الأربعاء 19 مايو 2021 01:32 ص

مع تصاعد العملية العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة، أصبح من الملحوظ الإحجام الروسي عن جهود الوساطة بالرغم أن موسكو منخرطة بشدة في الشرق الأوسط ولها العديد من جهود الوساطة الناجحة.

وتنخرط روسيا سياسيا وعسكريا في سوريا وليبيا، كما توسطت أواخر العام الماضي في نزاع ناجورنو كاراباخ، فيما تشارك في مناقشات حول مستقبل أفغانستان. كما تمتلك موسكو علاقات دبلوماسية ودية مع إسرائيل وقناة حوار مع "حماس" التي لا تصنفها روسيا كمنظمة إرهابية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

لكن روسيا بدت مترددة بشكل غير عادي في الانخراط في الصراع الجاري. وتكشف الأسباب عن الكثير بشأن الوضع الداخلي في روسيا.

نفوذ طويل في المنطقة

لطالما سعت روسيا لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط، وكان للاتحاد السوفييتي دور حيوي في إنشاء خريطة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية.

وفي عام 1947، دعم الاتحاد السوفييتي قرار الأمم المتحدة رقم 181 والذي قسم فلسطين إلى دولة عربية ويهودية. وفي مايو/أيار 1948 بعد إعلان دولة إسرائيل، كان الاتحاد السوفييتي أول من اعترف باستقلالها وأقام علاقات دبلوماسية معها.

وبعد سنوات، قدم الاتحاد السوفييتي أسلحة لمصر عبر تشيكوسلوفاكيا قبل العدوان الثلاثي الذي اشتركت فيه إسرائيل. وبمرور الوقت، تراجع الدعم السوفييتي لإسرائيل حتى الانهيار النهائي للعلاقات الدبلوماسية بعد حرب 1967.

أما اليوم، فإن موقف روسيا هو أن القدس الشرقية ينبغي أن تكون عاصمة دولة فلسطينية مستقبلية، وأن القدس الغربية عاصمة إسرائيل.

إحجام عن التورط

وبدلا من محاولة جلب إسرائيل و"حماس" إلى طاولة المفاوضات، دعا الكرملين إلى عقد اجتماع لرباعية الوسطاء الدوليين حول الشرق الأوسط على مستوى وزراء الخارجية. (الرباعية تضم روسيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي).

ويكمن السبب الأول وراء ذلك في أن موارد موسكو محدودةولا ترغب في استنزافها في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المحفوف بالمخاطر، فخطوة خاطئة في هذا الصراع يمكن أن توقع روسيا في خلاف كبير مع الغرب، حيث يحظى دعم إسرائيل بأهمية سياسية عالية هناك.

ويعتمد الاقتصاد الروسي بشكل كبير على الصادرات وتدفقات العملة الأجنبية، وبالتالي فإن الكرملين يريد تفادي العقوبات الغربية قدر الإمكان، كما أنه لا يريد المخاطرة بالتوترات مع تركيا ذات النفوذ الإقليمي، خاصة أن خلافات أنقرة زادت مع حلفائها في الناتو بسبب تحسن علاقاتها مع روسيا.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط قد يقفز بأسعار النفط، كما أنه يزيد أرباح مصدري الأسلحة، وروسيا مستفيدة في الحالتين.

أما السبب الثاني فهو فشل المحاولات السابقة لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بالرغم أن موسكو عضو دائم في مجلس الأمن الدولي وعضو في اللجنة الدبلوماسية الرباعية بشأن الشرق الأوسط، لذلك تدرك روسيا أنه من غير المرجح أن تكون هي الوسيط الذي سيحل هذه المعضلة بالذات.

وبالتالي، فبدلا من تشويه صورتها وتضييع رأس مالها السياسي في جهود وساطة فاشلة، تفضل روسيا إشراك اللاعبين الرئيسيين المعنيين عبر اللجنة الرباعية ومجلس الأمن، بحيث لا تتحمل عبء الفشل وحدها.

المصالح الأمنية الروسية

وأخيرا، قام الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" بالتعبير عن السبب الأكثر أهمية للتردد الدبلوماسي في موسكو عندما قال إن الصراع يؤثر بشكل مباشر على حدود روسيا والمصالح الأمنية الروسية (مع أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يجري على بعد ألف ميل تقريبا من حدود روسيا).

والواقع أن ما يقلق "بوتين" هي طبيعة المناطق الحدودية الجنوبية لروسيا، فالمناطق الحدودية للقوقاز مسلمة في الغالب، ويرون هجوم إسرائيل على القدس وغزة خلال شهر رمضان جريمة.

وقد دعا "رمضان قاديروف"، رئيس الجمهورية الشيشانية، إسرائيل إلى الاعتذار للفلسطينيين عن العنف وقال إن "تصرفات إسرائيل كانت استفزازا يهدف لإجبار المسلمين على كسر القانون".

ويتنامى عدد المسلمين في الاتحاد الروسي وخاصة في شمال القوقاز، بسبب ارتفاع المواليد والهجرة من آسيا الوسطى بشكل أساسي. ويشكل المسلمون غالبية السكان في 7 كيانات ضمن الاتحاد الروسي: الشيشان، إنغوشيا، داغستان، كاباردينو-بلقاريا، كراتشاي-شيركانسيا، باشكورتوستان، وتتارستان.

وتدرك القيادة الروسية أن المسلمين سيحتشدون لدعم الفلسطينيين. ففي عام 2017، اجتاحت المظاهرات غروزني ومخشكالا وغيرها من المدن في شمال القوقاز، وذلك لدعم الروهينجا.

وبالتالي قد تؤدي أي لفتات إيجابية من الكرملين نحو إسرائيل إلى ردود فعل سلبية لدى الجمهوريات القوقازية، ما يؤدي لاحتجاجات ليس فقط ضد تصرفات إسرائيل ولكن أيضا ضد موسكو.

وبالنظر إلى الطبيعة المجزأة عرقيًا للجمهوريات القوقازية، يريد الكرملين تجنب اندلاع أي نوع من السخط هناك، ويمكن فهم محاولاته للتوسط في أحدث نزاع بين أذربيجان وأرمينيا وفق هذا الإطار.

كما لا ترغب روسيا في حدوث أي اضطرابات في هذه المنطقة الاستراتيجية الواقعة بين أوروبا وآسيا، والتي تمثل بوابة لروسيا إلى الشرق الأوسط والشرق الأدنى، وكذلك أحواض بحر قزوين والبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط.

لذلك، فقبل أن توجه روسيا جهودها لحل النزاع البعيد، فإن عليها أولًا ضمان عدم حدوث اضطرابات في منطقة القوقاز بسبب هذا الصراع. وتريد موسكو الحفاظ على علاقات ممتازة مع إسرائيل والعالم العربي، كما لا تريد في الوقت ذاته أن تفسد العلاقات مع جمهورياتها ذات الغالبية المسلمة.

وبالتالي فإن الدفع باجتماع الرباعية الدولية للشرق الأوسط يمكن أن يكون خيارا مثاليا يجنبها تحمل مخاطر الانخراط بشكل مباشر أو منفرد، كما سيمثل الاجتماع فرصة لإجراء محادثات على الهامش بشأن أوكرانيا والبحر الأسود والعقوبات ضد روسيا.

المصدر | إيكاترينا زولوتوفا | جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد