الثلاثاء 8 يونيو 2021 06:18 م

من المقرر أن يلتقي الرئيس الأمريكي "جو بايدن" بنظيره التركي "رجب طيب أردوغان" في 14 يونيو/حزيران الجاري. وبالرغم من توتر العلاقات الثنائية بسبب القرارات التي اتخذها الجانبان خلال السنوات الأخيرة، فإن الاجتماع المقبل يمثل فرصة لإصلاح بعض الأضرار لذلك يجب على الزعيمين ألا يضيعوا الفرصة.

ولدى كل جانب أسباب قوية لإعادة ترميم هذا التحالف المهم، لكن كل زعيم منهما يواجه معارضة سياسية داخلية تدفعه نحو مواجهة ممتدة. فقد تزايدت المشاعر المعادية لتركيا بين الديمقراطيين التقدميين في الكونجرس، وتزايد العداء لأمريكا لدى الناخبين الأتراك. وسيتطلب كسر هذا المأزق الكثير من الدبلوماسية والحكمة وخطوات حقيقية من كل من "بايدن" و"أردوغان". لكن الأمر يقع في الأساس على "بايدن" للوصول إلى "أردوغان" عبر اتخاذ الخطوة الأولى ودفع العلاقة إلى الأمام بشكل مثمر.

تشترك الولايات المتحدة وتركيا في تاريخ طويل من التعاون، وتنسجم مصالحهما الHستراتيجية في الخطوط العامة، لا سيما في مواجهة روسيا من خلال حلف الناتو. لكن وجود الناتو القوي أمر مستحيل بدون تعاون حقيقي بين واشنطن وأنقرة، حيث تعتبر تركيا ثاني أكبر جيش في الحلف بعد الولايات المتحدة لذلك فإن التنسيق بينهما مهم لإنقاذ الناتو الذي يواجه شكوكًا من الأعضاء الأوروبيين الرئيسيين بما في ذلك فرنسا التي أعلن رئيسها "إيمانويل ماكرون" أن الناتو "ميت سريريا"، كما أن إحجام ألمانيا عن المساهمة بشكل متناسب في الدفاع الجماعي معروف جيدًا.

وبالنظر إلى التصور الغامض للدول الأوروبية الكبرى تجاه الأمن، يجب على "بايدن" بذل كل ما في وسعه للحفاظ على استقرار تركيا داخل الناتو، فإذا اختار "أردوغان" تلبية تطلعات جمهوره التركي المناهض لأمريكا وترك التحالف -أو دفع الولايات المتحدة خارج قاعدة إنجرليك الجوية- فقد يختفي الناتو.

وفي حين تتفق الأجندة التركية والأمريكية إلى حد كبير فيما يتعلق بمواجهة موسكو، سواء في البحر الأسود أو سوريا أو ليبيا، إلا أن هناك قائمة طويلة من نقاط الاختلاف الأخرى. فقد انتقدت واشنطن القرار التركي بشراء منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400كما تنتقد واشنطن بعض ممارسات السطات التركية باعتبارها "انتهاكات لحقوق الإنسان".

وفي المقابل، فإن اعتراف إدارة "بايدنبما يسمى "الإبادة الجماعية للأرمن" فاقم مشاعر الكراهية للولايات المتحدة داخل تركيا. ويعتقد "أردوغان" وقطاع كبير من الجمهور التركي أن الولايات المتحدة توفر الحماية لـ"فتح الله جولن"، الذي يُنظر إليه على أنه وراء محاولة الانقلاب عام 2016.

وبشكل عام، هناك خلاف بين الولايات المتحدة وتركيا بشأن مجموعة من القضايا الإقليمية، بما في ذلك النزاعات في شرق المتوسط ​​والصراع بين إسرائيل والفلسطينيين.

وبدلاً من التعامل مع هذه المشاكل بشكل مجزأ، يجب على "بايدن" أن يشرع في استراتيجية دبلوماسية شاملة تستند إلى التنازلات المتبادلة من أجل استقرار التحالف. وستكون مثل هذه الاستراتيجية متسقة مع رواية إدارة "بايدن" بشأن "عودة أمريكا" وإصرارها على مركزية الدبلوماسية.

ويجب على "بايدن" أن يستغل اجتماعه مع "أردوغان" ليبدي استعداده لتقديم تنازلات بشأن بعض النقاط الخلافية والتفاوض بشأن أخرى ولكن بروح إصلاح الشراكة.

ويتمثل الخلاف الرئيسي بين تركيا والولايات المتحدة في الصراع في شمال شرق سوريا والشراكة المضللة التي دخلت فيها الولايات المتحدة مع القوات الكردية التابعة لوحدات حماية الشعب الكردية وحزب العمال الكردستاني. وتعتبر تركيا هذا الأمر تهديدًا وجوديًا. وتدين الولايات المتحدة لتركيا برد لا لبس فيه على مخاوفها بشأن "الإرهاب الكردي". ويمكن لخطوة جريئة من جانب "بايدن" بشأن هذه النقطة أن تحسن العلاقات الثنائية بشكل كبير وتقطع شوطًا طويلاً نحو معالجة المشاعر المعادية لأمريكا. هذا هو الجوهر الحقيقي للمسألة.

ثانيًا، يحتاج المأزق بشأن صواريخ "إس-400" إلى حل سريع. يجب على الولايات المتحدة أن تعرض على تركيا صواريخ "باتريوت" كبديل وأن تعيد تركيا إلى برنامج مقاتلات "إف-35". وسيتطلب هذا الأمر التعاون مع الكونجرس في ضوء قانون مكافحة الإرهاب. ويمكن لإدارة "بايدن" الاستفادة من الأغلبية الديمقراطية. ومع ذلك، يجب ربط هذا العرض بالتزام من تركيا بأنها لن تسعى للحصول على أسلحة أخرى يمكن أن تعرض الناتو للخطر. وقد تتضمن الحوافز عرضا أمريكيا لتطوير صناعة الأسلحة المحلية.

ثالثًا، في حين أن الحكومة التركية لم تقدم للولايات المتحدة أدلة كافية لتبرير تسليم "جولن"، يمكن تشجيع المواطنين الأتراك الذين لديهم شكاوى من أتباع "جولن" على رفع دعاوى قضائية في المحاكم الأمريكية. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تثبت لـ"أردوغان" والرأي العام التركي أن المسألة قضائية تتعلق بالقانون الأمريكي.

رابعًا،  يجب على الولايات المتحدة الانخراط بنشاط في دور الوساطة في المنطقة. يجب على الولايات المتحدة الضغط من أجل التقارب التركي السعودي وإيجاد أرضية مشتركة في سوريا والعراق وليبيا وفي كبح جهود إيران لزعزعة الاستقرار الإقليمي. ويجب على الولايات المتحدة أن تعمل بالمثل على تقليل التوترات بين تركيا وإسرائيل والتوسط بين الإمارات وتركيا. ويجب أيضًا منح تركيا التقدير الذي تستحقه لتعاونها مع أوكرانيا.

خامساً، يمكن للولايات المتحدة أن تعمل على نزع الطابع السياسي عن نزاع شرق المتوسط ​​حول الحدود البحرية وتشجيع الحل التعاوني والتقني. وفي غياب القيادة الأمريكية، ستزداد هذه المشكلة سوءًا. ومع الحاجة إلى استكشاف عملية محايدة قد تشمل لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة، فإن هناك حاجة إلى مزيد من المشاركة الاستباقية من قبل الدبلوماسيين الأمريكيين.

سادساً، على الولايات المتحدة أن تبني على الشراكة التاريخية مع تركيا في الأماكن التي تتداخل فيها المصالح مثل البحر الأسود وسوريا وليبيا والصومال. وإذا كانت أمريكا تريد إعادة تأكيد مكانتها في الشؤون العالمية دون توسيع وجودها العسكري، فإنها تحتاج إلى شركاء مثل تركيا لممارسة تأثير بناء في المناطق التي تلعب فيها دورًا حيويًا مثل الشرق الأوسط، وشرق المتوسط​​، ومنطقة البحر الأسود، وكذلك القوقاز وآسيا الوسطى وأوروبا.

سابعاً، في أعقاب بيان "بايدن" حول "إبادة الأرمن"، يجب على الإدارة الأمريكية أن توضح أن الاعتراف بمعاناة الأرمن لم يكن هجومًا على الجمهورية التركية وأن تقترح إطار عمل لفتح الحدود بين أرمينيا وتركيا ومساعدة البلدين على العمل نحو تطبيع العلاقات.

ولا تعتبر المشاكل التي تؤجج الخلاف بين الولايات المتحدة وتركيا بسيطة. ومع ذلك، ما لم تبدأ الولايات المتحدة استراتيجية مصالحة واسعة، فإن هذه المشاكل سوف تتفاقم وتنفجر في نهاية المطاف. وبالنظر إلى الخطر الذي يشكله الانقسام بين أنقرة وواشنطن، فإن معالجة أسباب هذا الانقسام يعتبر أولوية. ويجب على "بايدن" اغتنام الفرصة "لإعادة هذه العلاقة الثنائية إلى أساس متين.

ونظرًا لأن روسيا تشكل حاليًا تهديدًا متزايدًا، ومع توتر العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، فقد حان الوقت للولايات المتحدة للمضي قدمًا كصديق وداعم طويل الأمد لتركيا. وتعتبر هذه لحظة فارقة بالنسبة لواشنطن للتواصل مع حليفها من أجل إصلاح الشراكة وإعادة تأكيدها. وأصبح الأمر متروك لـ"بايدن" الآن للعمل على صفقة كبرى كطريقة لتأمين التزام تركيا تجاه الحظيرة الغربية.

المصدر | روسيل بيرمان - ناشونال إنترست – ترجمة وتحرير الخليج الجديد