تحمل جولة رئيس الحكومة الليبية الجديدة "عبد الحميد الدبيبة" في الخارج، آمال وطموحات الليبين في تأمين المرحلة الانتقالية حتى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، نهاية العام الجاري.

وعلى الرغم من تضارب الأجندات الخارجية، فإن جولة "الدبيبة"، وكذلك رئيس المجلس الرئاسي "محمد المنفي"، راعت مختلف العواصم المؤثرة في القرار الليبي.

وبينما أنهى "المنفي" 3 زيارات متتالية إلى باريس والقاهرة وأنقرة، لا يزال "الدبيبة" يقوم بزيارة عدد من الدول، أبرزها الكويت والإمارات وتركيا، فيما تأجلت زيارته إلى قطر والسعودية لأسباب غير معلومة.

دعم طرابلس

ويتصدر أجندة الحكومة الجديدة، الحصول على دعم واسع لطرابلس، سياسيا واقتصاديا، في محاولة لتجاوز تداعيات الحرب المستمرة منذ 10 سنوات.

وقبل أيام، بحث "الدبيبة"، مع أمير الكويت، الشيخ "نواف الأحمد الجابر الصباح"، ورئيس الحكومة الشيخ "صباح خالد الحمد الصباح"، تعزيز العلاقات بين البلدين، وتوحيد الموقف الخليجي فيما يتعلق بالملف الليبي.

كذلك كانت الملفات ذاتها حاضرة بين "الدبيبة" وولي عهد أبو ظبي، الشيخ "محمد بن زايد آل نهيان" الداعم الرئيس لمعسكر شرقي ليبيا بقيادة الجنرال المتقاعد "خليفة حفتر".

ويبدو أن اختيار الكويت لتكون أولى محطات "الدبيبة" كان ذا مغزى، بالنظر إلى حيادية الموقف الكويتي تجاه الأزمة الليبية، والدور الذي يمكن أن تلعبه لدعم مساعي الحكومة الجديدة في بناء موقف خليجي موحد تجاه طرابلس.

لكن من ناحية أخرى، فإن تأجيل زيارة "الدبيبة" إلى قطر حتى إشعار آخر، بدعوى"عدم التوصل لموعد مناسب"، أثار جدلا واسعا، قلل منه المتحدث باسم الحكومة الليبية "محمد حمودة"، نافيا اعتراض قطر على الزيارة "بسبب تأخير دورها في الجولة الخليجية".

كذلك لم يعرف بعد سبب تأجيل زيارة رئيس الوزراء الليبي إلى السعودية، والتي دعمت إلى جانب الإمارات ومصر وفرنسا "حفتر"، خلال عملياته العسكرية للسيطرة على العاصمة طرابلس، والتي منيت بالفشل، العام الماضي.

وتعد زيارة "الدبيبة" إلى تركيا، الإثنين المقبل، على رأس وفد حكومي رفيع المستوى يضم 14 وزيرا، الأبرز والأهم، كونها ستناقش مجموعة من الملفات المشتركة في قطاع الطاقة، وعودة الشركات التركية إلى ليبيا، والدور التركي في تأهيل الجيش الليبي، ومستقبل الوجود العسكري لأنقرة هناك.

تحييد المرتزقة

ووفق المحلل السياسي الليبي "مراون ذويب"، فإن "الدبيبة" يحاول دفع الجانب الإماراتي للانخراط في الموقف الدولي الجديد، وحسم موقف أبوظبي إزاء ملف المرتزقة الذين يسيطرون على مواقع عدة داخل الأراضي الليبية، بحسب "العربي الجديد".

ويمثل سحب المرتزقة الهدف الرئيسي للحكومة الليبية؛ لكونه أحد أهم ما تم الاتفاق عليه خلال جلسات الحوار الوطني، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف دون تعاون إماراتي.

وتؤكد تقارير عدة لخبراء الأمم المتحدة، تورط الإمارات في خرق قرار حظر توريد السلاح إلى ليبيا، بالإضافة إلى جلب آلاف المرتزقة للقتال في صفوف "حفتر"، ومحاولة السيطرة على حقول النفط.

ويذهب المحلل السياسي الليبي "محمد فؤاد" إلى أبعد من ذلك، مشيرا إلى وجود ترتيبات لعقد لقاء سري بين "الدبيبة" و"حفتر" برعاية أبوظبي، ضمن مساعي الحكومة الانتقالية لتحييد رجل الإمارات، وإقناعه بعدم العمل ضد الحكومة الجديدة، بحسب "الخليج أون لاين".

وإلى جانب تحييد "حفتر" والمرتزقة، يرغب "الدبيبة" جديا في توصيل رسائل طمأنة لعواصم الخليج عامة، وأبوظبي والرياض تحديدا، بأن حكومته لن تعمل ضد مصالحهما، وأنهما سيكونان شريكان في صناعة مستقبل ليبيا الجديدة.

ترسيم الحدود

ويثير ملف ترسيم الحدود بين ليبيا وتركيا، مخاوف لدى الاتحاد الأوروبي، بشأن الوجود التركي في ليبيا، سواء عسكرياً أو عبر الاتفاق البحري الموقع مع حكومة الوفاق (الحكومة السابقة)، مقابل إصرار أنقرة على الإبقاء على قواتها كضامن لاستمرار مصالحها، وأكبرها الاتفاق البحري.

وترى الباحثة الليبية "هنية فحيمة"، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، أن إبداء "الدبيبة" استعداده لتشكيل لجان مشتركة لإعادة النظر في الحدود المائية مع اليونان وتركيا، محاولة لسحب ليبيا من أتون الصراع القائم في شرقي المتوسط.

ويتداخل ملف ترسيم الحدود البحرية، بين مصر وليبيا وتركيا واليونان، وسط تشابكات معقدة، وحالة من التوتر المتزايد، المرتبطة بشدة بالملف الليبي، وصراع الطاقة في المنطقة.

وإضافة إلى ذلك، هناك مسائل أمنية شديدة الأهمية تتعلق بضبط الحدود، ومكافحة الاتجار بالبشر، والهجرة غير الشرعية، وتبادل المعلومات، ووقف تهريب السلاح، وهي ملفات تطرح نفسها بقوة على أجندة جولات "الدبيبة" و"المنفي"، خاصة مع عواصم أوروبا.

كعكة الإعمار

وخلف الكواليس تبدو "الجائزة الكبرى" وهي عقود مشروعات إعادة إعمار ليبيا والتي تقدر كلفتها بنحو 200 مليار دولار، من المقرر ضخها خلال السنوات العشر المقبلة، حسب تقديرات البنك الدولي.

ومع تزايد إنتاج النفط الليبي، وإمكانية الوصول به إلى مستوى ما قبل الثورة الليبية وهو 1.7 ملايين برميل يوميا، فإن ليبيا تتوقع إيرادات نفطية بقيمة 30 مليار دولار خلال العام الجاري.

وتعول مصر والإمارات على نيل حصة ثمينة من كعكة الإعمار، إضافة إلى تركيا وإيطاليا وفرنسا وروسيا والسعودية وقطر، ما يعني أن ليبيا ستكون "منجم ذهب" للمستثمرين في مشروعات البنى التحتية والطاقة والصحة والصناعة والزراعة والسياحة وغيرها.

ولا شك أن لغة البيزنس والوعود بحصص كبيرة في مشاريع إعادة الإعمار، كانت إحدى مفردات محادثات "الدبيبة" خلال جولاته الخارجية، بحثا عن دعم اقتصادي لحكومته من ناحية، والمساهمة في حل مشاكل المواطن الليبي من ناحية أخرى.

ويمكن القول إن "الدبيبة" يحاول احتواء الجميع، وطمأنة الخليج، وتحييد المتربصين بحكومته، وهي مهمة صعبة، لكنه يراهن على تبدل الأوضاع بعد اتفاق العلا والمصالحة الخليجية، وحجم الدعم الدولي الذي يلقاه لتنفيذ خارطة الطريق الأممية، والإشراف على المرحلة الانتقالية حتى حلول موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية، نهاية العام الجاري.

المصدر | الخليج الجديد