الخميس 24 يونيو 2021 08:55 ص

أكدت صحيفة "واشنطن بوست" مؤخرًا وجود صلة بين محاولة الانقلاب الفاشلة في الأردن وجهود إدارة الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" لتمرير خطتها للسلام في الشرق الأوسط، والمعروفة بـ"صفقة القرن"، وفق ما كشفه المقال الذي كتبه "ديفيد إجناتيوس"، واستند لإفادات مسؤولين مطلعين حاليين وسابقين.

ارتباط بصفقة القرن

وكان محور هذه الأزمة ولي العهد السابق الأمير "حمزة بن حسين"، الأخ غير الشقيق للملك، و"شريف حسن بن زيد" وهو أحد أفراد العائلة المالكة، و"باسم عوض الله" الذي كان مقربًا سابقًا من الملك "عبد الله" والذي خدم في مناصب حكومية عديدة رفيعة المستوى.

وبالرغم أنه لم يتم توجيه اتهامات إلى الأمير "حمزة"، إلا إن المتآمرين المزعومين يواجهون تهما بتأجيج الفتنة والتحريض. ومع وجود علاقات تربط "بن زيد" و"عوض الله" بالسعودية، أشار المراقبون إلى إمكانية ارتباط هذه المؤامرة  بـ "مؤامرة أكبر يحركها أقرب حلفاء الأردن".

ويشير هذا التفسير إلى أن المؤامرة كانت مدفوعة برفض الملك "عبدالله الثاني" للتعاون مع خطة السلام للشرق الأوسط التي توسط فيها "كوشنر"، وعلى وجه الخصوص، رفضه الصارم للتخلي عن وصاية الأردن على الأماكن المقدسة في القدس.

ومع ذلك، لو كان الملك "عبدالله" تخلى عن الأماكن المقدسة بما يتماشى مع رؤية إدارة "ترامب"، لتعرضت الأردن والمنطقة الأوسع للاضطرابات.

وعكست خطة "ترامب" توجهًا عاما في السياسة الإقليمية بتقديم أولويات إسرائيل على المصلحة الوطنية الأمريكية التي تتمثل في شرق أوسط مستقر وآمن.

ولم يتضح من هذه الإفادات الجهة التي كانت الأردن ستتنازل لها عن الوصاية، لكن السعودية كانت مرشحًا محتملًا.

وأوضح "إجناتيوس" أن "الجائزة التي أرادها ترامب وكوشنر هي السعودية، ولكي يمهدوا الطريق لذلك، حاولوا إخضاع الأردن".

وكان من شأن حصول السعودية على الوصاية على المسجد الأقصى، أن يجعلها الوصية على الأماكن المقدسة الثلاثة للمسلمين.

القبول انتحار سياسي

وقال الكاتب إن خطة السلام المقترحة من فريق "ترامب" هددت قضيتين محوريتين لدى الأردن، وتتمثلان في إعادة توطين الفلسطينيين والوصاية على الأماكن المقدسة في القدس. ويجادل بعض المحللين بأنه لو قبل الأردن "صفقة القرن"، لكان ذلك بمثابة "انتحار سياسي" بسبب السخط الشعبي الهائل الذي كان سيطلقه هذا القبول.

وما يزال الأردن يواجه ضغطا محليا كبيرا بشأن علاقته مع إسرائيل، سواء من سكان ضفة الأردن الشرقية (أيّ السكان التاريخيون لأراضي الأردن) وسكان ضفة الأردن الغربية (أيّ الفلسطينيون الذين نزحوا من وطنهم بسبب إنشاء دولة إسرائيل أو توسعاتها اللاحقة).

ولطالما أعرب سكان شرق وغرب الأردن عن سخطهم تجاه أي اتفاق مع إسرائيل، فيما يرجع ذلك جزئيا إلى كثرة السكان الفلسطينيين في الأردن.

وفي حين أن مخاوف سكان الضفة الغربية للأردن تنبع من هوياتهم كفلسطينيين، فإن مخاوف سكان الضفة الشرقية للأردن وزعماء القبائل تنبع من خشيتهم بأن يصبح الأردن "الوطن البديل" للفلسطينيين، حيث يشكل الفلسطينيون الأردنيون حاليا أكثر من نصف سكان المملكة.

ويمكن أن يؤدي أي اتفاق لإعادة توطين الفلسطينيين في الأردن إلى تحول ديموغرافي هائل، وبالنظر إلى شعور سكان ضفة الأردن الشرقية بالتهميش، فإن هذه النتيجة يمكن أن تثير الاضطرابات الشديدة وتفاقم التوترات بين هذه المجموعات، بحسب التقرير.

أما بالنسبة للوصاية على الأماكن المقدسة في القدس، فهي مصدر مهم للشرعية الدينية والسياسية للمملكة الهاشمية، وبالتالي فإن جهود للالتفاف على هذه الوصاية سيولد اضطرابًا محليًا كبيرًا.

وبالإضافة لكون هذه الوصاية مصدرا أساسيا للشرعية المحلية، فإنها تشكل مصدرا حاسما للنفوذ في سياسات المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بإسرائيل وفلسطين.

ومن المنطقي أن تؤدي خسارة هذه الوصاية إلى تفويض النفوذ التفاوضي للمملكة في الصراع وتحد من قدرتها على دعم القضية الفلسطينية وتحقق حلم اليمين الإسرائيلي بجعل الأردن الوطن الفعلي للفلسطينيين.

وعلاوة على ذلك، فإن التوترات السياسية المحلية الموجودة بالفعل في الأردن وتلك المتعلقة بإسرائيل غالبا ما تعزز بعضها البعض.

وعلى سبيل المثال، أصبح النائب الأردني "أسامة العجارمة" ما يشبه بطلًا شعبيًا بعد طرده من البرلمان إثر اتهامه للحكومة بافتعال انقطاعات التيار الكهربائي الواسعة عن عمد من أجل ردع الأردنيين عن النزول للشوارع احتجاجا على هجمات إسرائيل على غزة الشهر الماضي.

وتدل شعبية "العجارمة" المفاجئة على إحباط الجمهور الأردني بشأن الظروف داخل البلد وكذلك الأوضاع عبر حدودها الغربية.

خطورة عدم استقرار الأردن

وقال "إجناتيوس" إن تقويض استقرار الأردن يعد مصادما لسياسة الرسمية الأمريكية طويلة الأمد والتي تتمثل في تقديم أولويات استقرار المملكة.

وقد عمدت إدارة "ترامب" إلى تقديم الأولويات الإسرائيلية والسعودية على حساب الأردن، مما يهدد المصالح الأمريكية الأوسع في الاستقرار الإقليمي.

وعلاوة على ذلك، فإن كلًا من إسرائيل والسعودية تشتركان في حدود طويلة مع الأردن، ما يعني أن عدم الاستقرار في الأردن يمكن أن يسبب مخاوف أمنية كبيرة لكل منهما.

وبالرغم من التوترات السياسية بين إسرائيل والأردن، فقد ارتبط الجانبان ​​طويلا علاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية كانت ستنهار في حال قبول الأردن الشروط الموضحة في "صفقة القرن".

لذلك، فمن مصلحة إسرائيل على المدى الطويل الحفاظ على استقرار الأردن وهذه العلاقة.

ولكن "نتنياهو" بدا مستعدًا للمخاطرة بهذه العلاقة في سبيل ما اعتبره "فرصة القرن".

ولطالما اعتمدت الولايات المتحدة على الأردن كوجهة لاستيعاب اللاجئين من العراق وسوريا واليمن وفلسطين وأماكن أخرى، والذين نزحوا بسبب العنف الأمريكي أو السياسات الإقليمية الأمريكية، لذلك فإن تعرض الأردن لاضطرابات يهدد دور البلاد باعتبارها أحد أهم البلدان المضيفة للاجئين في المنطقة.

وقد فشل "ترامب" و"نتنياهو" في حساب التهديدات التي سيتسبب فيها عدم الاستقرار الأردني على أمن واستقرار المنطقة ككل. 

وبالرغم من فشل "صفقة القرن"، فإن التطورات المحيطة بها تمثل توجهًا قديمًا في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة.

 وفي حين تدعي واشنطن أنها تضمن استقرار المنطقة على نطاق واسع، فإن قصر النظر في نهجها تجاه حلفائها يقوض هذه الجهود.

وأدت السياسات الأمريكية إلى تقويض استقرار الأردن على المدى الطويل.

وواجهت المملكة منذ فترة طويلة توترات محلية بسبب الأزمة الاقتصادية وغياب الإصلاح السياسي الحقيقي. وتحملت النخبة الحاكمة هذه التحديات بفضل الدعم الثابت من الولايات المتحدة إلى حد كبير، لكن هذا الدعم كان له آثار سلبية على المدى الطويل.

وأعطى هذا الدعم الأسرة الحاكمة القدرة على تجنب إجراء إصلاحات حاسمة تحت ستار الحفاظ على "الاستقرار"، وبالتالي فقد أدام نقاط الضعف الهيكلية التي تهدد مستقبل المملكة.

ويفسر ذلك رأي الخبراء الذين غالبا ما يشيرون إلى المملكة باعتبارها على الحافة دائمًا، ولو كانت أجبرت على التخلي عن الوصاية على الأماكن المقدسة، لكان هذا دفعًا نهائيًا عن هذه الحافة.

المصدر | روسيل روبيو/ريسبونسبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد