السبت 17 أبريل 2021 03:48 م

تحاول الحكومة العراقية تسريع عملية تحديد جداول زمنية لانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، في محاولة لسحب البساط من تحت سيطرة القوات شبه العسكرية المدعومة من إيران وتأمين بعض الهدوء قبل الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

وبالنسبة لرئيس الوزراء العراقي "مصطفى الكاظمي"، فإن إنهاء الهجمات على الأهداف الأمريكية في العراق لا يمكن أن يتحقق قريباً. وقد شهدت ليلة الأربعاء أحدث هجوم على القوات الأمريكية، عندما أسقطت طائرة بدون طيار متفجرات على قاعدة تستضيف القوات الأمريكية، ولم يسفر الحادث عن وقوع إصابات لكنه أثار اضطرابات.

وخلال الفترة الأخيرة، ظهرت بيانات لفصائل عراقية مسلحة لم تكن معروفة من قبل، لتعلن مسؤوليتها عن الهجمات، ولكن يعتقد على نطاق واسع أن المنفذ هي المليشيات القوية المدعومة من إيران والتي تضغط من أجل انسحاب القوات الأمريكية من العراق.

والأسبوع الماضي، اقترب العراق والولايات المتحدة خطوة من هذا الاحتمال، حيث أعلنا عن موافقتهما على سحب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وفقًا للجداول الزمنية التي تحددها اللجان العسكرية الفنية المشتركة. وجاء بيان الأربعاء بعد جولة ثالثة من الحوار الاستراتيجي بين الطرفين، والذي تضمن اتفاقًا لتغيير طبيعة مهمة التحالف المناهض لتنظيم "الدولة" من القتال إلى الاستشارات والتدريب.

وسيتراجع الضغط الهائل على حكومة "الكاظمي"، من خلال وضع حدود زمنية للانسحاب وجعل واشنطن تلتزم علنًا بها، مما يمنحه مجالًا للمناورة حتى يؤدي البرلمان الجديد والحكومة اليمين الدستورية.

وقبل أيام من هجوم أربيل، أعلن "الكاظمي" عن تشكيل لجنة فنية عسكرية برئاسة رئيس أركان الجيش الفريق الركن "عبد الأمير يار الله". وقال مفاوضان عراقيان لموقع "ميدل إيست آي" إن فريق التفاوض العراقي تابع، خلال الأيام الماضية، مع السفير الأمريكي وعدد من المسؤولين في بغداد تفاصيل تتعلق بتشكيل اللجان في محاولة للإسراع بالأمور.

وقال أحد أعضاء فريق التفاوض العراقي إن "الإدارة الأمريكية الحالية تدرك أسباب الضغط عليها للإسراع في تشكيل اللجان الفنية والبدء في تحديد الجداول الزمنية". وبحسب المفاوض، فإن واشنطن حريصة على إثبات مصداقية بيان الأسبوع الماضي.

وأضاف أن "رئيس الوزراء أعلن تشكيل اللجنة الفنية العراقية برئاسة "يار الله" وينتظر من الجانب الامريكي إعلان تشكيل لجنتهم حتى يقرر ممثل الرئيس بدء المرحلة المقبلة من المفاوضات. وتابع: "سيكون هناك اجتماع للجان العراقية الأمريكية ربما هذا الأسبوع أو الأسبوع المقبل. ويرجح أن يكون الاجتماع في بغداد وجها لوجه لكن إذا انضم مسؤولون من واشنطن إلى اللجنة الأمريكية فسيتم إجراء الاجتماعات عبر مكالمة فيديو".

علامات التصعيد

وكما قال مفاوضون عراقيون لموقع "ميدل إيست آي" لم يوافق فريق التفاوض الأمريكي على سحب القوات المقاتلة وتغيير مهمة هذه القوات في العراق بالمجان حيث يجب على العراق تأمين البعثات الدبلوماسية الغربية وقوات التحالف كجزء من الاتفاقية، لإثبات أن بغداد تستطيع ضمان أمن المسؤولين الأجانب بعد الانسحاب.

وأوضحت المصادر أن قادة أبرز الكتل الشيعية أظهروا الرضا والدعم لـ"الكاظمي"، في اجتماع معه يوم الخميس لشرح نتائج الحوار الأمريكي.

لكن الصورة التي ظهرت من الاجتماعات في مكتب "هادي العامري"، رئيس الكتلة البرلمانية لائتلاف "الفتح" وقائد منظمة "بدر" شبه العسكرية، كانت مختلفة تمامًا حيث قال القادة السياسيون الشيعة وقادة الفصائل المسلحة لموقع "ميدل إيست آي" إن المحادثات التي شملت "عصائب أهل الحق" وكتائب "حزب الله" وكتائب "سيد الشهداء" أدت إلى انقسام كبير بين الجماعات المدعومة من إيران.

وخلال الاجتماعات، رأى البعض أن الإعلان العراقي الأمريكي خطوة في الاتجاه الصحيح وإنجاز ملموس بينما اعتبر آخرون ذلك بمثابة خداع اتفق عليه "الكاظمي" والأمريكيون، حيث لا يتضمن خطوات ملموسة ولا جدول زمني للانسحاب ولا تغيير حقيقي في وضع التحالف. وهو ما أكده قائد بارز في فصيل مسلح تدعمه إيران مطلع على الاجتماعات.

وقال القيادي إن "كتائب حزب الله كانت الأكثر تشدداً ورفضت نتائج المفاوضات العراقية الأمريكية، ثم جاءت عصائب أهل الحق في المرتبة الثانية".

ويعني ذلك أن الهجمات لن تتوقف، وحتى الإيرانيون لا يستطيعون إيقافها هذه المرة، وطالما استمرت الفصائل الرئيسية في إنكار ارتباطها بهذه الهجمات، فلا أحد لديه القدرة على إيقافها. ومن المحتمل ان تشتعل الساحة العراقية مجددا.

احتواء التداعيات

لطالما كانت القوات الأمريكية والبعثات الدبلوماسية أهدافًا للقوات شبه العسكرية العراقية المدعومة من إيران، لكن في أعقاب اغتيال الولايات المتحدة للجنرال الإيراني الكبير "قاسم سليماني" و"أبومهدي المهندس"، الأب الروحي لمعظم الفصائل الشيعية المسلحة، في  يناير/كانون الثاني 2020 أصبح إجبار الولايات المتحدة على الخروج من العراق أحد الأهداف الرئيسية للقوات شبه العسكرية.

ومنذ ذلك الحين، استهدف وكلاء إيران المصالح الأمريكية والقواعد العسكرية العراقية التي تستضيف قوات التحالف بهجمات غالبًا ما تقتل العراقيين وتضر بالممتلكات الحكومية. وتم التوصل إلى هدنة غير رسمية بين الولايات المتحدة والفصائل المدعومة من إيران في أكتوبر/تشرين الأول، عندما وصلت التوترات إلى ذروتها وهددت إدارة "ترامب" بإغلاق سفارتها في بغداد ومهاجمة أهداف إيرانية داخل العراق وخارجه.

وفي الأسابيع الأخيرة، تزايدت الهجمات مرة أخرى، واستهدفت قوافل الدعم اللوجستي للقوات العراقية وقوات التحالف في جميع أنحاء البلاد بشكل شبه يومي، وهذه المرة تتبنى الهجمات جماعات لم يسمع بها أحد.

وقال مسؤولون عراقيون وقادة فصائل مسلحة إن استمرار إنكار الفصائل الرئيسية للمسؤولية زاد من تعقيد المشهد، وفتح الباب أمام عودة الهجمات على البعثات الدبلوماسية والمؤسسات الحكومية بحجة محاربة قوات الاحتلال.

المباحثات مع إيران

والأسبوع الماضي، نقل "الكاظمي" القضية إلى الإيرانيين أنفسهم حيث قال قادة سياسيون وقادة فصائل مسلحة إن رئيس الوزراء التقى بخليفة "سليماني"، "إسماعيل قآني" خلال زيارة استغرقت يومين للعراق، حيث "قدم بشكل غير رسمي" معلومات كافية تشير إلى تورط الفصائل المسلحة البارزة المدعومة من إيران في هذه الهجمات.

بالإضافة إلى "الكاظمي"، التقى "قآني" بعدد من القادة السياسيين الشيعة، بمن فيهم "عمار الحكيم" و"العامري"، بالإضافة إلى قادة الفصائل المسلحة الكبيرة وعدد من كبار رجال الدين في النجف.

وقال زعيم سياسي شيعي مطلع إن "الاجتماعات ركزت على تداعيات الصراع الإيراني الأمريكي وضرورة استمرار التهدئة ووقف أي هجمات تستهدف قوات التحالف ودعم الحكومة العراقية في مفاوضاتها الجارية مع الجانب الأمريكي".

وأضاف أن "قادة الفصائل المسلحة واصلوا إنكار مسؤوليتهم عن الهجمات التي استهدفت قوافل الدعم اللوجستي، لكن الكاظمي قدم معلومات تشير إلى تورط الفصائل المعروفة في هذه الهجمات".

وتحدث "الكاظمي" عن اعترافات منفذي هذه الهجمات الذين تم اعتقالهم، وطالب بوقف هذه الاعتداءات، لكن المشكلة التي علم بها الجميع واعترف بها هي أن إيران وقيادة الحشد الشعبي فقدت سيطرتها على الفصائل المسلحة".

وقد توجه مستشار الأمن القومي العراقي "قاسم الأعرجي"، قبل أيام، إلى طهران للقاء نظيره "علي شمخاني" استجابة لدعوة رسمية من الجانب الإيراني، لبحث "القضايا الأمنية ذات الاهتمام المشترك والحدود وتعزيز التعاون الأمني ​​والاستخباراتي بين البلدين"، وذلك بحسب البيان الصادر عن مكتب "الأعرجي".

وقد تلا لقاء "الأعرجي" مع "شمخاني" لقاء آخر مع وزير الخارجية الإيراني "محمد جواد ظريف" ووزير الدفاع "أمير حاتمي".

وقال مكتب "الأعرجي"، الذي قاد مفاوضات الهدنة بين الحكومة العراقية والفصائل المسلحة المدعومة من إيران الشهر الماضي، إنه التقى بالسفير الأمريكي في بغداد قبل زيارته لطهران. كما شارك في الجولة الأخيرة من المحادثات العراقية الأمريكية، وكان أحد قادتها إلى جانب وزير الخارجية العراقي "فؤاد حسين".

وتشير تحركات "الأعرجي" المكثفة خلال الأيام الماضية إلى أن الحكومة العراقية تسابق الزمن لتحقيق بعض الأهداف. وقال أحد أعضاء فريق "الكاظمي" إن رئيس الوزراد العراقي يسعى إلى الاستفادة من الظروف المحيطة قدر الإمكان لكبح الفصائل وتهيئة الأرضية المناسبة للانتخابات المقبلة وجذب الشركات الاستثمارية.

وقال المصدر إن طهران تظهر حرصا على تهدئة التوترات أثناء المفاوضات مع الولايات المتحدة في فيينا بشأن إحياء الاتفاق النووي. وبالمثل، أشار إلى أن إدارة "بايدن" أثبتت أنها أكثر مرونة من سابقتها. وقال المصدر إن "الأولوية القصوى للكاظمي الآن هي دفع الفصائل المسلحة إلى الوراء عدة خطوات من خلال استغلال رغبة إيران والمرونة التي أبدتها الولايات المتحدة".

وأضاف: "لقد بدأت المفاوضات الإيرانية الأمريكية، لكنها لن تكون قصيرة، ونتائجها لن تكون ملموسة بين عشية وضحاها، كما هو الحال في أي مفاوضات أخرى". مؤكدا أن الأجواء الإيجابية قد لا تتكرر إلا بعد أشهر.

ولكن كل التطورات تشير إلى أن بعض الفصائل المسلحة ستسعى إلى التصعيد وإثارة الاضطرابات وحتى تحريك جماهيرها للتظاهر ضد الحكومة وإشعال الشارع لسبب أو لآخر. لذلك يبدو أن الجميع في سباق مع الزمن.

المصدر | سعاد الصالحي | ميدل إيست آي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد