الخميس 22 أكتوبر 2015 03:10 ص

إذا كانت حركة الاحتجاج مدعاة لتفاؤل الإرادة حسب المفكر غرامشي، خصوصاً وهي تضم كتلاً بشرية ضخمة من المتظاهرين من شتى الفئات والتوجّهات اليسارية واليمينية، الدينية والعلمانية، من داخل العملية السياسية ومن خارجها، ومن جميع التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية، إلاّ أن الواقع ما زال يشي بالتشاؤم بفعل عقبات كبرى وكوابح كثيرة قد تؤدي إلى احتواء حركة الاحتجاج أو إجهاضها أو شقها وبالتالي تشتتها.

حصل الأمر في مرّات سابقة أن جرى امتصاص الهبّات الشعبية، بغضّ النظر عن استجابة رئيس الوزراء الحالي هذه المرّة لمطالب الإصلاح، لكنها ظلّت حتى الآن فوقية ولم تمسّ جوهر المشكلة، لاسيّما إعادة الخدمات على جناح السرعة ومحاسبة الفاسدين والمفسدين وردّ الاعتبار للدولة ومؤسساتها ووضع حدّ للطائفية والتقاسم الوظيفي، وإذا كان هناك جمهور واسع يؤيد عملية الإصلاح التي تبنّاها رئيس الوزراء، إلاّ إن أدواته وفرصه محدودة، فهو لا يمتلك قوة حزبية أو سياسية، وهو بلا أصدقاء أو حلفاء، في حين أن أعداء الإصلاح والفاسدين يشكّلون جبهة قوية ومتشعبة، حتى وإنْ اختلفت مصالحهم.

إذا راجعنا شعارات التظاهرات العارمة والمندلعة في مختلف أنحاء العراق، سنلاحظ أنها تلتقي حول أهداف ومطالب مشتركة، تمسّ حياة الناس وحاجاتهم الملحّة والضرورية، إلى الخدمات وخصوصاً الكهرباء والماء والتعليم والصحة وإيجاد فرص عمل متكافئة من جهة أخرى، وتلك أمور آنية ومستعجلة، حيث لم يعد السكوت عنها ممكناً أو تأجيلها مسموحاً به. 

وقد عانى العراقيون تفاقمها، وشبعوا من الوعود بتحسينها، الأمر الذي دفعهم إلى النزول إلى الشوارع التي لم يبارحوها مطالبين بتحسين الخدمات وبالإصلاح حتى بعد إعلان رئيس الوزراء حيدر العبادي عن تبنّيه خطة للإصلاح.

الوجه الآخر لحركة الاحتجاج الواسعة هو المطالبة بتقديم الفاسدين والمفسدين إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل، بمن فيهم المقصّرون وعديمو الشعور بالمسؤولية والمستهترون بالمال العام، وقد تفشّت ظاهرة الفساد ما بعد الاحتلال، بشكل خاص بعد أن أصبح الولاء والمصالح الحزبية والانتماء الطائفي، الأساس في الحصول على المناصب العليا، في ظل التقاسم الوظيفي والطائفي والإثني، بعيداً عن الكفاءة والخبرة والنزاهة، وقد أثّر ذلك على نحو شديد في فاعلية وأداء أجهزة الدولة وكفاءتها ودورها.

وكان أحد مظاهر الأزمة هو تفكّك الدولة، خصوصاً بعد سقوط الموصل بيد «داعش» في 10 يونيو/ حزيران 2014، واستمرار الأمر حتى الوقت الحاضر، بل وتمدّدها إلى مناطق أخرى من العراق بلغت نحو ثلث الأراضي العراقية وتهديدها العاصمة بغداد. صحيح أن نفوذها تقلّص إلى حدود معيّنة ونسبياً، لكن استمرارها يمثل فضيحة للدولة العراقية أو لما تبقّى منها، وهي مهدّدة بالتقسيم الفعلي بفعل غياب إرادة سياسية للوحدة الوطنية وانعدام الثقة بين القوى والجماعات السياسية المختلفة - المؤتلفة، الأعداء- الأصدقاء «الأعدقاء»، إضافة إلى فهم مغلوط وناقص لفكرة الفيدرالية «الأقاليم» التي يتم الترويج إليها مجدداً تحت عناوين مختلفة وبتشجيع خارجي، علماً بأن الدستور كان قد أخذ بها، لكن هناك محاولات مغرضة لتفسيره وتأويله تبعا للمصالح والهوى، فضلاً عن الألغام التي احتواها والتي يمكن أن تنفجر عند كل منعطف، حيث يتربص الجميع بالجميع بما فيها الكتل المؤتلفة، بل داخل كل الفريق الواحد، الأمر الذي يهدّد مستقبل الدولة العراقية.

من جهة أخرى كان المظهر الأبرز لأزمة الدولة العراقية ما بعد الاحتلال في العام 2003 هو الطائفية السياسية التي عوّمت الدولة ومرجعيتها وأضعفت هيبتها ومكانتها، وحوّلتها إلى كيانات بدلاً من اعتماد مبادئ المواطنة التامة والمساواة الكاملة أساساً للحصول على الوظائف العليا، وإلغاء التمييز الطائفي والإثني والديني والعشائري والمناطقي وغير ذلك، وعلى الرغم من كل المحاولات لتديين الدولة أو تطييفها أو مذهبتها، انطلقت بعض الدعوات لقيام الدولة المدنية، خصوصاً وقد أنزلها نظام المحاصصة الإثنية والطائفية إلى الحضيض.

قد تكون هناك مبررات مقبولة في الدعوة إلى قيام دولة مدنية (الآن)، سواء كان من من باب التعبئة السياسية، أو لإحراج الجماعات الدينية والطائفية، ولكن لماذا يُقحم اسم «المرجعية» في هذا الشأن؟ أحقاً إن المجموعة المتنفذة من رجال الدين في النجف تريد الدولة المدنية، فما المشكلة إذاً في ذلك؟ أم إن البعض يحاول الاحتماء بها، لكي لا يقال إن فكرة الدولة المدنية، ضد الدين؟ 

من موقعي كمراقب ومحلّل للأحداث لا أعتقد أن مثل هذه الازدواجية تخدم الفكرة، والذين يحاولون ترويجها يرتكبون خطأين: الأول لأنهم يجيّرون شعار الدولة المدنية، لصالح رجال الدين، وهو غير صحيح إطلاقاً، فرجال الدين لهم مكانتهم ولا ينبغي زجّهم في الصراع السياسي، لا من جانب السلطة ولا من جانب القوى المحتجّة وكلا الطرفين يحاولان منح رجال الدين سلطة إضافية واعتبارية، بحيث يُنسب كل أمر إيجابي إليهم، والثاني، إن مثل هذه المواقف تخدّر جماهير واسعة تؤمن بالفكرة وتبحث عن خلاص وإذا بها تصاب بالخيبة والخذلان، عندما تكشف مدى الافتئات على الحقيقة، حتى وإنْ كانت النوايا حسنة.

أعتقد أن فكرة الدولة المدنية غير ممكنة التحقيق في الوقت الحاضر حتى وإنْ كانت أمنية عزيزة وطموحاً بعيد المنال، وهدفاً منشوداً وذلك بسبب اختلال موازين القوى، أي أنها ليست مطلباً راهنياً، أي قابلاً للتطبيق، لكن مفرداتها تبقى مهمة، لاسيّما بفكّ الارتباط بين الدين والدولة وبين السياسة والدين، وعدم إخضاع الأخيرة لرجال الدين وتفسيراتهم وتأويلاتهم، ولاسيّما الطائفية والمذهبية التي هي عامل تفريق وتنافر وحساسية.

وقد ألقى مثل هذا الاشتباك والاندغام بين الدين والسياسة بثقله على المجتمع لدرجة أصبحت الحياة الشخصية مهدّدة ويتم انتهاكها كل يوم تحت حجج ومزاعم شتىّ،فضلاً عن تجييش الكثير من أبناء الطوائف وشحنهم بالكراهية والانتقام من الآخر. ولذلك ارتفعت بعض الشعارات التي تعبّر عن أمنيتها لقيام دولة مدنية، ولاسيّما الشعار الذي ظلّ الصوت فيه مرفوعاً وعالياً «سلمية.. سلمية.. دولة دولة مدنية»، فما شأن رجال الدين بذلك؟

إن أهمية حركة الاحتجاج تكمن في نزع القدسية عن رجال الدين، والتعامل معهم كبشر يخطئون ويصيبون، وإذا ما أرادوا تقديم أنفسهم «كمرجعية» لطائفة أو مجموعة منها، فعليهم أن يكفّوا عن التعاطي بالسياسة ويتصرّفوا خارج نطاق اللعبة السياسية، باعتبارهم مرشدين وروحانيين، جامعين وغير مفرّقين، لاسيّما بعدم الانحياز لهذا الفريق أو ذاك وتحت عناوين مصلحة المذهب أو الطائفة، فالمصلحة الوطنية والولاء للوطن هما اللذان ينبغي أن يتقدّما على جميع الولاءات الدينية والإثنية والمذهبية والسلالية واللغوية والعشائرية والمناطقية، مثلما يكون الاحتكام إلى القانون والخضوع لسيادته هو الأساس، باعتباره المرجعية التي تفصل علاقات الناس ببعضهم ومع الدولة، وليس لأي قواعد أو أنظمة أخرى دينية أو طائفية أو إثنية أو عشائرية أو غيرها.

المهم أيضاً التقدّم بخطوات على طريق بناء الدولة العصرية الدستورية، بغضّ النظر عن تسميتها، وهذه الخطوات مهما كانت بسيطة لكنها تراكمية وتدرّجية وطويلة الأمد، خصوصاً بإعلاء شأن المواطنة والمساواة وحكم القانون واستقلال القضاء وعدم التمييز وتحريم الطائفية وتأكيد حق المشاركة والتداولية والانتخابات الدورية وحرّية التعبير وحق الاعتقاد وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، وتلك كلها تؤدي إلى فضاء رحب يستطيع فيه المواطن الفرد والجماعة التعبير عن ذاتهما بشكل حر ومستقل، بما فيها الدعوة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

إن دولة الحماية التي نفتقر إليها لم تعد كافية على النطاق العالمي، خصوصاً وإن دولة الرعاية بل والرفاهية، أخذت تشمل الميادين المختلفة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والصحية وكل ما يتعلق بالقضايا التنموية، فما بالك حين نعجز عن الوصول إلى دولة الحماية، لتأمين الحد الأدنى للمواطن في أمنه وحياته وممتلكاته، فضلاً عن ضبط النظام والأمن العام، فعن أي دولة نتحدث؟