الخميس 6 مايو 2021 12:53 ص

تحدثت بعض وسائل الإعلام الجزائرية مؤخرًا عن توترات بين الجزائر وتركيا بشأن الدعم التركي المزعوم لجماعة "رشاد" الإسلامية الجزائرية. وأصدرت السفارة التركية في الجزائر بيانا أوضحت فيه أن هذه "مزاعم" و"شائعات كاذبة". وبينما لم تصدر السلطات الجزائرية أي بيان رسمي بهذا الشأن حتى الآن، سعت مصادر دبلوماسية غير رسمية في كل من الجزائر وأنقرة للتقليل من صحة هذه التقارير.

ومهما كانت الحقيقة، فإن المواجهة غير مرجحة بين الجانبين لأن تركيا اكتسبت على مدى الـ15عاما الماضية نفوذًا كبيرًا في شمال إفريقيا بشكل عام، وفي الجزائر بشكل خاص.

تقع دول المغرب العربي على مفترق طرق إفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط وجنوب أوروبا والبحر الأبيض المتوسط، وقد ركزت تركيا على توسيع نفوذها في هذه المنطقة لتحقيق أهدافها الاقتصادية والطاقوية والعسكرية، كأركان أساسية لدور أكبر في القارة السمراء والبحر الأبيض المتوسط.

وعندما يتعلق الأمر بأجندتها الاقتصادية، تنظر تركيا إلى المنطقة المغاربية كبوابة إلى أسواق أفريقية جديدة، بدءًا من دول الساحل. وقد زادت الاستثمارات التركية بشكل مطرد في إفريقيا، حيث قدرت تجارة تركيا مع القارة بنحو 25.3 مليار دولار في عام 2020. وقد ساعد المنتدى الاقتصادي والتجاري التركي الأفريقي على تعزيز هذه الروابط. وقد أثبتت المنتجات التركية نجاحها في البلدان المغاربية، وذلك بعد أكثر من عقد ونصف من تحسن العلاقات الاقتصادية.

وقد وقعت تركيا في عام 2005 اتفاقية شراكة مع تونس، وبعد ذلك بعام وقعت اتفاقية تجارية مع المغرب واتفاقية صداقة وتعاون مع الجزائر.

وكانت التجارة مع الجزائر هي الأهم بين البلدان الثلاثة. وتعد الجزائر ثاني أكبر شريك تجاري لتركيا في إفريقيا بعد مصر، حيث بلغت التبادل التجاري بين البلدين 4.2 مليار دولار في عام 2020. ويرغب الجانبان في توسيع التجارة بينهما إلى 5 مليارات دولار في عام 2021، لتتجاوز حجم التبادل التجاري مع مصر.

وأصبحت تركيا (التي استثمرت 3.5 مليار دولار في الجزائر) المستثمر الأجنبي الرائد خارج قطاع الهيدروكربونات في الجزائر، وتتقدم تركيا في هذا السياق على  فرنسا. وتنشط تركيا في قطاعات البناء والمنسوجات والصلب والغذاء والطاقة حيث تعمل أكثر من 1200 شركة تركية في الجزائر، وتوظف أكثر من 10 آلاف شخص. وعلى سبيل المثال، فازت 3 مجموعات إنشاءات تركية، "أطلس جروب" و"أوزجور سان" و"دوروك" للإنشاءات، في يناير/كانون الثاني الماضي بعقد قيمته 1.2 مليار دولار لبناء 4400 وحدة سكنية في مناطق مختلفة من الجزائر.

ومن المتوقع أن تستمر مكانة تركيا البارزة في الجزائر حيث تعززت العلاقات بين البلدين بالتوقيع الأخير على 7 اتفاقيات تعاون في مجالات الطاقة والزراعة والسياحة.

وفيما يخص قطاع الطاقة، كان لتركيا أيضًا مصالح كبيرة في الجزائر التي تعتبر رابع أكبر مورد للغاز لأنقرة. وقد اتفقت شركة "سوناتراك" الجزائرية المملوكة للدولة والمؤسسة التركية لأنابيب البترول على تمديد اتفاقية للغاز الطبيعي تزود الجزائر بموجبها 5.4 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا إلى تركيا، وذلك حتى عام 2024. تعمل "سوناتراك" أيضًا مع شركة "رونسانس هولدنج" على بناء مجمع بتروكيماويات في جيهان التابعة لولاية أضنة جنوب تركيا. وتبلغ قيمة الاستثمار 1.2 مليار دولار.

وفي ليبيا المجاورة، التي تعد موطن أكبر احتياطيات نفطية في إفريقيا، تناقش تركيا وحكومة الوفاق الوطني مشاريع التنقيب في مساحات الطاقة البرية والبحرية. وفي سبتمبر/أيلول الماضي، أجرى المسؤولون الأتراك محادثات مع "المؤسسة الوطنية للنفط" الليبية حول توليد الطاقة وتشغيل خطوط الأنابيب. ومؤخرا في 12 أبريل/نيسان الماضي، استقبل الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، رئيس الوزراء الليبي، "عبدالحميد دبيبة"، وتعهد الجانبان بتعزيز تعاونهما في قطاعي النفط والغاز، خاصة أن تركيا وحكومة الوفاق الوطني وقعتا اتفاقية بحرية لترسيم الحدود البحرية بينهما. 

وفي هذه الأثناء، تسعى تركيا لتعزيز نفوذها العسكري في جميع أنحاء شمال إفريقيا، وتعتبر ليبيا مثالا على ذلك. وفي يناير/كانون الثاني 2020، نشرت تركيا وحدات عسكرية واستخدمت طائراتها المسلحة بدون طيار لوقف هجوم الجنرال "خليفة حفتر" على طرابلس التي تضم حكومة الوفاق الوطني. ومن خلال ذلك، تسعى تركيا إلى حماية مصالحها الجيوستراتيجية، بما في ذلك الاتفاقية البحرية مع حكومة الوفاق الوطني، فضلاً عن مصالحها الاقتصادية.

وفي هذا السياق تظل الجزائر، التي يبلغ طول حدودها مع ليبيا ما يقرب من 1000 كيلومتر، حذرة بشأن نهج تركيا تجاه ليبيا، بالرغم أنها لا تعارض ذلك علانية. وتريد السلطات الجزائرية الحفاظ على واجهة من الحياد في الصراع، حتى لو كانت تحبذ حكومة الوفاق الوطني أيضًا.

ولا يمكن للجزائر الاستغناء عن تركيا في ليبيا، وإلا فقدت أي نفوذ لها في الصراع. بالمثل، لا يمكن لتركيا الاستغناء عن الجزائر وتونس، اللتين تشتركان في حدود مع ليبيا، مما يتيح لأنقرة إمكانية الوصول إلى البلاد بطرق مختلفة إذا لزم الأمر. في غضون ذلك، تواصل الجزائر العمل على الجبهة الدبلوماسية لإيجاد تسوية سياسية مستدامة للنزاع الليبي تمهد لانسحاب التدخل الأجنبي.

وخارج الجزائر وليبيا، تُظهر التطورات في أجزاء أخرى من المنطقة المغاربية كيف ترتبط سياسة أنقرة العسكرية بهدفها الأوسع المتمثل في توسيع نفوذها الإقليمي. وتتضمن استراتيجية تركيا طويلة المدى الهيمنة على سوق السلاح في أفريقيا.

على سبيل المثال وقعت تونس وتركيا في ديسمبر/كانون الأول 2020 اتفاقية عسكرية عرضت بموجبها تركيا على تونس قروضًا بدون فوائد بقيمة 150 مليون دولار لشراء معدات عسكرية تركية. كما تضمنت الاتفاقية التعاون في قطاع الصناعة العسكرية، وخلق منصات مشتركة للبحث والتطوير وإنتاج قطع الغيار والتصدير المشترك للمواد العسكرية.

ويسمح هذا التعاون لأنقرة بإنشاء قاعدة صناعية صلبة في تونس لتصدير عتادها العسكري في جميع أنحاء المغرب العربي وأفريقيا. وفي الواقع، بعد أن افتتحت 37 مكتبًا عسكريًا في إفريقيا (لا يوجد مثل هذا العدد من المكاتب العسكرية لدولة أخرى)، فقد أصبحت تركيا رقما صعبا في هذا الإطار. وفي السنوات الثلاث الماضية، أبرمت أنقرة أيضًا اتفاقيات عسكرية مع تشاد (2019) والنيجر (2020) والصومال (2021)، وتتطلع الآن إلى أسواق أفريقية أخرى لمزيد من التعاون العسكري.

وتسعى تركيا إلى حشد الدعم السياسي في القارة الأفريقية. وقد أعاد "أردوغان" (الذي يشعر بخيبة أمل من عرقلة الاتحاد الأوروبي انضام بلاده إلى الكتلة) توجيه دبلوماسية بلاده نحو المغرب العربي وإفريقيا لتوسيع نفوذ تركيا في البحر الأبيض المتوسط. ومن المتوقع أن تستمر البصمة التركية في النمو.

في حين أن الدول الأوروبية، خاصة فرنسا، قد لا تكون راضية عن هذا الانخراط التركي في منطقة خاضعة تقليديًا للنفوذ الفرنسي، لكنها ستضطر إلى التكيف معه. ويبدو أن رغبة أنقرة في تقديم نفسها كبديل لفرنسا والأوروبيين، قد لاقت ترحيباً في منطقة سئمت من علاقتها الطويلة مع قوى استعمارية سابقة.

المصدر | داليا غانم | كارنيجي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد