الخميس 13 مايو 2021 07:59 م

تنشط شبكة العلاقات العامة الإسرائيلية الواسعة لنقل صورة تختلف عما يدور على الأرض، لكن الغريب أنها تتلقى الدعم من مصدر قد يبدو غير متوقع للوهلة الأولى وهو الإمارات. ولكن عند أخذ نظرة أكثر تمعنًا، فإننا نجد أن الدعم الإماراتي لعنف الشرطة الإسرائيلية المفرط تجاه المتظاهرين ليس مستغربا.

وحتى قبل "اتفاقيات إبراهيم" التي أضفت الطابع الرسمي على العلاقات الثنائية بين الإمارات وإسرائيل، فقد أظهرت أبوظبي انسجاما أيديولوجيًا مع المواقف الإسرائيلية اليمينية المتطرفة والسرديات القائمة على التخويف، والتي تهدف إلى تبرير قمع المجتمع المدني العربي.

لكن الإضافة التي قدمتها "اتفاقيات إبراهيم" هي تسخير شبكات المعلومات المضللة التابعة للإمارات لكي تدعم بشكل أعمى السرديات الإسرائيلية الانتقائية.

ونجحت إسرائيل لعقود في كسب القلوب والعقول في الغرب لصالح احتلال يصعب تبريره، عبر ما تطلق عليه "هاسبارا"، وهي كلمة عبرية تعني "الشرح والتفسير"، وتشير إلى جهود العلاقات العامة المعنية بنشر الأخبار الإيجابية والتسويق لإسرائيل في الخارج.

وفي هذا إطار، تسمي إسرائيل الناشطين بـ"الإرهابيين"، وتصف المنتقدين بأنهم "معادون للسامية"، وتصف الأدلة على العنف الإسرائيلي ضد النساء والأطفال على أنها "أخبار مزيفة".

وتبرر إسرائيل العنف السياسي والأمني ​​المفرط ضد المدنيين من خلال سرديات قائمة على إظهار نفسها في دور الضحية.

من اللامبالاة للترويج

يستهدف نهج العلاقات العامة المسمى "هاسبارا" في المقام الأول المجتمع الغربي، ولم يكن هناك أمل له في أن يكون له تأثير في الشارع العربي، لكن ذلك تغير مؤخرًا.

وكانت حسابات "تويتر" الرسمية التابعة لإسرائيل تعمل في الغالب دون أن يلاحظها أحد في العالم العربي. وظلّت القضية الفلسطينية لفترة طويلة نقطة الالتقاء الوحيدة للعالم العربي المنقسم.

توقع معظم المحللين أن تستمر أبوظبي في غض الطرف عن معاناة الفلسطينيين بعد "اتفاقيات إبراهيم" لكن الإمارات احتفظت بعنصر المفاجأة حين قفزت إلى عربة "هاسبارا" الإسرائيلية، لتلوي وتنتقي وتعيد تأطير الحقائق لخدمة السردية الإسرائيلية على حساب الفلسطينيين.

 الأمر الأكثر لفتا للنظر هو أن المؤثرين الإماراتيين -الذين غردوا بتوجيه من حكومة الإمارات- اختاروا الثناء على سلوك إسرائيل في وقت قامت فيه الشرطة الإسرائيلية المسلحة بمحاصرة المسجد الأقصى واقتحامه، مما أدى إلى إصابة المصلين المسالمين داخل أقدس الأماكن الإسلامية في أيام رمضان.

واختار المؤثر الإماراتي "حمد الحوسني" إعادة تغريد فيديو لحساب "إسرائيل بالعربية" يتهم المتظاهرين كذباً بأنهم أدوات في يد "حماس"، وعلق عليه قائلاً: "حفظ الله الحرم القدسي الشريف من عبث الإرهاب"، كما أعاد المؤثر "منذر الشحي" نشر تغريدة لحساب "إسرائيل بالعربية" قائلاً: "شكرًا إسرائيل بالعربية على توضيح الحقيقة".

ورد مؤثر إماراتي آخر هو "حسن سجواني"، على تغريدات إماراتية محلية تحت وسم #SaveSheikhJarrah (أنقذوا الشيخ جراح) بما يبدو أنه هجوم وحشي على مدرسة في أفغانستان، وتابع حديثه بسخرية: "لماذا لا يقوم الفلسطينيون بإخلاء المسجد الأقصى والعودة ببساطة إلى منازلهم؟".

تهديد وجودي

ويبدو من صور البروفايلات والبانرات أن حسابات وسائل التواصل الاجتماعي هذه ليست مجرد إماراتيين عشوائيين يعبرون عن آرائهم السياسية، وفي بلد لا يوجد فيه مجتمع مدني ويُجرّم فيه النشاط السياسي، فإن أي تدفق مفاجئ للرسائل السياسية غالبا غالبا ما يكون برعاية الدولة.

مثل هذه الحسابات هي أدوات مباشرة لنظام يخشى الشارع العربي مثلما تخشاه إسرائيل، وتمامًا مثل حكومة "نتنياهو" والمؤسسة الأمنية في إسرائيل، ترى أبوظبي أن الربيع العربي لا يمثل إشكالية فحسب، وإنما تهديدًا وجوديًا.

وتعد التعبئة الشعبية حول المظالم المشروعة، مثل القضية الفلسطينية، كابوسًا أمنيًا للنظام في أبوظبي، الذي أصبح خلال العقد الماضي الراعي الاستبدادي الأكبر للثورة الإقليمية المضادة.

ومثل إسرائيل، تبنت الإمارات سرديات قائمة على التخويف بشأن النشاط السياسي العربي والإسلام السياسي. وتستخدم الإمارات التعميم الواسع مثل إسرائيل، لتصوير الإسلاميين ونشطاء المجتمع المدني على أنهم "إرهابيون". وترى أبوظبي أن المسجد منصة خطرة للتعبئة المجتمعية، وبالتالي تخضع المساجد والخطب والأئمة لسيطرة الدولة.

وبذريعة "التسامح" عززت الإمارات عملية نزع السياسة من الدين وإعادة تسييس الدين لجعله أداة تخدم أمن النظام وسيطرته، واستغلت الإمارات (مثل إسرائيل) مخاوف الغرب من الإسلام لتبرير قمع المعارضة.

وتسعى القيادة الإماراتية للترويج للأيديولوجية الجديدة المستوحاة من الصوفية والتي تشوه حق انتقاد الحاكم. وعلى سبيل المثال، قال الباحث الإسلامي "حمزة يوسف"، الذي تربطه علاقات وثيقة بمجلس الفتوى الإماراتي، في مقابلة مع "فرانس 24" عام 2019، إن أفضل طريقة لخدمة القضية الفلسطينية هي "عدم فعل أي شئ".

سحق المجال العام

إن تحول الإمارات من اللامبالاة (تجاه فلسطين) إلى نهج "هاسبارا" ليست محاولة منها لتملق شريكها الاستراتيجي الجديد، بل إن الدافع خلف شرعنة حسابات وسائل التواصل الاجتماعي الإماراتية للعنف الإسرائيلي ضد المتظاهرين السلميين، هو الخوف من تعبئة محتملة مؤيدة للفلسطينيين في الداخل.

ويعد الاعتداء الإسرائيلي على المسجد الأقصى خلال شهر رمضان مقبولًا لدى النظام ووكلائه في أبوظبي بسبب مخاوف تحفيز المجال العام الإماراتي الذي جرى سحقه بالفعل. وهكذا، تم التضحية بالقضية الفلسطينية على مذبح أمن النظام.

المصدر | أندرياس كريج - ميدل ايست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد