الاثنين 26 يوليو 2021 07:16 ص

بينما تكافح السلطة الفلسطينية للحفاظ على شرعيتها، تبرز "حماس" كلاعب رئيسي في فترة ما بعد حرب غزة من خلال تعزيز شبكة تحالفات قوية، ومتناقضة في كثير من الأحيان، تجعل من الحركة فاعلا لا غنى عنه في القضية الفلسطينية بالرغم من التحديات التي تواجهها في السياسة الخارجية والتي تجعل مهمتها في إدارة غزة أكثر صعوبة.

ولطالما قدمت "حماس" نموذج مرن يجمع بين جناحها العسكري القائم على المواجهة ومكتبها السياسي القائم على الدبلوماسية، ولكن يظل أحد أهداف الحركة الرئيسية الحفاظ على تماسكها خلال الظروف الصعبة التي تمر بها غزة.

وبالرغم من اختلاف مصالحهما، كان لكل من إيران ومصر مصلحة مشتركة في أن تظهر حماس أقوى في حرب غزة الأخيرة. وقد استخدمت الحركة الدعم العسكري من إيران في مواجهة إسرائيل، فيما قبلت بالتفاوض على وقف إطلاق النار مع إسرائيل عبر القناة المصرية.

وفتحت حرب غزة فرصة للحركة لتطوير شبكة علاقاتها الإقليمية. ومع ذلك، هناك تحديات تنتظرها. وقد تنهار شبكة تحالفات حماس الحالية في نهاية المطاف مع تطور مصالح القوى الإقليمية، ما يعيد الحركة إلى العزلة مرة أخرى.

وفي عام 2011 انقسمت قيادة حماس بين مؤيدين للانتفاضات العربية وأولئك الذين سعوا للحفاظ على التحالفات اللازمة لإعطاء الأولوية للقضية الفلسطينية ومصالح حماس. ومع ذلك، فإن الحركة بدأت في التحول إلى البراجماتية بشكل متزايد خلال العامين الماضيين.

تحالفات حماس الإقليمية

وفي 11 يوما من القتال خلال حرب مايو/أيار 2021 على غزة، أطلقت حماس أكثر من 4 آلاف صاروخ محلي الصنع، بهدف التغلب على نظام القبة الحديدية الإسرائيلي. وقامت حماس ببناء هذا المخزون من الصواريخ، وتمكنت من تجاوز الحصار الإسرائيلي لغزة، بمساعدة وخبرات إيرانية. وشكل هذا تذكيرا من إيران بأن حلفاءها يمكن أن يضربوا إسرائيل من جبهات متعددة، إذا لزم الأمر.

وتظل هذه العلاقات العسكرية بين إيران وحماس سرية من قبل الجانبين، لكنها تعاود الظهور خلال فترات الصراع مع إسرائيل. وخلال حرب غزة الأخيرة، أعرب قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال "إسماعيل قاآني" عن تضامنه مع حماس من خلال مكالمة هاتفية مع رئيس مكتبها السياسي "إسماعيل هنية" الذي شكر إيران علنا على تقديم الدعم.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "بنيامين نتنياهو" في مايو/أيار إنه إذا أوقفت إيران دعمها، فإن حماس "ستنهار في غضون أسبوعين". وفي الواقع، بينما تعتمد حماس على دعم إيران لجناحها العسكري، لكنها اكتسبت خبرة في بناء وتخزين الأسلحة.

علاوة على ذلك، قرّبت حرب غزة بين حماس والنظام السوري بعد جهود وساطة طويلة بقيادة "حزب الله" اللبناني. وخلال حرب غزة في مايو/أيار، التقى ممثلو الفصائل الفلسطينية، باستثناء حماس، برئيس النظام السوري "بشار الأسد" في دمشق. ورد القيادي في حماس "أسامة حمدان" على دعم "الأسد" العلني للمقاومة ضد إسرائيل قائلا: "نحيي كل من يقف إلى جانبنا. من الطبيعي أن تعود العلاقات مع دمشق إلى حالتها السابقة".

وقال عضو دائرة العلاقات الوطنية في حماس "محمود مرداوي" لموقع "المونيتور" إن "حماس بحاجة إلى علاقات جيدة مع الدول المجاورة لفلسطين بما في ذلك سوريا".

ولم تعد حماس تعتمد فقط على إيران وما يسمى بـ"محور المقاومة"، فقد نوعت تحالفاتها في الأعوام القليلة الماضية لتكون لديها خطط طوارئ خاصة أنها تتحمل تكاليف إدارة قطاع غزة. وبعد حرب غزة ولقائه بالمسؤولين المصريين، سافر "هنية" من القاهرة في رحلة إقليمية شملت تركيا وماليزيا وقطر والمغرب وموريتانيا ولبنان.

ويعكس ذلك تنامي مستوى العلاقة بين المسؤولين المصريين وقادة حركة حماس التي تحتاج إلى شريان الحياة في معبر رفح، وهو نقطة العبور الوحيدة لغزة للنجاة من الحصار الإسرائيلي، فيما تستفيد السلطات المصرية من علاقاتها مع حماس لاستعادة الدور التقليدي للقاهرة والذي يخدمها في العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وكان الرئيس الأمريكي "جو بايدن" قد اتصل مرتين بنظيره المصري "عبدالفتاح السيسي" خلال حرب غزة، بعد أن تجنب أي اتصال معه منذ تولي منصبه. بالإضافة إلى ذلك، أصبح "جابي أشكنازي" أول وزير خارجية إسرائيلي يزور القاهرة منذ 13 عاما.

وتضيف حماس كذلك طبقة جديدة إلى دورها الإقليمي في الوقت الذي تعمل فيه تركيا على إصلاح العلاقات مع إسرائيل. ووفقا لتقارير وسائل الإعلام العربية والإسرائيلية، من المحتمل أن تلعب أنقرة دورا في الوساطة لتأمين صفقة تبادل الأسرى بين إسرائيل وحماس بعد تعثر الوساطة المصرية. ومن شأن هذا أن يسمح لحماس بتوسيع فائدة تحالفاتها بينما يمكن لتركيا أن تستعيد دورها في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وإلى جانب الفرص الإقليمية التي قدمتها حرب غزة الأخيرة بالفعل، تحاول حماس أيضا الوصول إلى الأنظمة العربية الأخرى التي كانت تربطها بها علاقات صعبة في السابق.

وفي الأردن، هناك ضغط شعبي متزايد لاستعادة علاقات عمّان مع حماس، بينما يعتقد النظام الملكي أن السلطة الفلسطينية يجب أن تكون المحاور الفلسطيني الأساسي. وأكد وزير الخارجية الأردني "أيمن الصفدي" في مايو/أيار أن حكومته كانت على اتصال مع حماس أثناء حرب غزة، وأن قادة حماس كانوا يتواصلون مع السياسيين الأردنيين بشأن هذه القضية.

وكانت عمّان قد أغلقت مكاتب حماس في الأردن منذ عام 1999، ولا تزال تبدي استعدادا أقل من حماس لاستعادة هذه العلاقة بالكامل.

وتبذل حركة المقاومة الإسلامية محاولات لإصلاح العلاقات مع الرياض من خلال الاستفادة من الديناميكيات الإقليمية الجديدة، مثل التقارب السعودي مع تركيا وقطر. وتحدث رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الخارج "خالد مشعل" إلى قناة "العربية" السعودية، في 4 يوليو/تموز، للمرة الأولى منذ 10سنوات تقريبا. ودعا "مشعل" إلى إعادة العلاقات بين حماس والرياض، وأشاد بالدور التاريخي للسعودية في القضية الفلسطينية، وأكد أن حماس لن تكون جزءا من أي محور إقليمي معين.

وتعد هذه خطوة إلى الأمام بعد ما قاله "هنية" في أبريل/نيسان حين أشار إلى أن علاقات حماس مع الرياض كانت تاريخيا "جيدة وقوية"، لكنها تمر بفترة توتر مؤقتة. وتحث حماس القيادة السعودية على إطلاق سراح نحو 60 من مؤيديها، بمن فيهم ممثلها السابق في الرياض، "محمد الخضري"، المحتجز منذ أبريل/نيسان 2019.

وبالنظر إلى أن السعودية تنأى بنفسها عن عملية التطبيع مع إسرائيل، يبدو أن الرياض أكثر تقبلا من ذي قبل لاستعادة بعض أجزاء علاقاتها مع حماس بالنظر إلى التقارب السعودي المستمر مع كل من إيران وتركيا.

وتندرج محاولات حماس لإعادة فتح القنوات مع السعودية في سياق أوسع لاحتواء موجة اتفاقيات التطبيع العربية الإسرائيلية التي بدأت خلال رئاسة "دونالد ترامب" للولايات المتحدة. وتطور نهج حماس في التعامل مع هذه القضية منذ أن تولى "بايدن" السلطة. وفي العام الماضي، انتقد "مشعل" علنا ​​القيادة السودانية الجديدة، التي أسقطت الجنسية عن زعيم حماس في ديسمبر/كانون الأول 2020، بعد أن قامت الخرطوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وكان انتقاد "مشعل" للقيادة السودانية كونها هدفا سهلا، فبعد كل شيء، السودان ليس دولة مهمة لحماس في الوقت الحاضر. وكان انتقاد السودان رسالة ضمنية من حماس تستهدف الضغط على أنظمة عربية أخرى بدأت التطبيع أو كانت تفكر في الدخول في هذه العملية.

ومع ذلك، أظهرت حماس بشكل متزايد جانبها البراجماتي مع زيارة "هنية" الشهر الماضي إلى المغرب، وهي واحدة من أحدث الدول العربية التي طبعت العلاقات مع إسرائيل. وبالإضافة إلى لقائه برئيس الوزراء المغربي "سعدالدين العثماني"، حضر "هنية" حفل استقبال أقامه الملك "محمد السادس".

ويسهل وجود حزب إسلامي يقود الحكومة المغربية علاقات حماس مع المغرب، ولا يريد الملك "محمد السادس" أن يظهر انفتاحه على إسرائيل بينما يغلق الباب بالكامل في وجه حماس. ويبدو أن قيادة حماس تتكيف بشكل متزايد مع واقع أن معظم حلفائها، الجدد والقدامى، أصبح لديهم علاقات مع إسرائيل.

تحدي السلطة الفلسطينية

توقف زخم المحادثات بين فتح وحماس والتي سبقت حرب غزة رغم الوساطة المصرية المستمرة للتوصل لاتفاق بينهما. وعندما زار "هنية" بيروت قاطع قادة فتح في لبنان زيارته. وخففت الوساطة التي قادتها حركة "أمل" اللبنانية التوترات بين فتح وحماس في لبنان، لكنها لم تحلها.

وتعد القضية الرئيسية المثيرة للجدل بين فتح وحماس هي إعادة إعمار غزة، ويكمن الخلاف حول ما إذا كان ينبغي التعامل مع منحة قطر عبر السلطة الفلسطينية أو توصيلها إلى سكان غزة مباشرة. ويعد هذا جزءا من المنافسة بين فتح وحماس على من يمثل التطلعات الفلسطينية بشكل أفضل.

ووفقا لتقارير إعلامية، أعطت السلطة الفلسطينية نائب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الإسرائيلية والفلسطينية "هادي عمرو" قائمة بمطالبها من الحكومة الإسرائيلية الجديدة قبل استئناف محادثات السلام، والتي من المحتمل أن تشمل إنهاء توسيع المستوطنات في القدس، ووقف الغارات العسكرية الإسرائيلية على المدن الفلسطينية، وإطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين، وزيادة عدد تصاريح العمل الممنوحة للفلسطينيين في إسرائيل. وتشابه بعض هذه المطالب الشروط التي طلبتها حماس من إسرائيل للحفاظ على وقف إطلاق النار طويل الأمد في غزة.

وتعمل إدارة "بايدن" مع القاهرة وعمّان على إحياء محادثات السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، الأمر الذي سيسمح للأخيرة باستعادة بعض شرعيتها في التحدث باسم الشعب الفلسطيني. ولم تؤخر محادثات المصالحة المتوقفة بين فتح وحماس الانتخابات الفلسطينية فحسب، بل ساهمت في استمرار النهج الأمريكي الذي يعتمد على تحسين مكانة السلطة الفلسطينية على حساب الحد من نفوذ حماس.

وتلعب حماس على مسارين متوازيين، متابعة الوساطة مع إسرائيل من خلال القناة المصرية، أو ربما التركية، مع الاستمرار في جهود صد التطبيع العربي الإسرائيلي. وظهرت مرونة حماس مؤخرا من خلال الطلب العلني باللقاء مع المسؤولين الأمريكيين. وأرسل "مشعل" رسالة إلى "بايدن" عبر مقابلة مع "ميدل إيست آي"، قائلا: "نحن لا نعتبركم أعداء لنا رغم أننا نعترض على العديد من سياساتكم المنحازة لإسرائيل وضد مصالحنا العربية والإسلامية. لكننا لا نحاربكم. لذلك نحن مستعدون للتواصل مع أي طرف دون شروط"، كما حذر من أنه "مهما طال الزمن لن تستسلم حماس لشروطكم".

وتفتقر السلطة الفلسطينية إلى المصداقية بين شرائح كثيرة من الفلسطينيين في الوقت الذي تستفيد فيه حماس من الديناميكيات الإقليمية الناشئة. ومع ذلك، ليس لدى حماس الكثير لفعله بخلاف الحفاظ على الوضع الراهن في غزة، والذي لن يخدم مصالحها على المدى الطويل.

ووفقا لتقرير صدر هذا الشهر عن البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، تسببت حرب غزة الأخيرة في خسائر اقتصادية في غزة تتراوح بين 105 و190 مليون دولار، بينما سيتطلب التعافي وإعادة الإعمار ما بين 345 و485 مليون دولار. ولا تستطيع حماس وحدها قيادة هذا الجهد الهائل، وسيتعين عليها تقديم تسوية مع السلطة الفلسطينية أو مع داعميها الإقليميين وهو الأمر الأكثر ترجيحا.

وبالرغم من أن شبكة تحالفات حماس الآن تعد ميزة كبيرة لها، إلا أنها قد تتحول بسرعة إلى نقمة بما تحمله من التزامات واستحقاقات.

المصدر | جوي ماكارون - المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد