الأربعاء 16 يونيو 2021 09:41 م

كانت معركة غزة الأخيرة بمثابة اختبار جاد لاتفاقات "إبراهيم" التي تضمنت تطبيع العلاقات بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين. وبالرغم أنه من المستبعد أن تخرج الاتفاقيات عن مسارها، إلا أن الأحداث الأخيرة قد تبطئ التعاون الاقتصادي المتصور.

ومع اشتعال المعركة، تراجع بعض التفاؤل والنشوة الأولية بشأن اتفاقيات "إبراهيم"، ومع ذلك، من السابق لأوانه إجراء أي توقعات ملموسة حول مدى تأثير الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين على العلاقات الجديدة بين بعض دول الخليج وإسرائيل.

لقد وضعت كل من الإمارات والبحرين آمالاً كبيرة علي التطبيع باعتباره سيوسع التجارة الثنائية والاستثمارات بشكل غير مسبوق كما صرح في البداية وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي "أوفير أكونيس"، لكن الاشتباكات الأخيرة قد تبطئ الديناميكيات اللازمة للاستثمارات الخليجية.

ويرى "ويليام ويتشلر"، كبير مستشاري برامج الشرق الأوسط في "المجلس الأطلسي"، أنه من الطبيعي تعطل بعض الاتفاقات نتيجة تصاعد المشاعر ومن المحتمل أن تكون هناك فترات في المستقبل تحكم فيها المشاعر مرة أخرى. واستدرك قائلا: "المصالح المشتركة التي أرست الأساس لاتفاقات إبراهيم لا تزال قائمة، ومن المرجح أن يستمر الحماس لعلاقات أعمق بين الأفراد ورجال الأعمال".

وأضافت "دانييلا هوبر"، رئيسة برنامج دراسات البحر الأبيض المتوسط ​​والشرق الأوسط في في إيطاليا، أنه بينما كانت هناك مظاهرات في جميع أنحاء العالم العربي تضامناً مع الفلسطينيين، فإن جميع الحكومات التي وقعت اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل هي استبدادية، ومن غير المرجح أن يستسلموا لضغوط شعوبهم. وأضافت "هوبر" أن هذا يرجع إلى أن لديهم مصالح اقتصادية وعسكرية وجيوسياسية في هذه الاتفاقيات.

وبالرغم من دعوة الإمارات لإسرائيل إلى إنهاء الاشتباكات في القدس والتعبير عن "قلقها من أعمال العنف التي ترتكبها الجماعات اليمينية المتطرفة في القدس الشرقية المحتلة"، إلا أن انتقادات أبوظبي كانت محدودة. لذلك، يعتقد الأكاديمي الإماراتي "عبدالخالق عبدالله" أنه "لا توجد انتقادات شعبية كافية لجعل أبوظبي تغير موقفها تجاه إسرائيل، ما يفتح الباب أمام السياحة والفرص التجارية".

وقالت "هوبر" إن "الأسابيع الماضية ردعت السعودية عن تطبيع العلاقات على غرار الإمارات، نظرا لممارسات الشرطة الإسرائيلية في ساحة المسجد الأقصى، ثالث أقدس المواقع الإسلامية بعد مكة والمدينة".

ومع ذلك، حتى لو لم تستطع إسرائيل الحصول على اعتراف من السعودية في الوقت الحالي، فإن غالبية الخبراء يعتقدون اعتقادًا راسخًا أن الاتفاقات المبرمة لن تنحرف عن مسارها، حيث استثمرت هذه الأطراف كثيرًا في إقامة علاقات مع إسرائيل. 

ويوضح البروفيسور "جودت بهجت"، من مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الإستراتيجية بواشنطن العاصمة، أن اتفاقيات "إبراهيم" ليست اتفاقيات سلام حيث لم تكن الإمارات والبحرين (إلى جانب المغرب والسودان) في حالة حرب مع إسرائيل. لذلك، كما يشير "بهجت"، فإن الاتفاقات تشير إلى تحالف ضد إيران وتركيا، وبالرغم من المحادثات الأخيرة بين طهران وأنقرة من جهة وبعض الدول العربية من جهة أخرى، ما يزال بعض قادة الخليج ينظرون إلى إيران وتركيا على أنهما أعداء ويرون إسرائيل كشريك أمني قابل للاستمرار.

وأضاف "بهجت" أنه لا ينبغي أن يكون مفاجئًا أن يشتري بعض قادة دول مجلس التعاون الخليجي القبة الحديدية ومعدات عسكرية إسرائيلية أخرى.

وتابع: "الدافع المحلي الرئيسي للتعاون الخليجي الإسرائيلي هو رغبة بعض دول مجلس التعاون الخليجي في شراء برامج المراقبة الإسرائيلية حيث أن إسرائيل دولة رائدة في هذا المجال ويشعر بعض قادة دول مجلس التعاون الخليجي بالحاجة إلى برامج التجسس ومراقبة مواطنيهم والمعارضين، ومن غير المحتمل أن يتغير هذا في أي وقت قريب. في الواقع، من المرجح أن تزداد هذه الرغبة بقوة".

لكن اتفاقيات "إبراهيم" تتجاوز القضايا الأمنية حيث تتوق دول الخليج إلى تنويع اقتصاداتها بعيدًا عن النفط وإقامة شراكة مع الشركات الإسرائيلية، لا سيما في قطاعي التكنولوجيا والسياحة. وبالنسبة لإسرائيل، فإن جذب المستثمرين الخليجيين الأثرياء من شأنه أن يغير قواعد اللعبة لتصب في مصالحها الاقتصادية.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن "صندوق مصدر" الإماراتي للاستثمار عن أول استثمار إماراتي كبير في إسرائيل بمئات الملايين من الدولارات لتطوير مشاريع الطاقة المتجددة هناك، فضلا عن اتفاق مبدئي لنقل نفط الخليج عبر إسرائيل إلى الموانئ المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

وفي أبريل/نيسان الماضي، وقّعت شركة "مبادلة للبترول" الإماراتية مذكرة تفاهم لشراء حصة 22% في حقل "تمار" البحري الإسرائيلي. وفي حالة اكتمالها، ستكون هذه أكبر صفقة تجارية بين البلدين في الشرق الأوسط منذ تطبيع العلاقات بينهما في أغسطس/آب 2020.

وتأتي غالبية الاستثمارات المعلنة من الخليج حتى الآن من شركات وصناديق ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالدولة وبالتالي فإن هناك قوة تحمي هذه الشركات وتدعمها. أما المستثمرون من القطاع الخاص فإنهم أكثر عرضة لرد فعل الجمهور. ونتيجة تزايد المشاعر المعادية لإسرائيل في أعقاب الأحداث الأخيرة، قد يفضل هؤلاء المستثمرون تأجيل أي خطوات أخرى تجاه إسرائيل.

وبالتالي، فإن الديناميكيات الجيوسياسية في المنطقة سيكون لها دائمًا تأثير على الاتفاقات، خاصة على المدى القصير، ومن المرجح أن يتقلب هذا بمرور الوقت، كما يوضح "ويتشلر" الذي أضاف أن المستثمرين المحترفين والمؤسسات تميل إلى الاستثمار في الأماكن التي تحقق لهم عوائد غير مرتبطة بشكل كبير بالعوامل الأخرى. ولن تكون قرارات الشركات متماثلة، فبعضها سيتقدم بسرعة أكبر من البعض الآخر. ومن المرجح أن تكون شركات البيع بالتجزئة، التي تبيع مباشرة للمستهلكين العرب، أكثر حذرا لأنها ستكون الأكثر عرضة للحملات العامة السلبية على وسائل التواصل الاجتماعي.

وبينما ينأى الحلفاء العرب التقليديون بأنفسهم عن الفلسطينيين، يمكن أن تستمر حملات وسائل التواصل الاجتماعي والمنظمات الحقوقية القوية في الضغط على الكيانات التجارية حتى لا تتعامل مع إسرائيل. ومن الأمثلة على ذلك القرار الذي اتخذه أحد أبرز صناديق الثروة السيادية العالمية في النرويج بعدم التعامل مع الشركات المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وأشار "ويتشلر" إلى أن صناديق الثروة السيادية وغيرها من المستثمرين المؤسسيين العالميين الكبار يجب أن يضعوا سياساتهم الخاصة مع مراعاة المخاوف الاجتماعية أو البيئية أو السياسية بما في ذلك القضية الفلسطينية لكن على حد قوله "لا يوجد إجماع اليوم، ومن غير المحتمل أن يكون هناك إجماع في المستقبل؛ وكذلك الحال داخل الكيانات الخليجية".

ومع ذلك فإن قرار النرويج وغيرها من القرارات المماثلة تتبع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الآثار القانونية لبناء جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة. وفي هذا السياق ذكّرت محكمة العدل الدولية الموقعين على اتفاقيات جنيف بمسؤوليتهم تجاه الأطراف الثالثة؛ وتماشياً مع ذلك، دعا قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 جميع الدول إلى التمييز في تعاملاتها ذات الصلة بين أراضي دولة إسرائيل والأراضي المحتلة منذ عام 1967.

وبناءً على هذا القرار، نشرت الأمم المتحدة قائمة سوداء للشركات العاملة في المستوطنات والتي تعتبر غير قانونية وتنتهك بشكل منهجي اتفاقية جنيف الرابعة. علاوة على ذلك، يتزايد أيضًا ضغط المجتمع المدني في أوروبا.

ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت الإمارات راجعت ذلك قبل تعميق تعاملاتها مع إسرائيل. ولكن من المرجح أن يحاول الجانبان تجنب الدعاية، بينما يزداد التعاون بشكل أعمق.

ويعتقد "ويتشلر" أنه بمرور الوقت سيكون هناك عدد أكبر من الإسرائيليين الذين أصبحت أعمالهم التجارية تعتمد بشكل متزايد على التجارة مع الخليج. ولذلك فإن الجهات المستفيدة في اسرائيل يمكن أن تضغط لتطبيق سياسات تمنع هذه التجارة من التوقف.

المصدر | ساتسا سالاجانين | إنسايد أرابيا – ترجمة وتحرير الخليج الجديد