الأربعاء 4 أغسطس 2021 11:00 ص

انقسامات حركة النهضة التونسية: أوان الاعتراف بالأخطاء والتغييرات

دعا المجلس الشبابي بحركة النهضة إلى الإسراع في إنجاز تقييم موضوعي وواقعي لتجربة الحركة في الحكم.

من ورّط الحركة في قرارات لا شعبية عليه أن يتراجع للخلف والحركة لم تستطع بناء علاقة صحية مع شعبها.

مطالبات لحركة النهضة بتكوين قيادة وطنية للإنقاذ والقيام بمراجعات، وهي في الحقيقة انطلقت في ذلك منذ فترة.

*     *     *

لم تستفق أغلب الأحزاب التونسية بعد من صدمة ما أقدم عليه الرئيس التونسي قيس سعيد يوم 25 يوليو/تموز الماضي من قرارات ضد المؤسسات الدستورية، قلبت كل المعادلة السياسية في البلاد، وإنْ تباينت التفسيرات لأسباب ما جرى. وإذا كانت تأثيرات وارتدادات 25 يوليو على الأحزاب، تختلف بحسب أحجامها ومدى مشاركتها في الحكم طوال عقد مضى، لكن الوضع يبدو مختلفاً وأكثر تأزماً داخل حركة النهضة.

وتشهد الحركة، القوة السياسية الأبرز في تونس، موجات متلاحقة من الغضب الداخلي، من قبل كثير من قياداتها الكبيرة، وخصوصاً من مجلس شبابها الذي يحمّلها مسؤولية عدم الإنصات إلى الناس، وارتكاب الأخطاء المتتالية التي أوصلتها إلى الوضع الراهن، خصوصاً بعدما أضاعت العديد من الفرص التي كان يمكن أن توظفها لصالحها تحت وطأة معارك الهيمنة والإقصاء داخلها.

وفيما تعقد الحركة اجتماعاً لمجلس الشورى، اليوم الأربعاء، بعد أن تم تأجيله بطلب من زعيم الحركة راشد الغنوشي نهاية الأسبوع الماضي، ينتظر أن يكون حاسماً في مستقبل الحركة، إذ سيحدد استراتيجيتها في التعامل مع الأحداث، وما إذا كانت ستنصت للاعتراضات وتُجري تغييرات داخلية لترتيب صفوفها.

وقالت قيادات من الحركة إن المكتب التنفيذي الذي عقد الخميس الماضي بحث اقتراح تشكيل حكومة لا تكون النهضة طرفاً فيها ولا في المشاورات المتعلقة بها، والذهاب إلى حوار ينتهي بانتخابات تشريعية سابقة لأوانها، ولكن مسألة وضع الحركة ستطرح بقوة حيث تقترح شخصيات كثيرة إدخال تغييرات على المكتب التنفيذي.

وأصدر المجلس الوطني لشباب حركة النهضة، مساء الأحد الماضي، بياناً طالب فيه رئيس الحركة، راشد الغنوشي، بـ"تكوين قيادة وطنية للإنقاذ، تتضمن كفاءات شبابية وتكون بداية لمسار التجديد في القيادة التنفيذية داخل الحركة لإنقاذ المسار السياسي في البلاد". ودعا المجلس إلى "الإسراع في إنجاز تقييم موضوعي وواقعي لتجربة الحركة في الحكم، وتحرير الشباب من الخلافات الداخلية وتلقّف رسائل الشعب التونسي، لأن ذلك بات أمراً ضرورياً وعاجلاً". وقبل ذلك، عبّرت عريضة لعشرات الشباب والنواب من "النهضة" عن الغضب مما آلت إليه الأوضاع، فيما استقال المكلف بالإعلام في الحركة، خليل البرعومي، من مهامه، بينما عبّرت قيادات كبيرة أخرى عن غضبها من خيارات الحركة وتداعيات هذه الخيارات.

ويرى البعض أن ما وصلت إليه "النهضة" من تأزم وتحفظات على أدائها، سواء من داخل صفوف وقيادات الحركة أو من خارجها، هو نتيجة خياراتها في السنوات الماضية. ويتوقف هؤلاء عند أخطاء استراتيجية متعددة ارتكبتها حركة النهضة طيلة هذه السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها ما جرى الانتخابات الماضية، الرئاسية، وسط اعتقاد بأن تياراً داخل "النهضة" تعمد عدم دعم مرشح الحركة المفترض عبد الفتاح مورو لإقصائه وإبعاده عن المشهد السياسي، وهو ما أدخل ارتباكاً كبيراً على قواعدها وجسمها الانتخابي الذي تفرق إلى مناصرة شخصيات أخرى.

وعلّل الغنوشي هزيمة مورو في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية التي أفضت إلى فوز قيس سعيد في دورها الثاني، بأن الحركة لم تستعد جيداً للانتخابات. وقال "دخلنا متأخرين إلى الانتخابات الرئاسية"، مشيراً في حوار بثّه تلفزيون "الزيتونة" الخاص، إلى أن "ما بين 15 و20 في المائة من شباب النهضة وقواعدها لم يصوتوا لمورو".

لكن مورو أوضح في تصريحات أن الحركة لم توفر له الدعم الكافي في الانتخابات الرئاسية. وقال لتلفزيون التاسعة الخاص، إن أولاده تبرعوا له بـ40 ألف دينار تونسي (نحو 14 ألف دولار) لتمويل حملته الانتخابية الرئاسية، فيما ذهبت قراءات عديدة حتى من داخل النهضة إلى أن "النهضة" تعمدت عدم دعم مرشحها وإبعاده من المشهد.

كذلك يتوقف البعض عند محاولات الإقصاء التي لطالما تعرض لها القيادي في الحركة، عبد اللطيف المكي، الذي شغل منصب وزير الصحة مرتين منذ الثورة، والذي يعد أحد أبرز معارضي الغنوشي وخياراته على مدى السنوات الماضية. ويعرف عن المكي أنه من الشخصيات التي تحظى بشعبية كبيرة داخل الحركة، لأنه يعتبر واحداً من قيادات الداخل التاريخية (في فترة ما قبل الثورة) وترشحه جهات كثيرة إلى تولي رئاسة الحركة.

وليس خفياً حجم انزعاج تيار الغنوشي من المكي الذي يطالب بتغيير القيادة في السنوات الأخيرة، وكان من ضمن ما عرف بمجموعة المائة التي طالبت بعدم ترشح الغنوشي مجدداً لانتخابات الحركة في المؤتمر المقبل. وفي آخر استطلاعات الرأي في تونس صعد نجم المكي بشكل لافت في قائمة الشخصيات التي تحظى بثقة التونسيين. ويقول مراقبون إن هذا كان يزعج تيار الغنوشي الذي سعى دائماً إلى إبعاده عن الأضواء حتى لا يتصاعد حجمه وتأثيره.

في السياق، أكد وزير الفلاحة الأسبق، وأحد أبرز قيادات "النهضة"، محمد بن سالم، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "مطلب القيام بمراجعات داخل الحركة قديم، وهو ليس بسبب الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو، وللأسف لم تتم الاستجابة له".

وأضاف "تم التنبيه إلى ضرورة القيام بالمراجعة منذ بداية تراجع عدد المقترعين في مختلف المحطات الانتخابية من مليون ونصف إلى نحو 950 ألفا، ثمّ إلى 500 ألف"، مشيراً إلى أنّ "الدعوات كانت للاستماع لنبض الشارع، ولكن القيادة التنفيذية لم تستمتع وحاولت إرضاء أقلية قليلة من النخبة ومن النظام القديم، وهو ما أثّر على شعبية الحركة".

وأوضح بن سالم أنه "بعد المساهمة في تعريض النظام الديمقراطي لخطر كبير، فمن المفترض على من أوصل البلاد لهذا الوضع، أن يتحمّل المسؤولية ويتراجع خطوة للخلف، ويترك المجال لقيادة جديدة". وقال إنه لا يتمنى "أن يخرج رئيس الحركة (راشد الغنوشي) من الباب الصغير وهو لا يليق به هكذا خروج، خصوصاً أنه ناضل من أجل الحرية والديمقراطية لعشرات السنين، ولكن آمل أن يخطو خطوة للوراء. وللأسف كانت أمامه فرص عدة، خصوصاً عندما فشلت المعارضة في سحب الثقة منه، ونُصح بتقديم استقالته من مجلس نواب الشعب لأنّ دخوله إلى هناك كان خطأ، ولم تكن فيه مصلحة للحركة والبلاد، بل لخصوم الديمقراطية في تونس".

وبيّن بن سالم أنّ "حركة النهضة أخطأت في القبول بالتعديل الوزاري الأخير الذي أراده رئيس الحكومة هشام المشيشي، على الرغم من شبهات الفساد التي أحاطت ببعض الوزراء". مع العلم أن أي طرف لم يقدم أي دليل بحق الوزراء المعنيين وهم وزير الصحة الهادي خيري والعدل يوسف الزواغي والطاقة سفيان بن تونس، فضلاً عن غياب أي ملاحقات أو إدانات قضائية بحقهم.

وأكد بن سالم أن "مجلس الشورى كان قد طالب بعدم تزكية كل الحكومة، واستثناء هؤلاء الوزراء، ولكن القيادة التنفيذية لم تشأ إغضاب حزب قلب تونس، وكان هذا على حساب البلاد، فيما قرر الرئيس عدم قبولهم لتأدية اليمين، ما أدى إلى بقاء الحكومة مشلولة لفترة طويلة".

وتابع أنّ "مجلس الشورى ومنذ أسابيع عدة، طالب بحكومة سياسية، ولكن حصل تقاعس لإرضاء الحلفاء المتمسكين ببقاء المشيشي وحكومته، وفي مراعاة هؤلاء لم تتم مراعاة مصلحة البلاد، ما أعطى فرصة للرئيس للخروج عن الدستور".

واعتبر بن سالم أنّ "المطلوب من حركة النهضة الآن قيادة أزمة، ومن ورّط الحركة في قرارات لا شعبية عليه أن يتراجع للخلف، وتتقدم قيادات تحظى بالمصداقية والحسّ الثوري، وتكون قادرة على لقاء بقية الأحزاب من أجل قيام تكتل مناهض للدكتاتورية، يكون قادراً على التحاور مع رئيس الجمهورية، فهو منتخب وليس من المنظومة القديمة وليس من الثورة المضادة ولا يوجد سبب لعدائه أو التهجم عليه".

من جهته، قال المستشار الخاص لرئيس حركة النهضة، سامي الطريقي، إنّ الحركة "مطالبة اليوم بالقيام بمراجعات، وهي في الحقيقة انطلقت في ذلك منذ فترة"، مبيناً أنّ "الوضع الاجتماعي كان محتقناً وينبئ بالانفجار، واستمراره كان يشير إلى أنّ المقبل أسوأ وإلى سرعة الانهيار، وهذا الوضع سهّل إجراءات 25 يوليو".

وأوضح الطريقي أنّ "النهضة تتفهم دوافع القرارات المعلنة من قبل الرئيس، وتعتبر في الوقت نفسه أن ما حدث في تونس فيه تعسّف، وهناك إجماع لدى الحقوقيين أن هذا مخالف للفصل 80 (من الدستور الذي يقول سعيّد إنه استند عليه في قراراته)، وتخوفات الحركة سببها أن هذه القرارات لم تتم مرافقتها بخريطة طريق واضحة".

واعتبر المتحدث نفسه أنّ "التحرك الشبابي داخل حركة النهضة، والذي يطالب القيادة بإحداث التغيير، مفهوم، ولكن ليس التغيير الشامل الذي يكون بترحيل جميع القيادات". وبين أنّ "هدف هذا التفكير تجنيب البلاد حالة المواجهة الفكرية والأيديولوجية التي لا تساعد على تنمية مناخ قادر على إيجاد أطر للحوار الذي يمكّن من استرجاع حالة السير العادي والطبيعي لدواليب الدولة". وأفاد بأنّ "لا خوف من الشباب الذي طالب بتصحيح المسار، وكثيرون من القيادات أيضاً يتحدثون عن ضرورة الوحدة لأنّ هناك قناعة بأنّ حركة النهضة هي رصيد حقيقي بقطع النظر عن الحالة المزاجية الطاغية الآن، ورصيد النهضة ثابت والحركة موجودة وهي رقم من الأرقام التي تحتاجها البلاد، ولا بدّ من استثمار تراكم التجربة لديها".

وقال "نتفهم المزاج العام، والحركة تعترف بأنّ هناك أخطاء ارتكبتها، ومنها دعم حكومة غير قادرة على العمل، وكان يمكن للنهضة عند الفشل في تمرير الحكومة الأولى (حكومة الحبيب الجملي) أن تبقى في المعارضة، حيث ظلّت محاصرة في منظومة الحكم، وقد تكون هناك الآن فرصة جديدة لتقديم مقاربات أخرى وبقيادة جديدة". وأضاف أنّ "النقاش داخل الحركة الآن هو حول كيف نسهل ونساعد على الحوار مع الأطراف المعنية ومؤسسة الرئاسة، للذهاب لمرحلة جديدة تسمى جمهورية ثانية أو ثالثة، ولكن الأهم أن يكون ذلك في إطار وضع ومناخ غير متوتر، فنذهب إلى مرحلة أخرى، ويتم بالتالي حسم الخلافات السياسية انتخابياً وعبر صناديق الاقتراع، وتكون الشرعية الانتخابية قائمة على المصداقية ومرافقة بقدر عال من المشروعية غير المشكك فيها وطنياً ودولياً، وتبقى تونس منارة وحاضنة لقيم الشراكة وراعية للتنوع وقاطعة مع فكر المغالبة".

ولكن الخلافات العميقة داخل حركة النهضة ليست جديدة، وقد شهدت الحركة تقلبات كثيرة خلال السنوات الماضية، وأدت إلى حصول استقالات لقيادات مهمة داخلها، من بينها مثلاً عبد الحميد الجلاصي ولطفي زيتون.

وقال زيتون، الذي كان مستشاراً سياسياً للغنوشي ورفيق دربه على مدى عقود، وأحد المنظرين لتحديث الحركة، إنه

"منذ سنوات أصبح وجودي داخل النهضة مقلقاً، على اعتبار ما كنت أشعر به من انفصام متزايد بين الحركة وعامة الناس، والإصرار الشديد على البقاء داخل المربع الأيديولوجي والاستغناء به عن إنتاج برامج وحلول لمشاكل البلاد السياسية والاقتصادية والتربوية والصحية. وهذا الانحباس داخل الأيديولوجيا تعاني منه بالمناسبة كل مكونات الساحة السياسية التونسية التي عجزت جميعها عن التحول إلى أحزاب وطنية مبنية على البرامج العملية ومنفتحة على كل فئات الشعب.

ولكن الأمر في النهضة يكتسي أهمية أكبر باعتبار أنّ الأيديولوجيا التي تعتمدها هي الإسلام السياسي، وهي تتعلق بالمكون الأساسي لهوية التونسيين، ما عمّق الموقف السلبي من الحركة باعتبارها في نظر الجمهور فاشلة سياسياً، ومحتكرة لملكية عامة ثمينة هي الإسلام".

ورأى زيتون أنّ "العامل الثاني الذي غذى الموقف الشعبي السلبي من النهضة، هو أنه بفعل اتساع قاعدتها الاجتماعية مقارنة ببقية الأحزاب، فقد استمر وجودها في السلطة خلال كامل السنوات العشر الماضية، وحتى في الأوقات القصيرة التي لم تكن موجودة، كان نفوذها وتأثيرها بارزين للعيان".

وبرأي زيتون "كان المؤتمر العاشر للحركة (عقد في مايو/أيار 2016) فرصة أخيرة، نسبة لمخرجاته التي كانت في أغلبها في الاتجاه الصحيح، ولكن سرعان ما وقعت الانتكاسة بسبب نتائج الانتخابات البلدية (2018) التي أوهمت قيادة النهضة بأن الحركة هي الطرف الأقوى في البلاد، فبدأت في عملية تفكيك حركة نداء تونس، المنافس الأقوى، وقطع العلاقة مع رئيس الجمهورية حينها، الباجي قائد السبسي، والتحالف مع رئيس حكومته، يوسف الشاهد. ثم جاءت انتخابات 2019 التي عادت فيها النهضة من خلال خطابها إلى عمق الأيديولوجيا، وعادت مقولات الإسلام السياسي لتهيمن على الخطاب السياسي للحركة التي فشلت في تكوين حكومة أولى برئاستها، وساهمت في إسقاط الحكومة الثانية، وقد كانت ممثلة فيها بعشر وزارات، لأسباب واهية متعلقة في أغلبها بصراع المواقع داخل الحركة، وقد أعلنتُ وقتها الاستقالة من موقع المستشار السياسي لرئيس النهضة، لتبدأ حملة شيطنة تجاهي على المستوى القيادي والقاعدي".

واعتبر زيتون أنّ "الحركة بلغت خمسين سنة من عمرها وفقدت القدرة على التجديد الفكري والسياسي والهيكلي، ولم تستطع بناء علاقة صحية مع شعبها بفعل إصرارها على مقولات تجاوزها الزمن، وعلى سلوك انغلاقي تجاه مختلف مكونات الشعب".

وبخصوص المشهد العام في تونس، رأى زيتون أن "ما وقع هو نوع من الرجة التي كانت ضرورية لإيقاف الانهيار والتدهور، والآن البلاد أمام مفترق طريقين؛ إما الاحتفاظ بالمكاسب التي تحققت خلال العشرية الماضية وخاصة الحرية وحكم المؤسسات مع القطع مع ما طرأ حولها من فساد وانحرافات واستهانة بهيبة الدولة وضعف الكفاءة والمحسوبية، أو محاولة هدم كل البناء والقطيعة الكاملة مع الماضي وهو مسلك يفتح مصير البلاد على المجهول".

المصدر | العربي الجديد