الثلاثاء 6 يوليو 2021 04:03 م

ظهرت الرياضة كأداة لتعزيز الدبلوماسية منذ السبعينيات عندما استعادت الولايات المتحدة والصين العلاقات بينهما بفضل تنس الطاولة، فيما اشتهر بـ"دبلوماسية تنس الطاولة". وفي حين أن كرة القدم مختلفة تماما، إلا أنه يمكن استخدامها لنفس الغرض، وخاصة بين فرق الدول التي تجمعها علاقات متوترة، بما في ذلك السعودية وإيران.

وقد شهد الشرق الأوسط هذا الأمر من قبل في حالة إيران والعراق، اللتان انخرطتا في حرب مروعة لمدة 8 سنوات خلال الثمانينيات، وبعد فترة وجيزة من وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الأمم المتحدة، تواجهت فرقهما على الملعب للمرة الأولى منذ بداية الحرب فيما سمي بكأس "السلام والصداقة "في الكويت.

بعدها استأنف الأعداء السابقون العلاقات الدبلوماسية المباشرة وأعادت الدولتان فتح السفارات في عاصمتيهما في عام 1990 بعد سنة واحدة من مباراتهما معًا. وبالمثل، تبنت السعودية دبلوماسية كرة القدم للمساعدة في استعادة علاقاتها مع العراق المجاورة في عام 2018.

الرياضة تفتح نافذة التقارب

أدى التحول الدبلوماسي في البيت الأبيض بعد رحيل "دونالد ترامب" إلى تعديلات جدية في السياسة الخارجية السعودية، مما ساعد في فتح نافذة ضيقة لتخفيف التوترات الإقليمية.

وحتى الآن، تصالحت الرياض مع قطر، وعرضت الهدنة على المتمردين الحوثيين في اليمن، وفتحت محادثات مباشرة مع إيران، وتعتزم العمل على استقرار علاقاتها مع طهران.

وبسبب سلسلة من الإشارات العلنية من الهيئات الرياضية والمسؤولين في كلا البلدين، تجددت الآمال لدى بعض الخبراء والمتحمسين للرياضة في إيران بأن المتنافسين الإقليميين والطائفين الدائمين يمكن أن يتحركا أخيرا نحو التقارب.

وظلت العلاقات بين إيران والسعودية متوترة لعدة عقود، وتأرجحت بين فترات من العداء الشامل والانفراجات، وهو التأرجح الذي يعود بشكل رئيسي للمصالح المتنافسة في جميع أنحاء المنطقة. وقد تعرضت العلاقات لضربة خطيرة بعد أن اقتحم محتجون المقرات الدبلوماسية السعودية في طهران ومشهد في عام 2016 احتجاجا على إعدام الرياض لرجل دين شيعي بارز.

وردًا على هذا الحادث، قطعت السعودية العلاقات بسرعة مع إيران، وتبعها بعض حلفاء المملكة، وامتدت التوترات السياسية إلى الملاعب، مع قرار الاتحاد السعودي لكرة القدم عدم إرسال نوادي الدوري إلى إيران. وفي السنوات التي تلت ذلك، عقدت المباريات بين الفرق السعودية والإيرانية في أماكن محايدة، وفق قرار من الاتحاد الآسيوي لكرة القدم.

وفي شهر مارس/آذار، كلف الاتحاد الآسيوي السعودية باستضافة ثلاث مراحل من دوري المجموعات لبطولة "أبطال آسيا لكرة القدم 2021" بين 14 و 30 أبريل/نيسان، متذرعًا بقيود السفر وتحديات الحجر الصحي بسبب جائحة "كوفيد-19".

وعلى الرغم من الاحتجاجات الأولية للناديين الإيرانيين "فولاد خوزستان" و"استقلال طهران" بعد هذا القرار، فقد سافرا إلى السعودية للمرة الأولى منذ 5 سنوات.

وبالنسبة للمسؤولين الرياضيين الإيرانيين الكبار، كان هذا قرارا صعبا ومكلفا، حيث واجهوا انتقادات واسعة النطاق في الداخل لفشلهم في حماية "الحق الأصيل" لإيران باستضافة هذه الألعاب.

وألقى المنتقدون باللوم على إدارة الرئيس المنتهية ولايته "حسن روحاني"، ولا سيما وزارة الخارجية، بسبب ما رأوه تراخيًا دبلوماسيًا بشأن هذه القضية.

ترحيب مفاجئ وتفاؤل حذر

كان الكثيرون في إيران يشعرون بالقلق من خسارة دائمة لميزة استضافة مباريات الدوري الآسيوي في المستقبل، لأنهم اعتقدوا أنه إذا لم يرد السعوديون على بادرة إيران بمثلها، فسوف يتحول ذلك إلى إحراج كبير لكرة القدم الإيرانية.

كان هناك مصدر قلق آخر بين المسؤولين الرياضيين الإيرانيين، تمثل في احتمال أن يسعى السعوديون إلى عرقلة أداء الفرق الإيرانية وخلق مشاكل لهم. لكن ما فاجأهم، هو أن السعوديون رحبوا بلاعبي كرة القدم الإيرانيين بالورود والحلويات في المطار ووفروا لهم مرافق مناسبة خلال مبارياتهم.

وتسبب ذلك في تكهن بعض وسائل الإعلام في طهران بأن السعوديون ربما يشيرون إلى رغبتهم في استئناف العلاقات عبر "دبلوماسية الأزهار" هذه. وكتب المدير التنفيذي لنادي "فولاد خوزستان" على وسائل التواصل الاجتماعي "أنه ذُهل بالأسلوب المحترم غير المتوقع من السعوديين"، مشيرا إلى أنه ذكره بـ "دبلوماسية تنس الطاولة الشهيرة".

بعد أيام فقط من ذلك، قدم السعوديون كعكة احتفال لنادٍ إيراني آخر، هو "استقلال طهران" في فندقهم في جدة، بعد صعود النادي في دوري أبطال آسيا.

وتلقت الأوساط الإيرانية هذه الإيماءات بشكل إيجابي، وعنونت صحيفة شعبية افتتاحيتها بعنوان "صورة تذكارية مع كعكة صداقة"؛ وأعرب آخرون عن أملهم في أن تؤدي هذه الإيماءات لأن تضع حدا لـ"تأجيج الكراهية" بين البلدين.

ووصف موقع الويب الإخباري الإيراني المحافظ "تابناك" الخطوة بأنها "رسالة سلام من جانب السعوديين" في مجال الرياضة و"التي يمكن تمديدها إلى الشؤون السياسية والعسكرية".

ولكن في الوقت نفسه، رفض السعوديون طلبا من نادي "استقلال طهران" لزيارة مكة وأداء العمرة.

وأثارت إيماءات الصداقة السعودية تفاؤلًا حذرا بشأن بداية "دبلوماسية كرة قدم" جديدة وإمكانية أن تشهد الأشهر القادمة استضافة طهران للأندية السعودية في المباريات المستقبلية.

وعلى نفس المنوال، قال رئيس اللجنة الأولمبية الوطنية الإيرانية للصحفيين في منتصف يونيو/حزيران إنه وزملاؤه يسعون إلى الدبلوماسية الرياضية مع السعودية، باتفاق كامل مع كبار المسؤولين الحكوميين.

وكانت هذه التصريحات هي أول رد فعل من مسؤول رياضي إيراني كبير منذ فترة طويلة بشأن الجهود التي تبذلها الحكومة الإيرانية لحل النزاع بين البلدين بشأن مكان الألعاب.

تغير اللهجة وليس الجوهر

وللأسف، كانت هذه التوقعات المتفائلة قصيرة الأجل. وبحسب ما ورد رفض الاتحاد السعودي لكرة القدم إعطاء رد إيجابي على رسالة حديثة أرسلها الجانب الإيراني ودعت لوضع حد لهذه الممارسة المتمثلة في عقد المباريات في أماكن محايدة والعودة إلى الأسلوب السابق باستضافة كليهما للمباريات على مستوى النوادي، بعد أن أظهرت الفرق الإيرانية "حسن النية "من خلال السفر إلى السعودية.

وألقى الاتحاد الآسيوي في وقت لاحق أيضًا بمفاجأة صادمة للمتفائلين بنهاية وشيكة للنزاع، حيث أبلغ نادي "استقلال طهران" بأن مباراته القادمة ضد نادي "الهلال" السعودي "ستعقد في ملعب محايد".

غالبا ما تعني الدبلوماسية الرياضية استغلال الدول للأحداث الرياضية كفرص دبلوماسية علنية مما يساعد على تهدئة التوترات في العلاقات الدبلوماسية، كما يتم استخدامها كبالونة اختبار من أجل القيام بتغييرات سياسية محتملة.

ومع ذلك، فإن المشكلة في المباريات الإيرانية السعودية هي أن المنافسات بين المنتخبات الوطنية أو حتى النوادي، غالبا ما تؤدي إلى احتكاكات بين مثيري الشغب الإيرانيين والسعوديين حيث يتبادل الطرفان الإهانات الدينية والوطنية.

وعلى عكس الاعتقاد السائد بوجوب فصل كرة القدم عن السياسة، فإن الانقسام الطائفي الإيراني السعودي والتطورات السياسية المرتبطة به أثرت على مباريات كرة القدم بشكل عميق.

وكما هو الحال في الدول الأخرى، استخدمت الدولتان المنافسات الرياضية كأداة لانتقاد سياسات بعضهما البعض في الشرق الأوسط، مثل التدخل الذي قادته السعودية في البحرين في عام 2011 أو الحرب في اليمن، فيما أدى في بعض الحالات إلى سلوك متعصب من مشجعي كرة القدم على كلا الجانبين.

ويزداد هذا الوضع تعقيدا نتيجة التواصل المحدود بين الإيرانيين والسعوديين، مما أدى إلى مزيد من الشك والمفاهيم الخاطئة بين شعوب البلدين، لذلك أصبح إنشاء جسور بين أهل البلدين في مثل هذه البيئة السامة صعبًا للغاية.

ولا يزال مستقبل النزاع السعودي الإيراني بشأن كرة القدم غامضا، لا سيما في ضوء الجهود السعودية الأخيرة لفرض إرادتها على كرة القدم الآسيوية، مما أدى على سبيل المثال لمحاولة فاشلة في 2018 لتشكيل دوري منفصل سمِّي "اتحاد جنوب غرب آسيا لكرة القدم "، الذي استبعد إيران والأردن وقطر.

كما تعقدت الأمور بفعل القيود المرتبطة بـ"كورونا"، وإصرار الأندية والمشجعين السعوديين على عدم الذهاب لإيران، لذلك، فإن التفاؤل حول أي ذوبان في جليد العلاقات بين طهران والرياض في المستقبل القريب، يبدو غير مبرر.

وعندما تدخل الاتحاد الآسيوي في النزاع، أثار التوترات بدلا من تخفيفها، حيث منعت إدارة الاتحاد إيران من استضافة مباريات دولية على الأراضي الإيرانية، بما في ذلك المباريات المؤهلة لكأس العالم فيفا 2022 في قطر، وبعدما لم تُحَلَّ اعتراضات إيران، اضطرت إلى إرسال منتخبها الوطني إلى البحرين لخوض المباريات المؤهلة لكأس العالم.

وبالنظر إلى هذه الخلفية، بالإضافة إلى محادثات إيران المستمرة مع السعودية، يبدو أن التحول في اللهجة بين الطرفين فحسب وليس المضمون. وتنتظر القيادة السعودية أن تحكم على الإدارة الإيرانية القادمة، في حين ألمح الرئيس المنتخب "إبراهيم رئيسي" إلى استعداد طهران لاستعادة العلاقات مع الرياض.

ومن المبكر التفاؤل، ولكن إذا تم إدارة نافذة الفرصة الصغيرة الحالية بعناية، فقد يؤدي ذلك إلى بناء الثقة وخلق الإرادة السياسية اللازمة للحوار.

ويجب أن تدرك كل الرياض وطهران أن تليين سياساتهما في الرياضة لن يضر بمكانتهم، وإنما على العكس من ذلك، سوف يرسل هذا إشارة إيجابية للتقارب. ومع النجاح التدريجي، يمكنهما توسيع نطاق المصالحة إلى القضايا الحيوية الأخرى والتغلب على المنافسات والانقسامات. وستكون هذه عملية طويلة لكنها ستجلب أرباحا كبيرة لكلا الجانبين في نهاية المطاف.

المصدر | محمد هاشمي - منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد