الثلاثاء 20 يوليو 2021 10:24 ص

في 30 يونيو/حزيران الماضي، أعلن ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان"، الحاكم الفعلي للمملكة، عن استراتيجية وطنية واسعة النطاق للنقل والخدمات اللوجستية.

وتدعو الاستراتيجية، التي وُصفت بأنها "ركيزة أساسية" لمخطط التنمية الشاملة للمملكة المعروف باسم "رؤية 2030"، إلى استثمارات بقيمة 147 مليار دولار على مدى 9 سنوات، بما في ذلك خطط لإنشاء شركة طيران وطنية ثانية، ومناطق لوجستية جديدة.

كما تخطط الشركة المشغلة لمحطة بوابة البحر الأحمر في السعودية إلى إنفاق 1.7 مليار دولار لتوسيع مينائها الرئيسي في مدينة جدة (غرب) والاستثمار في 3 موانئ دولية على الأقل بمبلغ 500 مليون دولار لكل ميناء، على مدى السنوات الخمس المقبلة.

سيكون الحفاظ على مثل هذه الشراكات الدولية أمرا بالغ الأهمية إذا كانت الرياض تأمل في تحقيق أهدافها الطموحة للنمو، لا سيما في صناعات مثل النقل والخدمات اللوجستية، بينما تنوع اقتصادها بعيدا عن الاعتماد على الوقود الأحفوري.

ومع ذلك، فهذه قطاعات تمتلك فيها قوى خليجية أخرى، مثل قطر والإمارات، موطئ قدم كبير بالفعل.

توتير العلاقات مع الجيران

وبالتالي، فإن مسار التنمية الحالي للمملكة وطموحها طويل الأمد بأن تصبح مركزا لوجستيا عالميا يمكن أن يوتر علاقاتها مع الدول المجاورة، وهي مخاطرة يبدو أن المسؤولين السعوديين على استعداد لتحملها.

سيتم تمويل نمو صناعات النقل والخدمات اللوجستية في السعودية بشكل أساسي من قبل "صندوق الاستثمارات العامة"، صندوق الثروة السيادية للبلاد.

ومع إدارة أصول محلية ودولية تقدر بنحو 400 مليار دولار، يُعتبر "صندوق الاستثمارات العامة" مكونا ماليا أساسيا لخطة "رؤية 2030".

وخلال مقابلة في أبريل/نيسان الماضي، قال "محمد بن سلمان"، المعروف اختصارا باسم "مبس": "تحريك صندوق الاستثمارات العامة للاقتصاد السعودي، اليوم، أكثر من ميزانية الدولة، وهذا سيستمر".

وفي نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن "بن سلمان" أن الصندوق سيضخ سنويا 40 مليار دولار، تمثل أكثر من 5% من الناتج المحلي الإجمالي السعودي، في الاقتصاد المحلي خلال عامي 2021 و2022؛ ما يوضح أهميته كمحرك للنمو.

لا يوجد نقص في فرص الاستثمار المحلية. على سبيل المثال، ورد أن "صندوق الاستثمارات العامة" سيمول خططا لإنشاء شركة طيران وطنية جديدة.

وفي وقت سابق من هذا العام، استحوذ الصندوق على حصة بـ20% في محطة بوابة البحر الأحمر، كما فعلت شركة "كوسكو" للشحن الصينية متعددة الجنسيات.

كما يواصل الصندوق إطلاق مبادرات تنموية جديدة، تشمل مشاريع سياحية بمليارات الدولارات، وشركة رحلات بحرية، ويدعم بشكل متزايد الشركات السعودية الخاصة الأخرى.

ومع ذلك، فإن مسارات النمو المحلية والدولية للشركات التي تتخد السعودية مقرا لها متشابكة بشكل وثيق.

في الواقع، تعتمد الجدوى التجارية طويلة الأجل لشركة طيران وطنية جديدة على الإمداد المستمر بالسياح ورجال الأعمال الدوليين الذين يسافرون إلى المملكة وعبرها، ويأمل المسؤولون السعوديون في ربط البلاد بـ250 وجهة دولية.

وتوجد خطط إضافية لتوسيع القدرة السعودية للشحن الجوي وحاويات الشحن بشكل سريع في محاولة لتعزيز مساهمة قطاع النقل والخدمات اللوجستية في الناتج المحلي الإجمالي من 6% حاليا إلى 10% بحلول عام 2030.

تتطلع الرياض أيضا إلى فرصة لجني فوائد اقتصادية أكبر من التجارة الإقليمية التي تمر عبر مراكز الشحن في البلدان المجاورة.

لا تهدف المملكة بشكل أساسي إلى أن تكون وجهة تجارية فحسب، بل أن تكون أيضا نقطة محورية للتجارة الإقليمية.

وسيتطلب ذلك تحسينات كبيرة في البنية التحتية في المطارات والموانئ، مثل التوسعة المخطط لها لمحطة بوابة البحر الأحمر في ميناء جدة.

إلى جانب التوسع في أصولها في المملكة، تركز محطة بوابة البحر الأحمر على فرص الاستثمار في السودان ومصر.

وإذا كانت البضائع تتحرك عبر أي ميناء على البحر الأحمر، فإن الشركات السعودية تريد جزءًا من الحركة.

منافسة تجارية شرسة

وتراقب الحكومات المجاورة عن كثب طموحات النمو السعودية؛ ما يعني أن المنطقة قد تكون مقبلة على منافسة تجارية شرسة.

وستضطر شركة الطيران السعودية الجديدة إلى التنافس مع الشركات العملاقة المعروفة مثل طيران الإمارات والخطوط الجوية القطرية، بينما تعمل خطط التوسع الخاصة بمشغلي الموانئ السعودية على زيادة الديناميكيات التنافسية مع مشغلي الموانئ القريبين وشركات الخدمات اللوجستية متعددة الجنسيات، مثل "موانئ دبي العالمية" في دبي.

في الشهر الماضي، أفادت "رويترز" أن "موانئ دبي العالمية" تخطط لبيع حصة أقلية في المنطقة الحرة بمنطقة جبل علي، مجمع الأعمال الرئيسي، لخفض ديون مشغل الموانئ وربما تحرير السيولة لخططها الاستثمارية.

وتستعد المناطق الحرة لتكون في طليعة الدفع السعودي لتعزيز صناعات النقل والخدمات اللوجستية، وهي المناطق ذات القواعد واللوائح المخففة للأعمال التجارية، والتي يمكن تخزين البضائع ونقلها معفاة من الرسوم الجمركية.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن وزير الاستثمار السعودي "خالد الفالح" عن خطط لعشرين منطقة اقتصادية خاصة جديدة مع بيئات تنظيمية صديقة للمستثمرين كجزء من جهود الرياض لتعزيز المستويات الراكدة للاستثمار الأجنبي المباشر.

يأتي ذلك في أعقاب تكليف ملكي سابق صدر عام 2019، والذي وسع نطاق اختصاص هيئة المدن الاقتصادية والمناطق الخاصة في السعودية ليشمل المناطق الاقتصادية.

وفي عام 2018، أطلقت المملكة بهدوء منطقة الإيداع اللوجستية المتكاملة كجزء من جهودها لتعزيز قطاع الخدمات اللوجستية.

وهنا من المرجح مرة أخرى أن تكون المنافسة مع الدول المجاورة شديدة.

تنافس السعودية والإمارات

نظرا لمكانتها كمركز تجاري واستثماري رئيسي في منطقة الخليج، تمتلك الإمارات وحدها أكثر من 40 منطقة حرة عاملة، والتي تشكل عنصرا حاسما في اقتصاد الدولة، لا سيما خارج إمارة أبوظبي الغنية بالنفط والغاز.

وتتمتع المملكة بشراكة دبلوماسية واستراتيجية وثيقة مع الإمارات، لكن المنافسة تزداد حدة في المجال الاقتصادي.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، أثارت الرياض دهشة الأوساط التجارية في الإمارات عندما أعلنت عن مجموعة من الإيضاحات والتعديلات على قواعد الاستيراد الخاصة بها، والتي تضمنت شرطا يقضي باستبعاد البضائع المصنوعة في المناطق الحرة من ترتيبات التعريفة التفضيلية لدول مجلس التعاون الخليجي.

وفي غضون أيام من الإعلان، بدأت شركة "أرامكو" السعودية لتجارة المنتجات البترولية، الذراع التجارية لشركة "أرامكو" السعودية العملاقة للنفط، مطالبة البائعين بالإعلان عما إذا كانت البضائع منشؤها منطقة حرة إقليمية.

قد توفر هذه الإجراءات دفعة طفيفة لخزائن الحكومة السعودية مع إعادة توجيه سلاسل التوريد الإقليمية، لكن بعض شركات المناطق الحرة في إمارتي دبي والفجيرة لن تكون سعيدة.

من غير المرجح أن تتخلى الإمارات عن مكانتها التي اكتسبتها بشق الأنفس كمركز تجاري في المنطقة دون قتال، ولديها ما يمكن أن تظهره من القوة الاقتصادية.

يشير الخلاف المرير غير المعتاد الذي اندلع مؤخرًا بين السعودية والإمارات كجزء من مداولات تحالف "أوبك+" حول مستويات إنتاج النفط المستقبلية إلى أن المملكة ليست الدولة الخليجية الوحيدة المستعدة للدفاع بقوة عن مصالحها الاقتصادية.

من المرجح أن يخفف الاتفاق الذي تم الإبلاغ عنه لاحقا لإنهاء الأزمة داخل "أوبك+" التوترات في الوقت الحالي.

ومع ذلك، قد ينطوي المضي قدما في طموحات النمو السعودية على تكلفة مرتفعة إقليميا.

المصدر | وورلد بوليتيكس ريفيو / روبرت موجيلنيكي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد