الاثنين 26 يوليو 2021 06:21 م

سورية والحسابات الصينية

النظام السوري ينتمي لتحالف روسي صيني إيراني ويتبع له ولا إضافة ينطوي عليها توقيع اتفاقيات صينية سورية ضمن إطار مبادرة الطريق والحزام.

إذا لم يكن التنظيم العسكري الإيغوري موضوعا محوريا في زيارة وانغ يي فالزيارة لا تضيف جديداً للموقف القائم والصين أذكى من أن تطرح الموضوع الحساس علنا.

تخشى الصين من نوايا أميركا في توظيف الحزب الإسلامي التركستاني ومقاتليه بعد اكتسابهم خبرة قتالية في سورية لتنفيذ عملياتٍ عسكرية على أراضيها انطلاقاً من أفغانستان.

*     *     *

كثير من البروباغندا الجوفاء رافقت زيارة وزير خارجية الصين، وانغ يي، إلى دمشق في يوم إعادة تنصيب بشار الأسد رئيساً للنظام السوري سبع سنوات جديدة، وهي الأولى لمسؤول صيني رفيع منذ اندلاع الثورة السورية في 2011.

إذ جرى تصويرها في الإعلام المساند لنظام الأسد فتحاً استراتيجياً عظيماً، ونقطة تحول في حضور الصين في منطقة الشرق الأوسط، بل و"رسالة إلى واشنطن" ترسلها بكين من دمشق!

والحقيقة أن الأمر لا يحتمل مثل هذه التوصيفات، لأن النظام السوري ينتمي أصلاً للتحالف الروسي الصيني الإيراني، ويتبع له، وليس ثمّة إضافة ينطوي عليها توقيع اتفاقيات صينية سورية ضمن إطار مبادرة الطريق والحزام لبناء مشاريع للبنى التحتية وإعادة إعمار المناطق المدمّرة.

وليس هناك تحوّل استراتيجي ذو قيمة في الموقف الصيني تجاه النظام الذي دعمته بكين سابقاً من دون شروط، حتى أنها استخدمت حق النقض أربع مرات في مجلس الأمن (بالتنسيق مع روسيا)، لحمايته من مساءلاتٍ جنائيةٍ دوليةٍ بشأن جرائمه في حق المدنيين السوريين.

ولا تمثل تهنئة الوزير الصيني بشار الأسد بأدائه قسم الرئاسة إضافة نوعية مقارنة بتهنئة الرئيس الصيني، شي جينغ بيغ، الأسد نفسه بإعادة انتخابه قبل نحو شهرين.

بذلك، لا يمكن القول إن ثمّة تقارباً صينياً من نوع جديد مع النظام السوري، يشكّل رسالة إلى واشنطن التي تعمل على قدم وساق على إعادة ترتيب الشرق الأوسط من أفغانستان إلى شمال أفريقيا، بحيث تتفرّغ لحرب الصين ومضايقتها، وتوفر لنفسها أوراق ضغط جديدة على حكومة بكين، فالنظام السوري سيكون طبعاً "في جيب الصين"، ما دام "في جيب بوتين"!

ما يمكن الالتفات إليه أكثر في هذه الزيارة الصينية التي كانت إحدى محطات وزير الخارجية ضمن جولة شملت عدة دول في المنطقة، تضمنت، هي الأخرى، توقيع اتفاقيات ومشاريع ضمن مبادرة الطريق والحزام، بشكلٍ ينزع الفرادة عن الاتفاقيات السورية الصينية، ليس المجاملات الدبلوماسية التي تبرع فيها الصين، ولا الاتفاقيات الاستثمارية التي وقّعت الصين اتفاقياتٍ تشبهها من قبل مع أبرز حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، مثل مصر والسعودية والإمارات.

بل في الحقيقة كيفية تعاطي الطرفين، الصيني والسوري، مع مسألة التنظيم العسكري لقومية الإيغور الصينية المسلمة الموجود في سورية، الذي يعدّ خمسة آلاف مقاتل يحاربون إلى جانب المعارضة السورية، بحسب تصريحات سابقة لسفير دمشق في بكين، وينتمون للحزب الإسلامي التركستاني الذي يسعى إلى فصل مقاطعة شينجيانغ عن الصين وتأسيس دولة تركستان الشرقية فيها.

لم تأتِ الأخبار على ذكر هذه المسألة موضوعاً للحوار بين المسؤول الصيني الرفيع ونظرائه في النظام السوري، مع أن توجيه رسالةٍ ذات معنى إلى واشنطن من دمشق ينبغي أن يكون التنظيم العسكري للإيغور هو موضوعها، لا اتفاقيات الحزام والطريق.

ذلك أن مساعي الولايات المتحدة الجارية حالياً للحشد السياسي والاقتصادي والعسكري ضد الصين إنما تتضمّن جعل منطقة شينجيانغ التي تقع في أقصى شمال غرب الصين بمثابة خاصرة رخوة لحكومة بكين. ولهذا السبب، تتبنّى الولايات المتحدة قضية قومية الإيغور باعتبارهم "أقلية دينية مضطهدة".

وتخشى الصين من نوايا أميركا في توظيف الحزب الإسلامي التركستاني ومقاتليه الذين اكتسبوا خبرة واسعة من القتال في سورية، لتنفيذ عملياتٍ عسكرية على الأراضي الصينية، انطلاقاً من أفغانستان، بعد انسحاب القوات الأميركية منها، خصوصاً أن الحزب الإيغوري يلقى دعماً ومساندة من تنظيماتٍ إسلامية أفغانية، وكان قد تأسّس أصلاً في كابول عام 1993 بعد سيطرة الأحزاب الإسلامية عليها عقب الحرب الطويلة مع الاحتلال السوفييتي.

وإذا لم يكن التنظيم العسكري الإيغوري موضوعاً محورياً في زيارة الوزير الصيني، فإن الزيارة لا تضيف جديداً للموقف القائم أصلاً. والمؤكد أن الصين أذكى من أن تطرح هذا الموضوع الحساس على العلن، من خلال زيارة وزير خارجيتها، هذا فضلاً عن أن مواجهة التنظيم والحيلولة دون استخدامه ورقة ضغط في يد أميركا ليست مسألة في يد النظام السوري بالتأكيد، والأجدى أن تتخذ الصين إجراءات حاسمة على حدودها الغربية، وعلى أراضيها في مقاطعة شينجيانغ، وهذا ما فعلته تماماً على مدار السنوات الخمس الأخيرة.

في منتصف يوليو الجاري، أصدرت الحكومة الصينية "الكتاب الأبيض حول شينجيانغ"، تحت عنوان "ضمان الحقوق المتساوية لجميع المجموعات العرقية في شينجيانغ"، جاء فيه أن المقاطعة لم تشهد "حوادث إرهابية" منذ نهاية عام 2016، وأنه تم القضاء على الفقر المدقع فيها بنهاية عام 2020، حيث خرج أكثر من 2.7 مليون من سكان الريف الذين كانوا يعيشون تحت خط الفقر في شينجيانغ من الفقر، ولم تعد 3666 قرية و32 محافظة مصنفة أنها فقيرة، كما ارتفع نصيب الفرد من الدخل من 119 يوان عام 1978 إلى 14056 يوان عام 2020.

وجاء في الكتاب الأبيض أن ممارسة العبادات مضمونة للمسلمين في شينجيانغ التي يوجد فيها ثلاث مؤسسات أكاديمية لتخريج رجال الدين: المعهد الإسلامي الصيني ومعهد شينجيانغ الإسلامي ومدرسة شينجيانغ الإسلامية. ..

وهذا يعني أن الحكومة الصينية عملت أساساً على حل مشكلة قومية الإيغور في أراضيها، وواءمت بين الإجراءات الأمنية والإجراءات التنموية، ولعل الأخيرة هي المعنى الذي يجدر أن يكون استراتيجياً لكل نظامٍ يحرص على شعبه، وينأى به عن القتل والدمار والتشريد.

* سامر خير أحمد كاتب وباحث سياسي أردني

المصدر | العربي الجديد