السبت 17 يوليو 2021 09:13 م

يتم حاليا اختبار التحالف الأكثر أهمية في الشرق الأوسط بين الإمارات والسعودية من خلال التطلعات الاقتصادية، ومع ذلك يستمر كلا الجانبين في تشارك الأجندات الجيوسياسية ذاتها.

فالعلاقة بين أبوظبي والرياض لا تقوم فقط على صداقة حكامهما، لكن أيضا على تحالف طويل الأمد نجا من أزمات مختلفة على مر السنين. لكن موضوعا واحدا ظل دائما بلا تغيير.

وحول ذلك، قالت "ياسمينة أبوالزهور"، وهي زميلة زائرة في مركز بروكنجز الدوحة، إن السعودية والإمارات تشتركان تقليديا في مصالح جيوسياسية وسياسية خارجية متشابهة.

وأوضحت "أبوالزهور": "خلال انتفاضات الربيع العربي عام 2011، لم ترق الحركات الثورية في جميع أنحاء المنطقة لكلا البلدين. كما ينظران إلى إيران على أنها تهديد للملكية التقليدية والأنظمة السنية في المنطقة، ولكلاهما علاقات متوترة مع تركيا".

وأوضحت أن الجانبين تبنيا في بعض الأحيان مواقف مختلفة قليلا أو معتدلة حول قضايا عدة، مثل الحرب في اليمن، والحرب السورية، والتطبيع مع إسرائيل.

لكن في السنوات الأخيرة، تحولت الشراكة تدريجيا إلى منافسة.

وقالت "أبوالزهور" إن الخلاف الأخير على النفط ما هو إلا عرض أخير للصدع في العلاقات بين البلدين.

وكانت الرياض قررت في فبراير/شباط الماضي منح العقود الحكومية للشركات التي يكون مقرها في المملكة فقط. وشكل هذا تحديا لدور دبي كمركز مالي للمنطقة.

تنافس على الاستثمارات

قالت "أبوالزهور" إنه من المرجح أن تستمر الخلافات بين الرياض وأبوظبي حول التطلعات الاقتصادية في لعب دور محوري فيما يتعلق بأجندات كل منهما.

وأضاقت: "نظرا لأهدافهما الاقتصادية المتشابهة، قد تصطدم السعودية والإمارات أثناء محاولتهما تنويع اقتصاداتهما بعيدا عن قطاع الهيدروكربونات من خلال تطوير قطاعات مماثلة (مثل السياحة والخدمات المالية والتكنولوجيا)، وبالتالي التنافس على الخبرات وفرص الاستثمار".

تمثل هذه التطورات تغييرا كبيرا بالنظر إلى أن الحاكم الفعلي للسعودية "محمد بن سلمان" (مبس) والإمارات "محمد بن زايد" (مبز ) كانا بمثابة الثنائي القيادي الجديد في الشرق الأوسط.

ويقول المحللون إن سبب الخلاف الحالي بين البلدين الخليجيين أعمق من مجرد الاقتصاد.

ففي العامين الماضيين، تصدعت العلاقة بين "بن سلمان" و"بن زايد" بشكل متزايد.

في البداية، خاض كلاهما حربا ضد مليشيا "الحوثي" المتحالفة مع إيران في اليمن عام 2015 ، وضغطا على الولايات المتحدة لمعارضة الاتفاق النووي الإيراني.

كما فرض كلاهما حصارا اقتصاديا على قطر، التي اعتبروها صديقة جدا لإيران، وكريمة جدا مع حركة "حماس" الفلسطينية، وقريبة جدا من جماعة "الإخوان المسلمين".

وفي صيف 2019، أوقفت الإمارات حربها ضد المتمردين الحوثيين في شمال اليمن، وركزت فقط على دعم الانفصاليين في الجنوب.

وبذلك، تخلت أبوظبي بشكل أساسي عن المملكة، التي يظل خوفها الأكبر قيام دولة حوثية على حدودها الجنوبية.

ورغم تعاونهما الوثيق في العديد من المجالات مثل اليمن وسوريا والعراق، إلا أنهما لم يكونا دائما متزامنين بشكل كامل.

وفي هذا الصدد، قال كبير المحاضرين في سياسات الشرق الأوسط بجامعة برادفورد البريطانية "أفشين شاهي": "لقد تبادل البلدان الرؤى الرئيسية، لكنهما اختلفا عند التطبيق".

وأوضح "شاهي": "كان اليمن، بصفة خاصة، شاهدا على مدى سرعة تحول شراكتهما إلى منافسة عندما هاجمت الإمارات جوا  القوات الحكومية في جنوب اليمن لدعم حلفائها الانفصاليين الجنوبيين".

استثمار قوى

في أغسطس/آب 2020 ، قامت الإمارات بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل؛ ما أدى بشكل أساسي إلى تقويض عرض السلام السعودي لنزاع الشرق الأوسط، المعروف بـ"مبادرة السلام العربية"، والتي تتضمن  الاعتراف العربي بإسرائيل مقابل دولة فلسطينية.

وعن ذلك، قال الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط بجامعة ليدز البريطانية "جيمس وورال" إن احتضان الإمارات للإسرائيليين جاء بعد عملية طويلة تم التفكير فيها ومعايرتها بعناية.

وأوضح أن العلاقة بين أبوظبي وتل أبيب التي ظهرت للعلن مؤخرا كانت واسعة وبعيدة عن "السلام البارد" الفاتر بين إسرائيل وكل من مصر والأردن.

وأضاف "وورال": "هذه شراكة إستراتيجية تقدم لكلا البلدين صفقة كبيرة، وتم الاستثمار فيها بقوة. فقد راهن الإمارتيون على الكثير من رأس المال السياسي، وبالتالي فمن غير المرجح أنهم استشاروا السعوديين في تلك الخطوة".

ولفت إلى أن اعتراف الإمارات بإسرائيل وانخراطها في علاقات معها يجلب بوضوح فوائد متعددة للرياض.

ومع ذلك، تفاقم الخلاف السعودي الإماراتي مؤخرا عندما قررت المملكة استبعاد الواردات من "المناطق الحرة"، أو تلك المرتبطة بإسرائيل، من اتفاقية التعريفة التفضيلية مع دول الخليج العربي.

وقال "وورال": "ما فعله السعوديون هو تغيير قوانينهم، بالنظر إلى عدم اعترافهم بإسرائيل واستمرار مقاطعتهم للبضائع الإسرائيلية؛ وذلك لضمان عدم استفادة البضائع التي تنتجها الشركات الإسرائيلية في الإمارات من اتفاقيات التعريفة التفضيلية التي أبرمتها المملكة مع الإمارات.

والأساس المنطقي وراء ذلك واضح؛ فمن "الصعب على شرعية الرياض في الداخل أن ترى على أرففها طوفانا من المنتجات التي تصنعها الشركات المملوكة لإسرائيل"، وفق "وورال".

عودة إلى القواعد

في ظل هذه التطورات، فإن السؤال الآن هو كيف ستتكشف العلاقة بين القوتين الخليجيتين جيوسياسيا في المنطقة.

قال "وورال": "ما نراه الآن، وما رأيناه بالفعل منذ بضع سنوات من حيث اختلاف الأولويات والنهج داخل مستنقع اليمن، هو أكثر من عودة إلى القواعد ليس فقط في العلاقات السعودية الإماراتية، ولكن أيضا لكيفية تفاعل دول الخليج عموما".

وأشار إلى أن جميع دول مجلس التعاون الخليجي تسعى لإدارة العلاقات المعقدة مع الرياض والحفاظ على درجة من استقلالية العمل.

فالمملكة لاعب مهيمن، لكن لا أحد من الدول الخمس الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي يمكنه تحمل أن تكون الرياض مهيمنة ومتعجرفة.

وقال "وورال" إن هذا يستلزم استراتيجيات للتحوط والتعامل والتوازن.

وفي حين أن أحداث الأسابيع الأخيرة، لا سيما فيما يتعلق بمزيد من الخلاف بين أبوظبي والرياض في سياق تحالف "أوبك+"، والتحركات السعودية المحددة لتحدي هيمنة الإمارات، وخاصة دبي كمركز مالي إقليمي، ليست قضايا لا يمكن تخطيها، فسيظل التحدي قائم في منطقة الخليج؛ بسبب أوجه التشابه بين الاستراتيجيات المختلفة وخطط الرؤية للتنويع الاقتصادي والإصلاح.

وخلص "وورال" إلى أن الاهتمامات الأساسية للإمارات والسعودية، أي احتواء إيران، ومواجهة نفوذ جماعة "الإخوان المسلمين"، والتعامل مع التهديدات "الإرهابية"، والتعاون للحفاظ على حكم الأسر الحاكمة في المنطقة، "تظل جميعها كما هي تماما".

من جانبه، قال أستاذ العلاقات الدولية ودراسات الخليج بجامعة جورجتاون في قطر "جيرد نونمان": "تعود جذور الاختلاف في سياسات أبوظبي والرياض إلى البيئة الدولية، لا سيما وصول إدارة "جو بايدن"، وفي الديناميكيات المتطورة داخل المنطقة، والتي تنظر قيادات البلدين إليها بشكل مختلف. 

وأشار "نونمان" إلى أن كلا الجانبين لا يعطيان إيران نفس الأولوية.

وأوضح: "في حين أن كليهما لا يزال غير واثق من النظام الإيراني، فقد رأت الرياض أنه من الضروري والمجدي التوصل إلى تسوية مؤقتة مع طهران، بينما بالنسبة لأبوظبي، كان التهديد الأهم دائما هو جماعة الإخوان المسلمين، وأولئك الذين يصطفون أو يتعاطفون معها".

ووفق "نونمان"، "داخل الإمارات، كان هناك ضغط مستمر من دبي ضد السياسة الشاملة المعادية لإيران التي سادت لبعض الوقت، بناءً على المصالح التجارية الكبيرة للإمارة في التجارة مع إيران، والجالية الإيرانية الكبيرة في دبي".

مجبر على المضي قدما

ثم هناك حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الجارة الخليجية قطر.

ففيما يتعلق بقطر، كانت القناعة السعودية هي أن المقاطعة كانت فاشلة ولا تستحق الاستمرار في مواجهة معارضة أمريكية لها.

وعن ذلك، قال "نونمان" إن "بن زايد" كان أكثر مقاومة لتعديل موقفه بهذا الخصوص، لكنه اضطر في الواقع إلى المضي قدما؛ لأن بقاء هذا الوضع لا طائل من ورائه، لا سيما في ظل الرفض الأمريكي.

أخيرا وليس آخرا، تلعب حرب اليمن وإعادة التموضع الاستراتيجي للإمارات في تلك المنطقة أيضا عاملا مهما في الخلافات الإماراتية السعودية.

وقال "نونمان": "الاختلاف في السياسة حول اليمن، أيضا، يسبق بوقت طويل الانقسام الجزئي الحالي بين الرياض وأبوظبي؛ حيث وصلت الأخيرة منذ بعض الوقت إلى قناعة بأن العملية العسكرية في الوسط والشمال كانت فاشلة، ولا يمكن الفوز بها. وقرر الإماراتيون أن بإمكانهم تشكيل الوضع بشكل أكثر فعالية في الجنوب دون وجود عسكري ضخم على الأرض".

وبينما أضافت الإمارات إلى عناصر الشقاق مع السعودية، فإنها لم تغير المواقف جذريا تجاه مسائل إيران أو اليمن أو قطر.

لقد كانت التحولات في السياسة تجاه إيران سببا، وليست عرضا للتباعد المتنامي بين الرياض وأبوظبي.

وقال "نونمان" إن المحاولات السعودية للتوصل إلى تسوية مؤقتة مع إيران ستستمر، وستواصل أبوظبي أيضا السعي لتحقيق ترتيب عملي مع طهران.

وفيما يتعلق بتأثير الخلاف الحالي حول الحرب في اليمن، لا يرى "نونمان" تغيرا كبيرا أيضا.

وقال: "الاختلاف بين الرياض وأبوظبي في ذلك المسرح سيبقى كما كان بالفعل".

أما بالنسبة لقطر، فلن يختلف الموقف الإماراتي من المصالحة الخليجية عما كان عليه الحال قبل تعزز الخلافات بين الرياض وأبوظبي منذ بداية عام 2021.

وقال "نونمان": "من المرجح أن تواصل أبوظبي سياسة التباطؤ تجاه المصالحة وأن تستمر في مضايقة قطر، بما في ذلك عن طريق وسائل الإعلام وحملات الضغط، لكنها لن تتعارض رسميا مع اتفاقية العلا".

المصدر | الجزيرة/توماس أو فالك - ترجمة وتحرير الخليج الجديد