الاثنين 19 يوليو 2021 11:12 ص

تركيا وطالبان.. أين المخرج ؟

حتى لو دعمت باكستان نشر القوات التركية في مطار العاصمة فهذا لا يكفي لمنع الزج بتركيا في الحرب الأهلية.

شكوكٌ من طالبان بأن الفصائل والجماعات الشمالية قد تحظى بدعم تركي في صراعها المسلح مع طالبان مما يُعقّد الموقف كثيراً.

لا خلاص لأفغانستان دون خروجها من الحرب.. حروب متعددة يخضع فيها البلد المنكوب لتوظيفات الجميع والخاسر هو الشعب الأسير بقبضة اللعبة الخبيثة.

الطريق الوحيد ضغط باكستاني تركي على الأطراف لإنجاز اتفاق سياسي يوقف الحرب وتشكيل حكومة وحدة وطنية يُراعي تفوق طالبان ميدانيا واستيعاب باقي التيارات.

*     *     *

كثّفت مصادر طالبان التسريبات عن محادثاتها الأولية مع المسؤولين الأتراك، وإن كانت متمسكة بأهمية التفاهم مع أنقرة، لكن الخلاف مع تركيا بشأن بقائها كوريث للجيش الأميركي ضمن تحالف الناتو، يبدو أنه استراتيجي في رؤيتها، وهو ما يعني أن فرص التصادم ولو كانت ضئيلة واردة، بما فيها المواجهة العسكرية، أو وجود فراغ متوتر بين طالبان وبين تركيا، تستثمره مجموعات متشددة توظفها الدول.

وكنتُ قد وجهت رسالة إلى حركة طالبان، نُشرت الأسبوع الماضي في العربي الجديد وفي موقع المركز الكندي للاستشارات الفكرية، استعرضتُ فيها تجربة أفغانستان الصعبة، في مدارات الصراعات المتعددة، والتي حوّلت انتصار المجاهدين على الروس إلى جحيم متوالٍ، وأكدتُ فيها أهمية أخذ طالبان تجربتها السابقة، وتاريخ أفغانستان الأخير باهتمام بالغ، أهمه ألا تتحول هزيمة الأميركيين، إلى جحيم جديد وحربٍ أهلية.

ولستُ هنا في صدد إعادة محاور الرسالة، لكنني أكدتُ فيها على ضرورة أن يكون الإنقاذ في إطار الحل السياسي، عبر مواصلة التفاوض في طاولة الدوحة بين الأطراف الأفغانية، التي يُفترض أن يحل السلام على أرضها، وأن هذا السلام هو القاعدة الصلبة لإخراج أفغانستان من دورات الحروب وخاصة الحرب الأهلية، فالسلام بين الأفغان أهم من تأمين خروج القوات الأميركية.

وأشرتُ في الرسالة إلى ضرورة فهم قواعد اللعبة اليوم، وصعوبة التفرّد بالسلطة وإن أُقر لطالبان تفوقها العسكري، لكن حسم كامل الأرض لها لن يُنهي الصراع.

وبالتالي يأتي سؤالُ التعامل مع الاتفاق الأميركي التركي، في التواجد في مطار كابل، غير أن اعتراضات طالبان فيها وجاهة، رغم الإقرار بضرورة رفض أي توجه لمصادمة الجيش التركي، ولكنهم يرون أن الاتفاق مع واشنطن، مندرج تحت منظومة حلف الناتو الذي قَدِمت القوات التركية تحت رايته، تبعاً للغزو الأميركي.

وهذه المسألة ملتبسة للغاية فتداخل الجيش التركي مع الناتو قديم، وكان الزعيم الإسلامي الشهير نجم الدين أربكان، وهو نائب رئيس الحكومة التركية في 1974 في الحكومة الائتلافية في حينه، من أكبر المعارضين للارتباط بالناتو، كون أن الناتو في عقيدته التاريخية، وفي تواجده الجيوسياسي، مناهض غربي مسيحي شرس للشرق المسلم، وقد ورث حزب العدالة هذا الموقع وهناك حكاية طويلة للتبرير لدى العداليين، لكن طالبان تُصّر على أنها كقوة وطنية لدولة مسلمة تتحرر من الأميركيين ليست ملزمة بهذا التوازن.

وكان الحل في وجود اتفاق مضمون من باكستان بتحديد مهمة القوات التركية، لكن طالبان تقول إن أنقرة رفضت الالتزام بتواجدها في المطار لا خارجه لتأمين حمايته، كما رفضت التعهد بعدم وجود اتفاقات سرية مع الأميركيين، وتحرير هذه المسألة الصعبة والمعقدة، يقوم على المهمة الأساسية المرجو لها أن تمضي في أفغانستان، وهي مسيرة السلام والحكومة المشتركة، التي سيكون لطالبان حضور قوي فيها حسب مشارطتها، وواقع الميدان.

ولكنه ميدان متقلب وهش في حالته السياسية، يخضع لاستقطابات وثارات عديدة مع الحركة، وبالتالي المهمة هنا في تأمين السلام واستيعاب كل القوى المؤثرة والقوميات، فيُنظّم الاتفاق الجديد مع أنقرة بموجب تشكيل الحكومة الجديدة، لكن هذا الأمل لا يزال بعيداً، وسقف حركة طالبان يرتفع كثيراً.

المشكلة الأخرى مع أنقرة، هو التداخل القومي الذي تراعيه سياسة الدولة التركية، بين أعراق الأممية التركية، أي كل من ينتمي إلى القومية التركية في آسيا، وهو عُرفٌ معقّد تم تأمين مجرم الحرب دوستم عبره، والأخير له إرثُ ثأرٍ كبير لدى البشتون، ودماء لا تنتهي.

وهناك شكوكٌ من طالبان بأن الفصائل والجماعات الشمالية، قد تحظى بدعم تركي في صراعها المسلح مع طالبان، وهذا يُعقّد الموقف كثيراً، حتى لو دعمت إسلام اباد نشر القوات التركية في المطار، فهذا لا يكفي لو زُج بتركيا في الحرب الأهلية.

لذلك الطريق الثالث الوحيد، هو ضغط إسلام اباد وأنقرة، على كل الأطراف للوصول إلى اتفاق سياسي يوقف الحرب. وتتشكل بموجبه حكومة وحدة وطنية لا بد أن يُراعى فيها تفوق طالبان الميداني، مع استيعاب باقي التيارات التي كانت في الحكم وخارجه، مهمة صعبة لكن لا خلاص لأفغانستان دون خروجها من الحرب، وهي حروب متعددة يخضع فيها البلد المنكوب إلى توظيفات الجميع، والخاسر هو ذلك الشعب الأسير في قبضة اللعبة الخبيثة.

* مهنا الحبيل باحث عربي مستقل، مدير المركز الكندي للاستشارات الفكرية.

المصدر | الوطن