الخميس 3 يونيو 2021 02:11 م

عندما كثفت إسرائيل قصفها الأخير على غزة، لم تتوقع رد فعل عالميا ينتقد عنفها الاستعماري وسياساتها في الفصل العنصري.

وقد تحول الرأي العام بشأن إسرائيل منذ أن أعلنت منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية الحقوقية غير الحكومية، في يناير/كانون الثاني، أن إسرائيل دولة فصل عنصري، وتلاها تقرير "هيومن رايتس ووتش" الذي وثق أدلة واسعة على ذلك.

وحاولت إسرائيل تصوير العدوان الأخير باعتباره صراعا مع "حماس" التي تستهدف الشعب اليهودي، لكن ذلك لم يحظ بمصداقية تُذكر خارج الدوائر الصهيونية، بل إن إسرائيل أظهرت عنفا أثبت أن منظمتي "بتسيلم" و"هيومن رايتس ووتش" كانتا على صواب.

إجراءات شعبية

في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تستعرض قوتها العسكرية، كانت هناك احتجاجات واسعة ضد سياستها دفعت أعضاء بالكونجرس لتعطيل صفقة أسلحة إلى إسرائيل، كانت تتم سابقا بكل سلاسة لولا هذا الضغط.

وفي ليفورنو بإيطاليا، تلقى اتحاد عمال ميناء معلومات من منظمة "واشون ووتش"، وهي منظمة غير حكومية مقرها جنوة، تفيد بتوجه شحنة للأسلحة إلى ميناء أشدود في إسرائيل، فاتخذوا إجراءات فورية واحتشدوا ليوقفوا رحلة السفينة، ثم أصدروا بيانا بأنهم "لن يكونوا شركاء في المذبحة ضد الشعب الفلسطيني".

كما حث الاتحاد الحكومة الإيطالية على تعليق الصادرات العسكرية إلى "مناطق النزاعات الإسرائيلية الفلسطينية"، ودعا، في بيان، إلى إجراء عمليات تفتيش على سفينة "آسياتيك آيلاند" بعد تلقي تقرير يفيد بالاستعداد لشحن مركبات عسكرية عبرها.

ووصفت إسرائيل هذا النشاط الموجه ضدها بأنه "حرب اقتصادية"، واختارت التستر على ما يقوم به جيشها به من حرب غير متكافئة ضد الشعب الفلسطيني في غزة وفي جميع الأراضي المحتلة. ولم تنقل معظم وسائل الإعلام السائدة القصة، واتجهت الشحنة في نهاية المطاف نحو نابولي، وغابت أخبار احتجاج عمال الميناء وسط تواصل التقارير عن الفظائع الإسرائيلية في غزة.

ومع ذلك، كانت نابولي على مستوى الحدث، ومرة ​​أخرى، تم إيقاف شحنة أسلحة موجهة لإسرائيل في منتصف مايو/أيار، وأصدر اتحاد عمال ميناء إيطالي يسمى "إس.آي.كوباس" بيانا يدين الحكومة الإيطالية على تواطؤها بسبب شحنة الأسلحة.

وبعد أيام من ذلك، رفض عمال ميناء في مدينة ديربان بجنوب أفريقيا تفريغ بضائع من سفينة إسرائيلية رست في الميناء، بعد أن أبلغهم "الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين" بشأنها.

ودعمت "حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" على إسرائيل في جنوب أفريقيا ما فعله عمال الميناء؛ حيث صرح عضو الحركة "روشان دادو"، قائلا: "نحن نحيي عمال مينائنا وسنستمر في الكفاح معهم لضمان أن تصبح جنوب أفريقيا منطقة خالية من الفصل العنصري".

ويذكرنا التضامن النقابي الذي أظهره العمال الإيطاليون والجنوب أفريقيون بإضراب تاريخي لمهندسي "رولز رويس" في أسكتلندا عام 1974، بعد مضي سنة واحدة فقط على الديكتاتورية التشيلية المدعومة من الولايات المتحدة والمتمثلة في الديكتاتور "أوغسطو بينوشيه"؛ حيث رفض 4 مهندسين إصلاح محركات نفاثة متعلقة بالسلاح الجوي التشيلي، وتم اتخاذ هذا الإجراء المتضامن مع التشيليين المضطهدين في سياق حشد دولي.

كما أدان اتحاد العمال في أسكتلندا الديكتاتورية التشيلية وانتهاكاتها لحقوق الإنسان. وفي حديثه في الذكرى الـ45 للانقلاب عام 2018، قال "ستيوارت باري"، أحد المهندسين الذين شاركوا في الإضراب: "من الرائع أن هناك اعترافا بالإضراب الذي حدث، كان يمكن لعمل مباشر مثل الذي قمنا به أن يتسبب في دعاية سلبية، لكنها كانت مسألة مبدأ، وكان الاتحاد بقوته يقف خلفنا، وهذا ما منحنا الحرية والثقة للوقوف بوجه بينوشيه".

فرصة لاستمرار الزخم

بعد أن أصبح نشر انتهاكات حقوق الإنسان أكثر سهولة بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن تصبح التعبئة الدولية للقضية الفلسطينية خطة قوية لتحقيق نتائج، إذا لم يتم ربطها حصرا بالتغطيات الإعلامية التي تحدث عند إفراط إسرائيل في العدوان.

وتسبب القصف الأخير في غزة في تحويل الرأي العام. وتواصلت الاحتجاجات ضد العنف الإسرائيلي والفصل العنصري رغم إعلان وقف إطلاق النار في 20 مايو/أيار.

ومن الواضح التباين الحاد بين نهج الناشطين والحكومات تجاه العنف الاستعماري الإسرائيلي. وإذا استمر الزخم المؤيد للفلسطينيين، فستتعرض الحكومات لتدقيق واسع النطاق، خاصة عندما تواصل مساعدة إسرائيل وتشجيعها إما عن طريق تمويل الجيش الإسرائيلي (كما هو الحال مع الولايات المتحدة) أو من خلال الدعم الدبلوماسي والحصانة من العقاب.

وأعربت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن قلقها بشأن المعارضة المتنامية داخل الكونجرس للمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، ومع ذلك، لا تزال الأغلبية تدعم المساعدات غير المشروطة، واستبعدت نائبة الرئيس الأمريكي "كامالا هاريس" بالفعل أي تغيير في الوضع الحالي الراهن خلال فترة ولاية "جو بايدن".

وكرر المجتمع الدولي السردية الإسرائيلية التي تلوم "حماس"، لكن الإفلات المتزايد من العقاب الذي منحه المجتمع الدولي لإسرائيل أصبح يثير سخطا عالميا؛ مما أدى إلى دعم أكبر لفلسطين.

أهمية تواصل التعبئة

وبالرغم من وقف إطلاق النار، فإن الاحتجاجات لم تخفت، فيما يعود بشكل كبير لرغبة الشعب الفلسطيني في أن يكشف للعالم أن عدوان إسرائيل ليس فقط في حي الشيخ جراح، أو القدس، أو غزة، وإنما يتعلق الأمر بعملية استعمار كاملة.

لقد جاءت تصرفات عمال الموانئ في إيطاليا وجنوب أفريقيا في الوقت المناسب، وساعدت في إظهار تواطؤ الحكومات في انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان. ومع ذلك، فإن الكفاح الأوسع يستلزم إجراءات منظمة وتعبئة تتجاوز اللحظة الحالية؛ لتلافي التراجع الذي يحدث بمجرد أن تهدأ وسائل الإعلام.

وبما أن خطط إسرائيل لاستعمار فلسطين لم تكن عشوائية، فإن دعم المقاومة الفلسطينية كذلك يحتاج إلى اتباع مسار منظم. وتستطيع الاحتجاجات المنظمة والمدروسة أن تتحول مع الوقت إلى قوة تضطر الحكومات في مختلف أنحاء العالم إلى أن تضعها في اعتبارها.

المصدر | رامونا وادي/ إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد