السبت 10 يوليو 2021 07:08 م

أظهرت التحليلات للخلاف بين الإمارات والسعودية مبالغة في بعض الأحيان وتقليلا من شأنه في أحيان أخرى. والواقع أن الخلاف حقيقي وخطير، لكن الإمارات والسعودية ما يزالان في إطار تعاون استراتيجي على المستويين الإقليمي والدولي لأنهما يواصلان تشارك ما يكفي من المصالح الأساسية لجعلهما شريكين في كثير من الأحيان أكثر من منافسين.

ومع ذلك، فإن الاختلافات كبيرة. لذا، فمن الضروري التفريق بين ما يحدث وما لا يحدث بين هاتين القوتين الخليجيتين الرئيسيتين.

وتبدو المفاجأة واسعة النطاق من الخلاف المفاجئ بين الرياض وأبوظبي. ويرجع ذلك إلى سوء الفهم بشأن العلاقة بين البلدين في العقود الأخيرة. وكان هناك افتراض شائع بأن السعودية والإمارات لديهما وجهات نظر ومصالح عالمية لا يمكن تمييزها عن بعضها البعض، وأن الإمارات تتبع السعودية أو العكس. لكن لم يكن هذا هو الحال أبدا.

وأدى عدد من العوامل إلى استمرار هذا المفهوم الخاطئ، بما في ذلك تصميم الإمارات في التسعينات والعقد الأول من القرن الـ 21 على إقامة شراكات مع السعودية والولايات المتحدة كحجر زاوية لاستراتيجيتها للأمن القومي. لذلك تم احتواء الخلافات مع السعودية أو التقليل من شأنها.

ومع ذلك، حتى في لحظات التعاون القصوى، مثل التدخل بقيادة السعودية في اليمن، كان لدى السعودية والإمارات أهداف وأولويات متداخلة ولكنها متمايزة. وبمرور الوقت، تطورت هذه الاختلافات إلى تمايز واضح بين الحرب التي تقودها السعودية في الشمال ضد المتمردين الحوثيين والجهود التي تقودها الإمارات في الجنوب لتحقيق التوازن بين الحكومة اليمنية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة والميليشيات الانفصالية، والمعركة المعقدة ضد "القاعدة في جزيرة العرب".

وأصبحت هذه الحروب المنفصلة واضحة بشكل صارخ عندما بدأت الإمارات في الانسحاب التدريجي من اليمن في يوليو/تموز 2019. وحققت الإمارات نجاحا كبيرا في المسرح الجنوبي أكثر مما حققته السعودية في المسرح الشمالي، وخلصت إلى أن تكلفة استمرار الاشتباك المباشر أكثر من فوائده. ومع ذلك، حرصت الإمارات على التأكيد على أنه لا يوجد فرق حقيقي بينها وبين السعودية، بالرغم أنه كان من الواضح أن الفرق موجود، وأن الرياض لها أهداف أخرى.

وكان هناك ارتباك آخر بسبب الرواية المنتشرة بأن ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" هو الموجه لولي العهد السعودي "محمد بن سلمان". وكان هذا التوصيف المعيب بسبب قوة شخصية "بن زايد" والذي كان في كثير من الأحيان فعالا في السيطرة على مواقف الرياض. لكن لم يكن ذلك غير صحيح فحسب، بل أضاف بالتأكيد إلى الشكوك المتبادلة، على الأقل بين الزعيمين.

وكانت الحقيقة الأكثر تعقيدا هي أن السعودية، في عهد الملك "سلمان بن عبدالعزيز" و"محمد بن سلمان"، اقتربت بشكل كبير من الإمارات أيديولوجيا في رفض واسع للإسلام السياسي. لكن هذا لم يكن بسبب الكاريزما أو التأثير الشخصي لـ"بن زايد"، بل كان نتيجة إعادة تقييم استراتيجية في الرياض ولدت من رحم المصالح السعودية الخاصة.

ولا يمكن للسعودية أن ترفض التفاعل بين الدين والسياسة كما تحاول، لأنه حتى مع تحولها إلى رواية أكثر شعبوية وقومية، فإن السعودية تستثمر بعمق في تاريخها الإسلامي والإسلام كنص اجتماعي وسياسي.

وكان هذا واضحا أيضا في اليمن، حيث رأت الرياض في حزب "الإصلاح" الإسلامي شريكا محليا رئيسيا في حين لم تثق الإمارات بالجماعة، حتى عندما وافق كبار المسؤولين الإماراتيين على مضض على لقاء قادة "الإصلاح".

كما انحرفت كل من السعودية والإمارات بعيدا عن بعضهما البعض بشأن التحالفات الإقليمية. وكانت السعودية منخرطة في تقارب مؤقت مع تركيا في الوقت الذي تعتبر فيه الإمارات أن أنقرة خصم إقليمي رئيسي.

وتميل السعودية إلى النظر إلى أنقرة باعتبارها قوة إقليمية منافسة وليست تهديدا أيديولوجيا. وكانت الانقسامات بين الإمارات والسعودية بشأن تركيا واضحة عندما كانت السعودية على وشك التوصل إلى اتفاق لإنهاء حصار قطر.

وعندما اكتشفت الإمارات أنها لن تكون قادرة على منع إبرام اتفاق ثنائي بين الرياض والدوحة، قدمت عرضا في اللحظة الأخيرة لمصالحة أوسع تشمل كامل مجلس التعاون الخليجي، وهو ما تم إنجازه بالفعل في قمة عُقدت في "العلا" في يناير/كانون الثاني. وإذا كان لدى الإمارات الخيار، لكانت فضلت مواصلة الحصار الذي نظرت إليه إلى حد كبير من منظور أيديولوجي حيث تعتبر قطر عضوا رئيسيا في الشبكة الإقليمية لتركيا.

وكانت هذه الاختلافات واضحة أيضا فيما يتعلق بإيران وإسرائيل. وكانت الإمارات أسرع في فتح حوار مع إيران، وذهبت في ذلك أبعد من السعودية. ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الإمارات أصغر بكثير وأكثر عرضة للهجمات الصاروخية، ولكن أيضا لأن الإمارات تعتبر إيران واحدة من التهديدات الإقليمية العديدة بينما تواصل السعودية اعتبار إيران تهديدا فريدا.

وقد تكون العلاقات التجارية طويلة الأمد والواسعة بين دبي والكيانات التجارية الإيرانية ساعدت أيضا في تشكيل تصورات أبوظبي عن التهديدات فيما يتعلق بإيران.

ولم تعترض السعودية على تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، بل سمحت للبحرين التي تتمتع الرياض بنفوذ كبير عليها بأن تحذو حذوها. لكن الرياض كانت حريصة على إبقاء خياراتها مفتوحة وأن تزن مزايا وعيوب أي خطوة من هذا القبيل وفق حساباتها الخاصة.

وأحد أهم الاختلافات هنا هو أن السعودية لديها أدوار قيادية عربية وإسلامية لا تتمتع بها الإمارات. ويمكن للإمارات أن تتصرف كما تشاء من أجل مصالحها الخاصة مع القليل من الاهتمام برد الفعل العربي والإسلامي، في حين أن السعودية لا تستطيع ذلك.

ومع ذلك، فإن الاختلاف الأكبر هو الذي أدى إلى نزاع "أوبك+" الحالي. وتسبق الإمارات السعودية في تطوير إطار عمل لاقتصاد ما بعد النفط. وقد استخدمت السعودية وروسيا "أوبك+" لإدارة تسعير النفط وتنظيم الإنتاج لصالح اقتصاداتهما. ولطالما كانت الإمارات غاضبة من أنه لم يتم استشارتها وأنه لا يتم أخذ مخاوفها في الاعتبار عند وضع حدود الإنتاج.

وبينما تسعى العديد من الدول الأخرى المنتجة للنفط إلى إدارة التسعير على المدى الطويل، تريد الإمارات تحويل مواردها الطبيعية إلى قدرات مالية في أسرع وقت ممكن للمساعدة في الانتقال بعيدا عن الاقتصاد القائم على النفط.

وبالتالي، فإن ترتيب "أوبك+" الحالي لا يعمل لصالح أبوظبي، وبينما يرى معظم المحللين أنه يمكن إبرام صفقة قصيرة الأجل، فإن هذه الاختلافات الاقتصادية قد تدفع الإمارات إلى مغادرة "أوبك" تماما لتحرير نفسها من اتفاقية خفض الإنتاج.

ولكن من السهل أيضا تقدير المخاطر التي قد تواجهها أبوظبي في محاولة المناورة خارج إطار منظمة "أوبك"، وهي مخاطر تجعل هناك درجة من الحذر في صنع القرار الإماراتي بشأن أي خروج فعلي، وليس فقط استخدام سياسة حافة الهاوية كاستراتيجية تفاوضية.

وتعد الانقسامات بين السعودية والإمارات حقيقية وخطيرة، ومن الممكن أن تنمو بمرور الوقت إلى خلافات أعمق. لكن أي منافس أو خصم يأمل في أن تكون هذه نهاية الشراكة بين أبوظبي والرياض قد يخيب أمله.

وفي معظم القضايا، تشترك السعودية والإمارات في الأهداف على نطاق واسع ويمكنهما تعزيز بعضهما البعض بقدرات تكميلية. وما يزال كلاهما داخل معسكر واسع مؤيد للولايات المتحدة.

وبينما يرى الجانبان التهديدات بشكل مختلف إلى حد ما، فإن كلاهما لديه نفس المخاوف الرئيسية، إيران وشبكة وكلائها الإقليميين، وتركيا وتحالفها الإقليمي الناشئ، والتهديد المستمر للجماعات المتطرفة والإرهابية. وفي منطقة منقسمة بين قوى الوضع الراهن والإمبراطوريات القديمة العائدة، فإن الإمارات والسعودية راسختان في معسكر الوضع الراهن.

وبالفعل، هناك عدم توافق جوهري بين الطريقة التي تريد بها السعودية والإمارات إدارة موارد الطاقة الخاصة بهما، ومن المحتمل أن يستمر ذلك في تأجيج الخلافات. ولكن، حتى مع الاختلافات الأخرى المختلفة، فمن غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى نزاع مرير كما كان الحال في الخلاف مع قطر.

ويعد الخلاف الحالي في جزء منه نتيجة لعملية نضج بين دول الخليج العربية. ومن الطبيعي تماما أن يكون لدى الدول المتحالفة خلافات لا تمزق شراكتهم الأساسية، وتعتبر الاختلافات الاقتصادية مصدرا نموذجيا. على سبيل المثال، كانت هناك نزاعات تجارية مريرة متكررة بين الولايات المتحدة وكندا.

وبرزت الإمارات كلاعب إقليمي ودولي وقد تكون رغبتها الحالية في الخلاف العلني مع السعودية هي نتيجة قوتها المتنامية. وفي ظل هذه الظروف، برزت الاختلافات طويلة الأمد أكثر، لكن ذلك لا يشكل قطيعة حقيقية بين الإمارات والسعودية ولا يعني موت هذه الشراكة.

المصدر | حسين آيبش/معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد