد أسرته من مختلف الجرائم التي ارتكبوها قبل 2011 ووثقت بهم.

وتابع: "قبل عام 2011، كنا تجار مخدرات ومهربين، والآن نحن المقاتلون الأبطال الذين يحاربون الإرهاب".

وفي تقرير صدر عام 2019، حذرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" من اعتماد الجيش المصري على الميليشيات الموالية للحكومة، وقالت إنها "تستخدم سلطات الأمر الواقع للقبض التعسفي على السكان وتسوية الحسابات والخلافات الشخصية"، مضيفة أنهم متورطون أيضًا في التعذيب و عمليات القتل خارج نطاق القضاء.

المصدر | ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد