الخميس 22 يوليو 2021 01:44 م

انحرفت سفينة الحاويات "إيفر جيفن" في 23 مارس /آذار أثناء إبحارها عبر قناة السويس مما عطّل واحدا من أهم الممرات العالمية للتجارة الدولية لمدة أسبوع تقريبا. ويعكس الضوء الأخضر من الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" لاقتراح هيئة قناة السويس توسيع وتعميق القناة أهمية الممر المائي لكل من اقتصاد وسمعة مصر.

في الواقع، يسمح التدفق المستمر لسفن الشحن عبر قناة السويس بالحفاظ على أهمية مصر في البنية الإقليمية، والأهم من ذلك هو الحصول على قدر كبير من الإيرادات (حوالي 5.8 مليار دولار عام 2019) الضرورية للاقتصاد المصري المضطرب.

وبمجرد مرور مئات السفن بنجاح عبر قناة السويس، استعادت الديناميكيات المنظمة للنظام الإقليمي للبحر الأحمر أهميتها أيضًا.

تدافع جديد

يعد البحر الأحمر ممرا مائيا محوريا يمتد بين قناة السويس شمالا ومضيق باب المندب جنوبا، ويلعب دورًا مهمًا في التجارة البحرية العالمية من خلال ربط البحر الأبيض المتوسط ​​بالمحيط الهندي. وقد جذبت أهميته الجيوستراتيجية وإمكاناته التجارية اللاعبين الإقليميين الذين قرروا الاستثمار في الممر المائي وإنشاء موطئ قدم على طول شواطئه.

وقامت دول مثل تركيا وقطر وروسيا والصين والإمارات ببناء عدد متزايد من الموانئ البحرية والمنشآت العسكرية في السنوات الأخيرة على نقاط مختلفة في البحر الأحمر من السودان إلى الصومال. ويبدو أن هذا الانتشار المتسارع يشير  إلى أن صراعًا جديدًا حول أفريقيا يحدث في الدول الساحلية الأفريقية.

ومع ذلك فإن الفائدة الاقتصادية من المنطقة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحماية أمن مياهها، وهو شرط أساسي يصعب الحفاظ عليه منذ التدخل العسكرس الذي تقوده السعودية في اليمن.

وفي هذا الصدد، اعتبرت مصر دائمًا أن الصراع على البحر الأحمر يهدد الأمن البحري للمنطقة بأكملها. لهذا السبب، كان "السيسي" مترددًا للغاية في الانضمام للسعوديين في مغامرتهم العسكرية في اليمن، بالرغم من علاقاته الوثيقة بالرياض. وقد لعب الخوف من تعريض إيرادات قناة السويس للخطر (بعد تحويل البحر الأحمر إلى ساحة معركة) وذاكرة ما يسمى بـ "فيتنام المصرية" في اليمن خلال الستينيات، دورًا حاسمًا في الحد من مساهمة القاهرة في الحملة المناهضة للحوثيين.

الحوثيون يهددون التجارة العالمية

وفي حين أن الكابوس المصري المتمثل في الحصار الشامل للجزء الجنوبي من البحر الأحمر لم يتحقق أبدًا، فقد وقعت عدة حوادث منفردة بالقرب من باب المندب. وفي حين يبدو أنه تم القضاء على القرصنة بشكل كبير بفضل المبادرات الأمنية متعددة الأطراف مثل عملية "أتالانتا" التابعة للاتحاد الأوروبي، فإن التهديد الرئيسي لسفن الشحن وناقلات النفط يبدو أنه تم تحديده على أنه هجمات الحوثي. وقد تجلى ذلك في يوليو/تموز 2018 عندما قام وزير الطاقة السعودي آنذاك "خالد الفالح" بتعليق شحنات النفط الخام السعودي مؤقتًا بعد سلسلة من الهجمات الحوثية التي استهدفت ناقلات "أرامكو".

وتوضح هذه الأحداث، وحادثة "إيفر جيفن"، إلى أي مدى تؤثر قناة السويس وباب المندب على تدفق التجارة العالمية على طول البحر الأحمر. ويعني ذلك أن أي حلقة مفردة تؤثر على البوابات على طرفي هذا الطريق ستنعكس حتماً في منطقة البحر الأحمر وتمتد إلى البحر الأبيض المتوسط ​​والمحيط الهندي والمحيط الهادئ. لذلك، يجب التعامل مع البحر الأحمر كنظام متكامل بحيث يكون أمن طرقه البحرية جزءًا من إطار أمني إقليمي معقد يمتد إلى ما وراء حدوده الجغرافية.

في الوقت الحالي، يبدو أن السعودية تركز على إيجاد مخرج من المستنقع اليمني بينما قلصت الإمارات رسميًا وجودها العسكري في المنطقة منذ عام 2019 عندما بدأ الإماراتيون انسحابهم من الصراع في اليمن.

وأدى إغلاق القاعدة الإماراتية في ميناء عصب في إريتريا في فبراير/شباط 2021 إلى تسريع هذه العملية، والتي توضح أن تعامل الإمارات مع المنطقة يتطور من استعراض القوة إلى حماية القوة.

ونتيجة لذلك، من المرجح أن يحافظ الإماراتيون على وجودهم الإقليمي فقط من خلال المنشآت العسكرية الموجودة على طول الساحل اليمني من جزيرة بريم إلى أرخبيل سقطرى. وسيسمح ذلك للإمارات بتكريس مزيد من الاهتمام لتطوير إمبراطورية تجارية مرتبطة بالموانئ التي تديرها موانئ دبي العالمية.

صعود السعودية

ومع اتجاه الإمارات لإعادة النظر في مشاركتها العسكرية الإقليمية النشطة، أشارت السعودية إلى نيتها تولي القيادة السياسية في المنطقة. وبالفعل، في يناير/كانون الثاني 2020، افتتح الملك "سلمان" في الرياض مجلسًا جديدًا يوحد الصومال والدول الست المشاطئة للبحر الأحمر - باستثناء إسرائيل - لتنسيق جهود هذه الدول في ضمان الأمن البحري.

وظهرت بوادر تنامي طموحات السعودية في منطقة البحر الأحمر مع بسط المملكة سيادتها على جزيرتي تيران وصنافير في عام 2016 واللتان كانتا موضع خلاف إقليمي قديم بين مصر والسعودية. ومع ذلك، حل الملك "سلمان" و"السيسي" الخلاف في أبريل/نيسان 2016 من خلال توقيع اتفاق في القاهرة. وفي مقابل السيادة السعودية على الجزيرتين، وعدت الرياض بخطة استثمارية بقيمة 1.5 مليار دولار تشمل مشاريع تنموية في سيناء وبناء ما يسمى جسر الملك "سلمان" الذي يربط بين البلدين.

وأشارت سيطرة السعودية على جزيرتي تيران وصنافير إلى تنامي الوجود الجيوسياسي للرياض في المنطقة على حساب القاهرة. وقد حظيت الاتفاقية أيضًا بترحيب ضمني من قبل إسرائيل. 

وترتبط الطموحات السعودية المتصاعدة في البحر الأحمر بإعادة تشكيل منطقة المصالح الاستراتيجية السعودية، والتي تنطوي على تحول تدريجي بعيداً عن منطقة الخليج. ومن الأدلة على ذلك المشاريع الرئيسية لـ"رؤية 2030" واستثمار 500 مليار دولار في مدينة عملاقة مثل "نيوم" في منطقة تبوك، ومشروع البحر الأحمر للسياحة الفاخرة، والترويج لموقع العلا التراثي كنقطة جذب سياحية.

 ومع تطوير هذه المشاريع، فإن ضمان الأمن البحري للبحر الأحمر له أهمية قصوى بالنسبة للرياض لضمان نجاح مبادرات التنويع.

مصر تكافح

وبالرغم من الدور المتصاعد للسعودية، أوضحت مصر أنها لن تتنازل عن دورها كضامن أمني لمياه البحر الأحمر. وبالفعل، عززت القاهرة تدريجيًا وجودها العسكري في البحر الأحمر بفضل تحديث أسطولها البحري وتحسين القدرة العسكرية لقاعدة برنيس البحرية.

ونظرًا للأهمية الجيوسياسية المتزايدة للبحر الأحمر كقناة حيوية للتجارة البحرية، فقد اضطرت مصر لقبول تغيير ميزان القوى في ما اعتبرته القاهرة مجالها منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن يظل عدد متزايد من الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية، مثل السعودية والإمارات وتركيا وكذلك الصين وروسيا وقطر، يلعبون دورًا أكثر أهمية في سياسات البحر الأحمر في المستقبل القريب.

ويشير الدفء الأخير في العلاقة بين مصر والسعودية من جهة وتركيا من جهة أخرى، إلى أنه بالرغم من التنافس داخل الخليج فإن هذه الجهات الفاعلة لديها مصلحة في الحفاظ على الطرق البحرية مفتوحة وآمنة، وبالتالي الابتعاد عن سباق التسلح المحفوف بالمخاطر في أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.

المصدر | كريستيان الكسندر/ منتدى الخليج الدولي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد