الثلاثاء 13 أبريل 2021 09:49 ص

الأردن.. ما بعد «العاصفة» ليس كما قبلها

ما كان مقبولاً من قبل باعتباره أقصى الطموح لم يعد يكفي للملمة ذيول الهزّة واحتواء ارتداداتها.

الدولة والمجتمع بحاجة لصدمة إيجابية كبيرة بحجم صدمة سلبية تعرضا لها لبدء مسيرة التعافي مجددا فـ«العاصفة» ضربتنا في أسوأ لحظاتنا وأشدّها حرجا.

لم يعد بإمكان الحكومة إدخال الطمأنينة لعقولنا وأفئدتنا وضمائرنا ولا يكفي حوار متعجل لـ«بلسمة» جراح انعدام الثقة، وردم الفجوة المتسعة بين المواطن والدولة.

*     *     *

ما بعد «العاصفة» التي ضربت البلاد والعباد الأسبوع الفائت، ليس كما قبلها...ما كان مقبولاً من قبل، باعتباره أقصى الطموح، لم يعد يكفي للملمة ذيول الهزّة واحتواء ارتداداتها.

الدولة والمجتمع بحاجة لصدمة إيجابية كبيرة، بحجم الصدمة السلبية التي تعرضا لها، حتى يبدآ مسيرة التعافي من جديد، سيما وأن «العاصفة» ضربتنا ونحن في أسوأ لحظاتنا وأشدّها حرجاً.

قبل «العاصفة»، تمثلت «غاية المُنى» في الشروع بحوار حول قانون الأحزاب وقانون الانتخاب، فندخل تعديلاً هنا وآخر هناك، نخفف الأول من قيود «النظرة الأمنية» للحزب والجماعة السياسية، ونحرر الثاني مما علق به من «هواجس» و»تحسبات»، تحكمت بكل نسخه المتعاقبة منذ العام 1993.

بعد «العاصفة»، لم يعد ذلك كافياً لـ«كيّ الوعي» الأردني، وإعادة التوازن والاتزان إلى العقول القلقة والنفوس اللوّامة والضمائر المثقلة بالحذر والخوف من المستقبل وعليه.

ما عاد مقنعاً للأردنيين بعد كل ما جرى وما زال يجري، أن تتولى رئاسة مجلس النواب (مع كل الاحترام والتقدير للأشخاص والمواقع)، إدارة حوار وطني حول القوانين الناظمة للعمل العام.

ومع «غيبة» الحكومة أو تغييبها، عن مشهد الأسبوع الفائت، لم تعد هي الجهة التي يمكن أن تدخل الطمأنينة والاطمئنان إلى عقول الأردنيين وأفئدتهم وضمائرهم، ولم تعد جلسات حوار متعجل، كافية لـ«بلسمة» جراح انعدام الثقة، وردم الفجوة المتسعة بين المواطن والدولة.

نحن بحاجة إلى ما هو أكبر من ذلك وأعمق، ونحن بحاجة إليه اليوم وليس غداً، نحن بحاجة لحوار «ذي مغزى»، حتى لا نقول «مُلزماً» في نتائجه، على طريقة الاستشارات النيابية المُلزمة التي يجريها رئيس الجمهورية اللبنانية لاختيار رئيس الوزراء المكلف.

حوار تديره وتشرف عليه، إما «خلية تفكير استراتيجي» تتبع الديوان الملكي، وتصدر بإرادة ملكية سامية، تحمل في طياتها، «وجوب الإلزام والتزام» بنتائج هذا الحوار، ووضعه على صورة خريطة طريق، أو أجندة وطنية، مجدولة زمنياً، أو تديره وتشرف عليه، حكومة إنقاذ وطني، مؤقتة بطبيعتها، تضم في جنباتها شخصيات سياسية واجتماعية ومهنية موثوقة.

فتدير هذا الحوار، وتحل مجلس النواب عند انتهائه، وتجري انتخابات مبكرة، وفقاً لقانون جديد، توافقي، صديق للأحزاب والنساء والشباب، على أن يتكفل البرلمان الجديد، والحكومة التي ستنبثق عنه، بـ«دسترة» و«قوننة» نتائج هذا الحوار، وترجمته إلى سياسات وإجراءات، طموحة من دون تطيّر، ومتدرجة من دون إبطاء، وتوافقية من دون الخضوع لابتزاز المبتزين الذين تكاثروا كالنبت الشيطاني في السنوات العشرين الفائتة.

لسنا بحاجة لأكثر من بضعة أشهر، لإنجاز هذه المهمة، فلدينا خزان ضخم من الأفكار والخطط والمبادرات والبرامج والاستراتيجيات والأوراق النقاشية، لسنا بحاجة إلى ما هو أكثر أو أبعد منها، فكل ما اشتكينا منه وبسببه، هو بقاء هذه الأفكار الإصلاحية الثرّى، حبيسة الأدراج، حبراً على ورق...وقد آن أوان استخراجها للنور، ونقلها إلى حيز التنفيذ، اليوم وليس غداً.

في ظني أننا ونحن نختتم المئوية الأولى للدولة، والعيد اليوبيلي الـ 75 للاستقلال، بتنا بأمس الحاجة لتوافق عريض حول صورة الدولة الأردنية التي نريد في المئوية الثانية، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وعلينا أن نتقدم بأجوبة واضحة على جملة الأسئلة التي ظلت مرجأة ومعلقة لسنوات وعقود:

طبيعة الدولة، الهوية الوطنية، المواطنة، الحقوق والواجبات، العقد الاجتماعي، النموذج الاقتصادي الاجتماعي الذي نريد، الفلسفة الضريبية وشبكات الأمان الصحي والاجتماعي، نظامنا التعليمي، سيادة القانون وتكافؤ الفرص، إلى غير ما هنالك من عناوين عريضة.

في سياق كهذا، يصبح التوافق بشأن قانوني الأحزاب والانتخاب، من باب تحصيل الحاصل، ويصبح الخلاف بشأنهما، مجرد تفصيل صغير، في الصورة الأكبر والأشمل.

* عريب الرنتاوي كاتب صحفي أردني

المصدر | الدستور