الأحد 20 يونيو 2021 03:37 م

"محاولة المتشددين الأوضح في تاريخ إيران، ليس فقط لإقصاء المعتدلين من المنافسة، بل لإزاحة نمط تفكيرهم كاملا من المشهد السياسي الإيراني".. هكذا وصف الباحث والمحلل البارز بالمجلس الوطني الإيراني الأمريكي "سينا طوسي" انتخابات الرئاسة الإيرانية الأخيرة، التي أسفرت عن فوز "إبراهيم رئيسي" من الجولة الأولى.

ويرتبط توصيف "طوسي" بالخطاب الذي وجهه المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي" للأمة يوم 11 فبراير/شباط 2019 بمناسبة ذكرى الثورة، عندما تحدث عن "خطة" تستثمر "إنجازات" السنوات الأربعين الماضية، وترسم الملامح العامة لإيران لعقود آتية، حسبما أورد تحليل نشره موقع "ميدان، التابع لشبكة "الجزيرة".

تناول الخطاب هدف "تجديد الدماء الثورية" بتمكين جيل جديد من الشباب الثوريين المتدينين على رأس مناصب الدولة القيادية، وهو ما أصبح واقعا في العامين التاليين من عمر إيران، إذ شهدت الساحة السياسة انحرافا واضحا عن مسار تقاسم السلطة بين المحافظين والإصلاحيين، الذي رسم ملامح السياسة في البلاد منذ وضعت الحرب مع العراق أوزارها في نهاية الثمانينيات.

وبدأ هذا المسار منذ الانتخابات التشريعية الإيرانية عام 2020 التي هيمن عليها المحافظون وأُقصِي منها إصلاحيون كثر، وصولا إلى الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي فاز بها -كما توقع الجميع- "إبراهيم رئيسي"، المرشح المحافظ، بعد قيام لجنة الانتخابات بمنع إصلاحيين بارزين من الترشُّح.

ووصف عديد المراقبين تلك الانتخابات بأنها "منزوعة المنافسة" ونقطة تحوُّل بعد 30 عاما من حضور غير المحافظين في المشهد، جسَّدها البراجماتي "أكبر هاشمي رفسنجاني" ورئاسته على مدار التسعينيات، مرورا بالإصلاحي "محمد خاتمي" بين عامي 1997 و2005، والحضور البارز للحركة الإصلاحية بقيادة "مير حسين موسوي" المهزوم في انتخابات 2009 إبَّان حركة احتجاجية هي الأضخم منذ الثورة الإيرانية، وأخيرا الرئيس المنتهية ولايته "حسن روحاني" منذ عام 2013.

فالمحافظون لم يخفوا، على مدار العقد الماضي تململهم من إدارة "روحاني"، ورغبتهم في إعاقة الاتفاق الذي توصَّل له مع الولايات المتحدة والغرب عام 2016، والذي تسبب في خلخلة قبضتهم في الداخل إثر دمج إيران في الاقتصاد العالمي بعد عقود من العُزلة، كانت بالضبط هي ما يريده المحافظون للحفاظ على هيكل الدولة السلطوية وشبكاتها العسكرية والاقتصادية في إيران ومحيطها.

استغل المحافظون سيطرتهم البرلمانية، التي حققوها بانتخابات العام الماضي، كي يعرقلوا خطط "روحاني" ووعوده للإيرانيين بإعادة الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات وتخفيف العقوبات على طهران، ولم يكن ذلك سوى المرحلة الأولى من خطة "خامنئي" التجديدية/الأربعينية، ورؤيته لإعادة إحياء مبادئ الثورة بما يدعم استمرار التيار المحافظ على رأس مراكز القوى الإيرانية للأعوام العشرة التالية على الأقل.

المرحلة الثانية من خطة "خامنئي" اتضحت معالمها بالانتخابات الرئاسية الأخيرة، والتي قدمت رسالة مفادها أن "الثورة الإسلامية السبعينية تستعيد روحها، وتعيد الترويج لنفسها باعتبارها السبيل الوحيد لضمان أمن إيران وسلامتها محليا وعالميا".

وتنطوي مرحلتي خطة "خامنئي" ذو الـ82 عاما على إدراك أنه لا يملك الكثير من الوقت المتبقي في السلطة أو ربما في الحياة كلها. فسواء تسببت صحته المتراجعة في تعطيل قدرته على ممارسة شؤون الولي الفقيه أو وافته المنية، فإن الجمهورية الإسلامية بحاجة إلى خليفة يتولى شؤونها، على أن يكون رجلا يتابع تنفيذ ونشر تعاليم الثورة الإيرانية التي يُخشى انطفاء شعلتها مع زوال الجيل الأخير من رجالها.

ولذا عمل "خامنئي" منذ عام 2019 وحتى اللحظة على "حقن المؤسسات الإيرانية بدماء جديدة" من الشباب الثوري المتشدد القادر على إدارة مراكز القوى الإيرانية، والضامن لاستمرار العمل بـ"مبادئ الثورة" من بعده.

وتنقسم مراكز القوى الإيرانية، في أبسط حالتها، إلى مراكز منتخبة وأخرى غير منتخبة، وفي حين يتولى المرشد الأعلى بنفسه مهمة تعيين الجزء غير المنتخب أو يفعل ذلك عبر وكلائه في مناصب عدة، إلا أن الجزء المنتخب هو الذي ظل ينازع "خامنئي" باستمرار، وبقي عصيا على الانصياع الكامل لتعريفه المحافظ للثورة ومبادئها، وعلى رأسه البرلمان (مجلس الشورى الإسلامي) ورئاسة الجمهورية، إذ يشهد كلاهما انتخابات شعبية دورية كل 4 سنوات.

وخلال الأعوام الثمانية الماضية، سيطر الإصلاحيون والمعتدلون على كل من البرلمان والرئاسة تحت قيادة "روحاني"، وهو إصلاحي رغم كونه رجل دين وأحد المرشحين السابقين لخلافة خامنئي في منصب المرشد الأعلى، وهو حلم انتهى بعدما أودت به فترتاه الرئاسيتان ليصير منبوذا بين صفوف معظم رجال الدين، وكذلك المؤيدون له في الشارع الإيراني ممن تضرروا جراء سوء الأوضاع الاقتصادية.

حملت رئاسة "روحاني" في بدايتها قبل 8 أعوام البُشرى للإيرانيين، لكونه أتى بعد أعوام مضطربة من رئاسة المحافظ والراديكالي "محمود أحمدي نجاد" الذي تسببت سياساته المتشددة في أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة، وعلى رأسها قمع قادة وشباب "الحركة الخضراء" المطالبين بالإصلاح في مظاهرات 2009.

جاء "روحاني" بحزمة من الإصلاحات الاقتصادية الداخلية، والمفاوضات الدولية بشأن البرنامج النووي الإيراني التي انتهت بتوقيع الاتفاق النووي عام 2015، ومن ثَم شهد الاقتصاد الإيراني طفرة رفعت من شعبية الإصلاحيين، لكنها لم تستمر طويلا بعدما انسحبت الإدارة الأمريكية برئاسة "دونالد ترامب" من الاتفاق عام 2018، وفرضت مزيدا من العقوبات المشددة على إيران، تاركة روحاني والإصلاحيين في مهب الريح داخليا وخارجيا، ومانحة فرصة ذهبية لهجمة مضادة من المحافظين.

وأثار الانسحاب الأمريكي حفيظة المتشددين الإيرانيين الرافضين بالأساس التفاوض مع الولايات المتحدة والغرب، وأجج الغضب الشعبي الناتج عن التدهور الاقتصادي المتجدد، وأدى إلى انخفاض شعبية الإصلاحيين، ومن ثمَّ خسارتهم الانتخابات البرلمانية عام 2020 أمام المحافظين الذين حصدوا 219 مقعدا من أصل 290 في واحدة من أقل الانتخابات الإيرانية جاذبية للناخبين منذ قيام الجمهورية الإسلامية، إذ لم يُشارك بها سوى 43% ممن لديهم حق التصويت.

استثمر "خامنئي" والمحافظين آثار العقوبات الأمريكية في خطتهم ضد الإصلاحيين، وهو ما ترجمه الانحياز الواضح وغير المسبوق الذي أبداه مجلس صيانة الدستور لصالح المحافظين في انتخابات الرئاسة الأخيرة.

ويتكون المجلس من 12 عضوا، نصفهم من رجال القانون الذين ينتخبهم البرلمان من قائمة يضعها رئيس المجلس الأعلى للقضاء (المعين من قبل المرشد الأعلى)، والنصف الآخر من رجال الدين المتخصصين في الشريعة الإسلامية (ويعينهم المرشد الأعلى مباشرة)، وهو مسؤول -ضمن صلاحيات عدة أخرى- عن تدقيق ومراجعة أوراق المرشحين للانتخابات وتقديم القائمة النهائية لمن يحق لهم الترشح من عدمه.

رفض المجلس أوراق ترشيح 90 من أعضاء المجلس الإصلاحي السابق في خطوة تكررت مرة أخرى ضمن الاستعداد للانتخابات الرئاسية، حيث رُفضت أوراق العشرات من المرشحين الإصلاحيين والمعتدلين في مقابل قبول واسع للمحافظين.

فمن بين 600 مرشح تقريبا تقدموا بأوراقهم للمجلس، لم يقبل ترشيح سوى 7 مرشحين حازوا حق دخول السباق الرئاسي الذي أقيم قبل يومين، ومن بين هؤلاء السبعة لمع نجم اسم واحد فقط، هو "إبراهيم رئيسي" الذي فاز بالانتخابات كما هو متوقع باعتباره "البديل" الذي قدمته انتخابات 2017، التي خسرها آنذاك أمام "روحاني".

 يحتفظ "رئيسي"، في الوقت ذاته، بورقة التوقعات والترشيحات التي ترجح خلافته لـ"خامنئي" في منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في وقت لاحق، وهو ذات المسار الذي سلكه "خامنئي" عندما تولى منصبه الحالي خلفا لـ"روح الله الخميني" تزامنا مع توليه منصب رئاسة الجمهورية.

لم يكن "رئيسي" معروفا على نطاق واسع قبل ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2017 أمام "روحاني" بدافع من "مسؤوليته الدينية والثورية" كما صرح حينها، ولم يحُز الرجل شعبية إلا في صفوف التيار المتشدد المعادي لـ"روحاني"، ويمكن القول إنه دُفِع للمشاركة في السباق بمباركة "خامنئي" الذي عينه، قبل أشهر فقط من موعد الانتخابات آنذاك، سادنا للروضة المقدسة "آستان قدس رضوي"، وهي واحدة من أغنى المؤسسات الخيرية في إيران، إلى جانب مسؤوليتها عن إدارة مؤسسات دينية أخرى وأماكن مقدسة داخل إيران على رأسها "الضريح المقدس للإمام الرضا" بمدينة مشهد.

اُعتبر القرار حينها مؤشرا على أن "رئيسي" هو المرشح الأوفر حظا لخلافة "خامنئي" مرشدا أعلى للثورة، لكن خسارة "رئيسي" والتيار المحافظ أمام "روحاني" في كل من انتخابات الرئاسة والبرلمان السابقة لها، دفعت بـ"خامنئي" نحو نهج أكثر تشددا في الإطاحة بالإصلاحيين تماما من المشهد السياسي وصولا إلى خطته الأربعينية لتجديد دماء الثورة الإسلامية، والتي بدأ تنفيذها منذ عام 2019.

وفي هذا الإطار، أخذ "رئيسي" على عاتقه، خلال العامين الماضيين، مهمة مهاجمة "روحاني" وسياساته الإصلاحية، والسعي لتوحيد المتشددين والمحافظين تحت رايته، متخذا من معاداة أمريكا والمشكلات الاقتصادية الناتجة عن انهيار المحادثات النووية معها قاعدة لرفض النهج الإصلاحي كاملا.

ومن جهة أخرى، تحصّن "رئيسي" بتاريخه الطويل على رأس السلطة القضائية ودوره في توطيد أركان النظام الإيراني بعد الثورة الإسلامية، بوصفه واحدا من 4 قضاة شكلوا ما عُرف في الثمانينيات باسم "لجنة الإعدام"، التي أصدرت أحكام الإعدام ونفذتها بحق الآلاف من الإيرانيين المعادين للنظام، الذين دُفنِوا في مناطق مجهولة، بينما يُمنع تداول قضاياهم أو التحقيق فيها في إيران حتى الآن.

ورغم أن الوصول إلى منصب الرئاسة ربما يكون قد قطع بـ"رئيسي" نصف الطريق نحو مقعد المرشد الأعلى، فإنه لا ضمانة تكفل تحقيق ذلك حتى الآن، لكن الراجح أنه بالتعاون مع المرشد ورجاله، سيضع "رئيسي" الكثير من السياسات التي ستبقى لما بعد نهاية رئاسته، وربما بعد "خامنئي".

الحالة التي خلقتها خطة "خامنئي" الأربعينية تجعل من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- على أي مرشح محافظ عادي البقاء والاستمرار، بل هي في حاجة لما وصفه "خامنئي" نفسه بالقائد الذي يحمل "الولاء الثوري" الكافي ليمسك بأركان النظام ويعبر به نقطة تحوُّل مهمة في تاريخه، ولا يملك تلك المواصفات سوى "رئيسي"، الذي تدين له مؤسسات الدولة غير المنتخبة بالسمع والطاعة أكثر من غيره، ويمسك بقبضته الآن المؤسسات المنتخبة هي الأخرى، كما يدين له منافسوه من مرشحي الرئاسة بالولاء.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات