الثلاثاء 3 أغسطس 2021 03:43 م

بعد أن تركت وطنها وعائلتها من أجل العمل في واحدة من دول الخليج الأكثر استقرارا، قالت فتاة عمانية إن جيلها يدفع ثمن الأخطاء التي ارتُكبت على مدار العقود الماضية. وتبدو نبرة المرارة واضحة في صوت هذه الخريجة الجامعية وهي تحاول إخفاء خيبة أملها باعتبارها شاهد على انهيار الاقتصاد الذي بناه السلطان الراحل "قابوس بن سعيد" على عائدات النفط والغاز.

ومنذ سبعينيات القرن الماضي، استفادت عُمان من بيع المحروقات لبناء بنى تحتية حديثة ودفع أجورجيدة مقابل الولاء المطلق للسلطات. ووتمثل عائدات الطاقة 70% من ميزانية الدولة اليوم. ووفقا لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، احتلت عمان الصدارة في مؤشر التنمية البشرية بين عامي 1970 و2010.

ومع ذلك، فإن معدل الخصوبة المرتفع (بأكثر من 7 أطفال لكل امرأة حتى عام 1990) وتراجع هيمنة النفط في أسواق الطاقة، أفسد نموذجا اجتماعيا بنى عليه السلطان "قابوس" سرديته.

وقبل 25 عاما، كانت الحكومة تعلم بالفعل أن البطالة ستكون مشكلةولكنها لم تفعل شيئا. وتقول "سارة"، التي تعيش مع والديها في صحار وهي مدينة صناعية على شاطئ خليج عمان على بعد 200 كيلومتر شمال العاصمة مسقط: "إذا سمحت لي عائلتي، فسأخرج إلى الشوارع للاحتجاج".

وقبل أيام قليلة، اجتاحت موجة غير معتادة من التظاهرات صحار وعدة بلدات أخرى احتجاجا على قلة وظائف الخدمة المدنية وإجراءات التقشف الأخيرة التي قررها السلطان "هيثم بن طارق"، وهي تطورات نادرة للغاية.

وفي جزء من العالم حساس للنقد، يوجه المحتجون اتهامات بالفساد للسلطات العمانية، متسائلين: "أين النفط والغاز؟" هذا ما ردده المتظاهرون في شوارع صلالة، المنتجع الساحلي الذي يقطنه 350 ألف نسمة والذي يحظى بشعبية لدى العائلات الخليجية عندما تختنق المنطقة بسبب حرارة الصيف الحارقة.

وعلى بعد 900 كيلومتر من صلالة، في ضوء مرافق ميناء صحار الرائعة، قال متظاهر لم يذكر اسمه خوفا من انتقام السلطات المحلية: "نريد من الحكومة محاسبة الأشخاص الفاسدين ومصادرة الأموال التي سرقوها من خزائن بلادنا". إنه غضب مكتوم مخفي عن أنظار الزوار الأجانب الذين ينخدعون بالهدوء الظاهر الذي يلف واحدة من آخر الملكيات المطلقة في العالم.

من الربيع العربي إلى تحولات الطاقة

ويبلور التذمر الاجتماعي في عُمان المخاطر التي ينطوي عليها تطبيق برامج التقشف التي طالما رفضت المنطقة التعامل معها بطريقة عملية. وفضلت النخب الحاكمة تأجيل تعقيدات حقبة ما بعد النفط مع ترك حفنة من العائلات الثرية تسيطر على الاقتصاد المحلي.

وعلى حد تعبير برقية دبلوماسية صدرت عام 2009 من سفارة الولايات المتحدة في مسقط، وكشف عنها موقع ويكيليكس، فإن "القطاع الخاص في عُمان يشبه حكم الأقلية". ويسري شعور بالظلم بسبب التوزيع غير المتكافئ لعائدات النفط، وشعور الشباب أنهم جيل تم التضحية به، ومخاوف الطبقة الوسطى من الوقوع في مصيدة الفقر..

وهناك المزيد من علامات عدم الارتياح الكامنة التي يجد الناس صعوبة متزايدة في إخفائها. وفي السعودية المجاورة، تبذل السلطات قصارى جهدها لحجب حقيقة تفاقم الفقر وراء ثراء العائلة المالكة.

ووفقا للبنك الدولي، فإن البلاد "تواجه مشكلة فقر وشيك". ومن حيث عدم المساواة في الدخل، تحتل المملكة المرتبة 26 في الأسوأ في العالم، بعد جنوب السودان مباشرة. ونظرا لأن نظام التقاعد في البلاد على وشك الانهيار بسبب قلة الموارد، فإن الرياض تستكشف حاليا فكرة زيادة سن التقاعد.

وكتب "إيان ماكنتوش"، الرئيس السابق لشركة "لويس دريفوس" التي تتاجر في المنتجات الزراعية: "أسهل طريقة لخلق مشاكل سياسية هي جعل الناس يتضورون جوعا"، في إشارة إلى الربيع العربي عام 2011 والذي شهد استدعاء البحرين لقوات السعودية لإخماد الاحتجاجات.

وفي حين أن القمع الذي تمارسه الأنظمة الخليجية ضد جميع الأصوات المعارضة شرس للغاية، إلا أنه مدعوم بشكل غير مباشر من قبل الديمقراطيات الغربية. واعترف وزير الدفاع البريطاني "جيمس هيبي" أمام البرلمان أن 230 عسكريا متمركزين في عُمان لديهم "اتصالات منتظمة مع السلطات العمانية لتبادل أفكارهم وخبراتهم في الشؤون الأمنية، بما في ذلك التعامل مع الاحتجاجات الجماهيرية".

وفي عام 2020، بلغت النفقات العسكرية للسلطنة (معظمها لشراء الأسلحة البريطانية) 11% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهي أعلى نسبة في العالم. بالإضافة إلى ذلك، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" أن 4 من العملاء السعوديين المسؤولين عن مقتل الصحفي "جمال خاشقجي" عام 2018، خضعوا خلال العام الذي سبق القتل لدورة تدريبية شبه عسكرية أقرتها وزارة الخارجية الأمريكية (تحت عنوان دفاعي بطبيعة الحال) بغرض "ضمان حماية حكام السعودية بشكل أفضل".

ومع ذلك، فإن الورقة الرابحة في أيدي الأسر الحاكمة في دول الخليج تكمن في جذور تلك المجتمعات التقليدية حيث الطاعة المطلقة لشخصية الحاكم ورؤساء العشائر، وهو مبدأ أخلاقي لا يزال العديد من المواطنين يؤيدونه. وما تزال ديناميكيات الأجداد القبلية توفر اليوم الركيزة الاجتماعية التي تأسست عليها المجتمعات الخليجية.

ويصفهم الطالب العُماني "حاج حسن صادق عبدواني"، بلمسة من الأسف، في دراسة بحثية قادمة لجامعة "ساسكس" قائلا: "إن الشرعية الوحيدة للسلطان الجديد هي الرسالة التي تركها السلطان السابق لنقل العرش إليه، بالإضافة إلى حقيقة أنه ولد في القبيلة الحاكمة".

ومع ذلك، في حالة السعودية يقول "عبد الله العودة"، مدير أبحاث دول الخليج في منظمة "الديمقراطية في العالم العربي الآن"، إن تغييرا خطيرا في النهج، تم تنفيذه بحزم من قبل ولي العهد "محمد بن سلمان"، حيث أهمل ديناميكيات الأجداد القبلية والتي كانت كفيلة بعزل الأمير الشاب أو جعله ضعيفا".

ويضيف "العودة": "ما أراه الآن هو تغيير لكل المكونات التي ضمنت استقرار المملكة لفترة طويلة جدا"، وتابع قائلا: "نسمع دائما أن بن سلمان يحظى بشعبية في السعودية، ولكن أين الإحصاءات المستقلة لإثبات هذا الادعاء؟ لا يوجد شيء".

الغوص في جيوب الناس

ومع ذلك، فإن "علي الشهابي"، وهو مستشار رفيع المستوى مقرب من الديوان الملكي السعودي، لا يرى أن هناك مخاطر من "الإصلاحات الاقتصادية" التي تؤثر بشدة على الطبقات الوسطى والفقيرة.

ويقول "الشهابي": "أعتقد أن المحللين يقللون من تقدير عتبة الألم الذي بإمكان السكان تحمله قبل انهيار التماسك الاجتماعي.. السعودية بعيدة عن تجاوز مثل هذه العتبة اليوم"، كما أشار إلى تدابير التقشف التي تأتي كثيفة وسريعة، مثل مضاعفة ضريبة القيمة المضافة 3 مرات، وزيادة أسعار الطاقة، والجهود الحكومية لخصخصة المستشفيات والمدارس.

ويشكو "عبدالله العودة" بمرارة قائلا: "في الأصل، لم تكن فكرة رؤية 2030 هي الغوص في جيوب الناس من خلال النظام الضريبي".

وفي مقابلة تلفزيونية استمرت قرابة الساعة ونصف الساعة وشاهدها جمهور سعودي عريض، برر "بن سلمان" مضاعفة الضرائب 3 مرات، رغم اعترافه على مضض بـ "الطابع المؤذي" للإجراء.

وقال: "آخر شيء أريده هو إيذاء مواطن سعودي. لقد كنت ثريا قبل أن أصل إلى السلطة لذلك لست بحاجة إلى أن أؤذي أي مواطن سعودي"، قبل أن يعلن: "ستستمر الإجراءات المؤلمة لمدة 5 أعوام على الأكثر، وبعد ذلك ستعود الأمور إلى طبيعتها".

سلاح ذو حدين

ولم تختفي موجات السخط في أقصى الشمال، في الدولة الأكثر "ديمقراطية" من بين الأعضاء الـ 6 في مجلس التعاون الخليجي. وفي الكويت هناك الآن العديد من الاحتجاجات الصامتة ضد فرض ضرائب جديدة.

ورفضت قطر والكويت فرض ضريبة القيمة المضافة عندما قبلتها دول مجلس التعاون الخليجي بالإجماع في عام 2016. ولكن على عكس قطر والإمارات اللتان تتمتعان باقتصاد أكثر تنوعا، بوجود الغاز الطبيعي المسال في قطر، والسياحة الدولية والتمويل واللوجستيات والعقارات والألمنيوم في الإمارات، لا تزال الكويت مرتبطة بقوة بمكاسب النفط الذي يمثل أكثر من 80% من الدخل القومي.

وتفتخر البلاد ببرلمانها النشط الذي يعد منصة للدفاع عن مصالح المواطنين ضد الحكومة والعائلة المالكة. لكن طوال التاريخ السياسي للكويت، كانت تحركات البرلمان تميل إلى رد الفعل أكثر من العمل المبادر. بل إنه يميل إلى عرقلة الإجراءات الحكومية أكثر من العمل كمصدر للاقتراحات وطرح قوانين جديدة بناءة.

وكما ورد في تغريدة قاسية من "علي السالم"، الشريك المؤسس لشركة الاستشارات "أركان بارتنرز": "ستنظر الأجيال الكويتية القادمة إلى الجيل الحالي بازدراء وغضب. لقد أدى التدهور الاقتصادي والسياسي للبلاد إلى خلل وظيفي كبير لدرجة أنها أصبحت غير قادرة حتى على إدارة ثروتها الاستثنائية".

وما لم يتم حل أزمات مثل التغيرات المناخية وارتفاع مستويات المحيطات، ستكون مشاريع الطاقة النظيفة في العالم بمثابة تذكير لشعوب الخليج أن صناعات النفط والغاز لها دور رئيسي في اضطراب المناخ.

وفي سيناريو استمرار الانبعاثات عالية التأثير من الكربون، من المرجح أن تصبح المساحات الصحراوية الشاسعة في شبه الجزيرة العربية غير صالحة للسكن بحلول نهاية القرن الـ21، بسبب زيادة الرطوبة ودرجات الحرارة المرتفعة للغاية.

وفي شوارع منطقة "النويصيب" الساحلية الكويتية على الحدود مع السعودية، ارتفعت الحرارة إلى 53 درجة مئوية في نهاية يونيو/حزيران، وهي أعلى درجة حرارة في العالم لعام 2021.

وإجمالا، يمكن القول إن الذهب الأسود كان نعمة للدول الخليجية، لكن من المحتمل أن يتحول إلى نقمة قريبا.

المصدر | سيباستيان كاستلر - Orient XXI - ترجمة وتحرير الخليج الجديد