الجمعة 8 أكتوبر 2021 11:41 ص

يمثل تشكل الخلافة الفاطمية في القاهرة حالة مثيرة للاهتمام لدراسة انهيار شرعية الدولة في التاريخ الإسلامي. وبعد احتلال القاهرة، قدم الفاطميون أنفسهم على أنهم حكام الدولة الشرعيين، بحجة أنهم من نسل النبي وبالتالي فهم مؤهلون لقيادة المجتمع الإسلامي. حتى إنهم أطلقوا على دولتهم اسمها نسبة إلى "فاطمة"، الابنة الكبرى للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، في محاولة للتأكيد على سلطتهم الدينية واكتساب الشرعية في نظر الناس.

لكن مع تزايد السخط، سرعان ما تراجعت السلطات الحاكمة عن الوسائل التقليدية لتأمين الدعم العام. وبحسب إحدى الروايات، عندما شك المصريون في ادعاء الفاطميين النسب من الرسول، نزل الوالي "المعز لدين الله الفاطمي" إلى الشارع وألقى الذهب على الجمهور قائلا: "هذا نسلي وسلطتي". وتعكس هذه القصة على وجه الخصوص الروابط بين القوة والسلطة والمال، وما يعنيه السعي وراء الشرعية من خلال هذا المثلث، أو ما نطلق عليه في الوقت الحاضر "الدولة الريعية".

هل يذكركم هذا بشيء تعرفونه؟

تأتي القصة هنا أيضا بمثابة حكاية تحذيرية. فسوف تتآكل أموال الدولة، وبالتالي قوتها، في نهاية المطاف. وإذا كانت شرعيتها تعتمد فقط على هذه الأموال، فسوف تفشل الدولة كما حدث مع الخلافة الفاطمية في النهاية. ولا تأتي الشرعية الحقيقية للحاكم من قدرته على ادعاء النسب من النبي أو إلقاء الذهب على الناس، لكنها تأتي من الحكم الرشيد ورعاية مواطني الدولة.

ويقودنا هذا إلى دول مجلس التعاون الخليجي، التي اتبعت قيادتها وجهة نظر "المعز لدين الله" في جوهرها وإن لم يكن بالضرورة في الأسلوب. واستخدمت الدول الريعية في مجلس التعاون الخليجي ثروة الدولة لاكتساب الشرعية من خلال توزيع الثروة والخدمات الاجتماعية وإعفاء المواطنين من الضرائب، ما يقلل من حافز المواطنين للمشاركة السياسية.

كما قرنت الدول الريعية ذلك بقوة التخويف. ومن خلال السيطرة على المؤسسات الدينية، فقد أثرت على الأعراف المجتمعية، مؤكدة على النصوص الإسلامية التي تملي طاعة الحاكم وتساعد في الحفاظ على مركزه.

وأصبح كل هذا ممكنا منذ البداية بفضل عقود من الازدهار والثروة التي تمتعت بها دول مجلس التعاون الخليجي، ولأن الحكام كانوا قادرين على إعالة شعوبهم من خلال استخراج الموارد الطبيعية، مما جعل الديمقراطية والمشاركة السياسية غائبة لفترة طويلة عن التفكير الجاد، فقد تمكنت الدولة من توفير الثروة والخدمات دون طلب أي شيء في المقابل من مواطنيها.

وأدى الشعور بالأمن الذي توفره الخدمات الوفيرة إلى عدم شعبية حركات الإصلاح التي طالما كان ينظر إليها بريبة بين جماهير دول مجلس التعاون الخليجي.

أما اليوم، فإن الوضع المالي لدول المجلس آخذ في التغيير، ويجب تحديث العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها وفقا لذلك. وتواجه دول المجلس تحديات وتغيرات اقتصادية جديدة، بالإضافة إلى زيادة المخاطر الجيوسياسية.

ويدرك الجميع في مجلس التعاون الخليجي أن الدولة الريعية في مراحلها الأخيرة؛ حيث اضطرت هذه الدول لاتخاذ تدابير تقشفية مؤخرا، كما أن المنح المالية للأفراد وفئات المجتمع المختلفة آخذة في التناقص. وتتزايد البطالة والصعوبات المالية، وأصبحت عائدات النفط غير مستقرة أكثر من أي وقت مضى، مع سعي العالم للابتعاد عن الوقود الأحفوري.

عقد اجتماعي جديد

ولا تزال اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي عالقة في الاعتماد المفرط على عائدات النفط لتمويل أنشطة الدولة. وفي حين أن حل هذه المشكلة، وهو التنويع الاقتصادي وخفض الإنفاق على القطاع العام، واضح ومفهوم جيدا من قبل حكومات دول المجلس والمواطنين والمنظمات الدولية، إلا أنه يصعب تنفيذه سياسيا وقد واجه معارضة كبيرة.

علاوة على ذلك، بدأت الحكومات الخليجية في إبلاغ مواطنيها بأنها ستخفض النفقات وتقنن تحصيل الضرائب من أجل تقليل عجز الميزانية. لذلك، يجب إعادة النظر في مفهوم الشرعية من قبل السلطات في دول المجلس. وبدلا من التحرك نحو الانفتاح والإصلاحات السياسية، هناك خطر أن تتحرك حكومات الخليج أكثر نحو الاستبداد لتقديم صورة الدولة القوية التي لا غنى عنها لتوفير الأمن والاستقرار، مع الاستمرار في تأطير أي دعوات للإصلاح على أنها محاولات من قبل جهات أجنبية لزعزعة أمن واستقرار البلاد.

وفي هذه الحالة، سيكون التخويف هو الأداة الأساسية، لكن سيفقد الحكام في ذلك الوقت أي "شرعية" حقيقية مع إجبار الناس على قبول الضرائب دون تمثيل سياسي حقيقي.

ولا تعد هذه المعادلة معقدة للغاية أو يصعب فهمها. تعيش العديد من الدول حاليا في مواقف مماثلة، ولدى دول مجلس التعاون الخليجي خارطة طريق واضحة للمكان الذي تتجه إليه إذا لم يتم إجراء تغييرات. ولمنع مثل هذا السيناريو، يجب على دول المجلس البدء في توعية مواطنيها بأن الانتقال من دول ريعية إلى دولة منتجة سيتطلب من المواطنين أن يكونوا مسؤولين عن الإنتاج. ومن أجل القيام بذلك، يجب أن يكون المواطنون أيضا جزءا من عملية صنع القرار في الحكومة.

وفي حال نجاح ذلك، سيكون الجميع مسؤولين عن أوضاع البلاد، وستكون للسلطة الحاكمة شرعية حقيقية واستقرار حقيقي دون اللجوء إلى القمع.

بعد انهيار الدولة الريعية، سيكون أمام دول مجلس التعاون الخليجي خياران، إما القمع باسم الاستقرار، أو الدفع باتجاه حكومات منتخبة ومواطنين منتجين مسؤولين عن واقعهم. وما تزال الحكومات الحالية تتمتع بسلطة الاختيار بين الخيارين حتى الآن.

المصدر | عبدالهادي العجمي - منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد