الخميس 5 أغسطس 2021 12:59 م

مع حلول ذكرى تفجير مرفأ بيروت، لا يزال أهالي الضحايا ينتظرون الحقيقة حيث يعرقل التدخل السياسي عمل القضاء بينما يكافح الشعب اللبناني ضد إفلات المسؤولين من العقاب.

وفي هذا السياق، تجمع حشد كبير في 14 يوليو/تموز أمام منزل وزير الداخلية اللبناني "محمد فهمي" وواجهوا قوات الأمن التي تحمي المنزل، وكان لديهم مطلب واحد مشترك هو تحقيق العدالة لضحايا انفجار 4 أغسطس/آب 2020 ومنع إفلات المتورطين في الكارثة من العقاب.

وفي هذا اليوم، اضطر الوزير لمغادرة  منزله حيث خلفت الاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن عشرات الجرحى.

وحمل المتظاهرون صور أقاربهم المتوفين ونعوشا رمزية، واتهم أهالي الضحايا السلطات اللبنانية بالسعي لدفن الملف وعرقلة عمل العدالة. وبالفعل رفض وزير الداخلية في نفس اليوم حق القاضي "طارق بيطار" في استجواب مدير الأمن العام "عباس إبراهيم" للتحقيق في الانفجار، علاوة على ذلك، يعارض البرلمان منذ أسابيع رفع الحصانة عن 3 نواب متورطين في الكارثة.

وكما هو معلوم فقد أدى الانفجار المروع إلى مقتل 217 شخصًا وإصابة 7 آلاف آخرين كما دمر عدة أحياء في العاصمة اللبنانية نتيجة تخزين كميات هائلة من نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت دون إجراءات وقائية.

وقد حذر مسؤولون بارزون قبل الحادث من المخاطر الأمنية التي تشكلها الكمية الكبيرة من نترات الأمونيوم. وفي الواقع، تم إرسال العديد من الطلبات والتحذيرات إلى السلطات من قبل القضاء والأمن العام وكان آخرها قبل أسبوعين فقط من الانفجار.

وتشك عائلات الضحايا ومنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية في التدخل السياسي في الشؤون القضائية، فبعد مرور عام تقريبًا على انفجار بيروت، لم يتم الإعلان عن أي نتائج ملموسة، بالرغم أن السلطات اللبنانية وعدت بعد الانفجار بأن التحقيق "سيستغرق 5 أيام فقط".

وقالت "هيومن رايتس ووتش" إنها وثّقت "العديد من نقاط القصور في التحقيق المحلي والتي تجعله غير قادر على تحقيق العدالة بشكل موثوق"، مشيرة إلى "التدخل السياسي الفاضح، وإفلات كبار المسؤولين السياسيين من العقاب، وعدم احترام معايير المحاكمة العادلة".

معركة يائسة ضد الإفلات من العقاب

مرت أسابيع على طلب المحقق العدلي القاضي "طارق بيطار" الاستماع إلى إفادات عدد من المسؤولين الحاليين والسابقين في الأمن العام والجيش والبرلمان. ومن المتوقع أن تدلي شخصيات بارزة مثل مدير الأمن العام، وكذلك 4 نواب و 3 وزراء سابقين، بإفادات أمام القاضي.

في غضون ذلك، غادر قائد الجيش السابق "جان قهوجي" لبنان نهائيا ولا ينوي المثول أمام القضاء. ويسلط هذا التهرب الواضح من قبل "قهوجي" الضوء على سبب حاجة القاضي "بيطار" إلى إذن من السلطات لملاحقة جميع المسؤولين المتورطين في الانفجار، وهو الأمر الذي لم يتم منحه حتى الآن، بحجة أن لديهم حصانة برلمانية.

على سبيل المثال، لن يمثل "علي حسن خليل" -وزير المالية السابق ومساعد رئيس مجلس النواب "نبيه بري"- أمام النائب العام. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن "خليل" يخضع حاليًا للعقوبات الأمريكية، إلى جانب وزير الداخلية السابق "نهاد المشنوق" المقرب من رئيس الوزراء الأسبق "سعد الحريري".

وبالرغم من تقديم طلب برفع الحصانة عن هؤلاء النواب إلى رئاسة مجلس النواب ولجنة العدل، فمن المرجح أن يتم رفضه. ويعارض نواب الأحزاب السياسية البارزة في لبنان -"أمل" و"تيار المستقبل" و"حزب الله"- مثل هذا الإجراء.

وهكذا يشهد اللبنانيون عملية التجاذب بين قاضي التحقيق والبرلمان اللبناني. وقد طالب مجلس النواب القاضي "بيطار" بتقديم المزيد من الأدلة التي تشير إلى تورط النواب، وهو ما رفضه القاضي متذرعا باستقلالية العدالة وسرية القضاء.

ودعا نقيب المحامين في بيروت "ملحم خلف"، الذي انتخب بدعم من ثورة 17 أكتوبر/تشرين الأول التي اندلعت عام 2019، إلى "استثناء جريمة تفجير الميناء من نطاق حصانة المسؤولين". وقال "خلف" لموقع "إنسايد أرابيا" أنه "يجب اعتبارها جريمة من جرائم القانون العام وفقًا للمادة 70 من الدستور وبالتالي فهي لا تدخل في إطار الحصانة"، مؤكدا أن "هذه الجريمة لا يمكن اعتبارها حادثًا عاديا".

عائلات الضحايا تطالب بالحقيقة

قال "وليام نون" المتحدث باسم جمعية عوائل شهداء مرفأ بيروت إنه سيتم تنظيم عدة مظاهرات عامة ليكون ذكرى تفجير 4 أغسطس/آب "يوم الغضب الشعبي".

ولم يتعهد "نون" بمواصلة سلمية الاحتجاجات، مشيرًا إلى القمع العنيف الذي تعرض له المتظاهرون خلال تجمعاتهم السابقة. وأكد "نون" أن "الناس لم يعد لديهم ما يخسرونه وهم مستعدون للمواجهة المفتوحة مع السلطات حتى يتم رفع الحصانة وجميع العقبات الأخرى أمام التحقيق".

وأعربت الناشطة "لين منيمه" عن دعمها لعائلات الضحايا بصفتها عضوا في مجموعة "منتشرين" الشبابية المعارضة والتي شاركت في معظم الاحتجاجات المتعلقة بانفجار بيروت. وقالت "منيمه": "سوف نذهب إلى منزل كل مسؤول متورط في انفجار بيروت، ونجعل أصواتنا مسموعة".

ويطالب أهالي الضحايا بإصدار لائحة اتهام على وجه السرعة ومثول جميع المتورطين أمام المحاكم الدولية، خاصة أنهم يعتقدون أن نظام القضاء المحلي لن يكون قادرًا على محاسبة المسؤولين. بالإضافة إلى ذلك، تم تقديم أكثر من 1000 شكوى من قبل نقابة المحامين في بيروت فيما يتعلق بالتحقيق.

ومع ذلك، يمكن للعديد من العقبات أن تمنع عائلات الضحايا من مقاضاة المسؤولين الحكوميين.

ولقيت التحركات السلمية لعائلات الضحايا تشجيعا من منظمة العفو الدولية. فبعد يومين من المظاهرة أمام منزل "فهمي"، أصدرت المنظمة بيانًا صحفيًا لدعم العائلات والقاضي "بيطار"، ودعت إلى تشكيل بعثة تحقيق دولية في انفجار بيروت.

 معوقات التحقيق

وقالت "سحر مندور"، الباحثة في منظمة العفو الدولية في لبنان، إن هناك نوعين من المعوقات التي تمنع ظهور الحقيقة فيما يتعلق بانفجار بيروت. أولا العوائق المنهجية، بما في ذلك عدم استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية، وثانيًا التحديات الإجرائية مثل التدخل السياسي الفاضح وعدم احترام معايير المحاكمة العادلة وانتهاك الإجراءات القانونية فضلاً عن إفلات كبار المسؤولين من العقاب.

وفي آخر التطورات، سعى البرلمان إلى تجاوز القضاء فيما يتعلق بالإجراءات الجنائية الخاصة برئيس مجلس الوزراء والوزراء المتهمين بالخيانة العظمى أو الإخلال الجسيم بواجبهم.

وبموجب هذا الإجراء، لا يمكن البت في قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس. ويشكل ذلك تعديًا على السلطة القضائية وانتهاكًا لمبدأ فصل السلطات حيث سيصبح البرلمان قاضياً وطرفاً. 

ويبدو أن السلطات السياسية اللبنانية تستغل كل إمكانياتها لعرقلة التحقيق في الوقت الذي تواجه فيه بالفعل ضغوطًا دولية واتهامات بالمسؤولية عن الانهيار الاقتصادي غير المسبوق في البلاد.

وهكذا، بالرغم من مرور عام على الانفجار المرو، في 4 أغسطس/آب، لا تزال حقيقة ما حدث والمسؤولين عنه غير مؤكدة. ويبقى مصير التحقيق مرهونا بضغط أهالي الضحايا لتحقيق العدالة للمتضررين من هذه الكارثة الهائلة التي تعتبر أقوى انفجار غير نووي في التاريخ.

المصدر | سامي إرشوف - انسايد أرابيا – ترجمة وتحرير الخليج الجديد