الخميس 5 أغسطس 2021 08:09 م

عندما استولت "طالبان" على مدينة "مزار شريف" شمال غرب أفغانستان في أغسطس/آب 1998، هاجم مسلحون القنصلية الإيرانية هناك، ما أسفر عن مقتل 10 دبلوماسيين بالإضافة إلى مراسل وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية "إرنا"، الذي لجأ إلى البعثة الدبلوماسية.

ويرى الإيرانيون حتى الآن أن هذه الذكرى المأساوية من أخطر الجرائم التي ارتكبتها حركة "طالبان". وأثار الحادث على الفور غضب الإيرانيين مما دفع طهران إلى حافة ضربة عسكرية شاملة ضد "طالبان" قبل أن يتم إيقافها بأمر من المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي".

وبعد مرور 23 عاما على مقتل الدبلوماسيين والصحفيين الإيرانيين في أفغانستان، تواصل "طالبان" إنكار أي دور لها في عمليات القتل. ويعتقد بعض النقاد في إيران أن الهجمات على القنصلية الإيرانية تم ترتيبها مع جهاز استخبارات لدولة ثالثة، على الأرجح باكستان.

ومع اقتراب الذكرى السنوية للحادث، أصبحت أفغانستان مرة أخرى الموضوع المهيمن على طاولة الحوار داخل إيران. وبينما تكمل الولايات المتحدة انسحاب قواتها، تواصل طالبان توسيع سيطرتها على الأراضي، ما أدى إلى تصعيد حاد للعنف على الحدود الإيرانية أثار مخاوف كبيرة لدى طهران.

ولدرء هذه المخاوف، حسنت إيران علاقتها مع طالبان. وكانت طهران قد انخرطت في محادثات سرية مع الحركة التي سافر كبار مسؤوليها في كثير من الأحيان إلى إيران. ورحب وزير الخارجية الإيراني المنتهية ولايته "جواد ظريف" علانية بمسؤولي طالبان في طهران مرتين في الأشهر الأخيرة، كما التقى وفد طالبان بمسؤولين أمنيين كبار في العاصمة الإيرانية.

وفي موازاة ذلك، سعت بعض وسائل الإعلام المقربة من نظام الملالي والهيئات العسكرية إلى رسم صورة مختلفة وأكثر جاذبية لطالبان، ومقارنتها بشكل إيجابي بـ"الجماعات الإرهابية سيئة السمعة" الأخرى مثل تنظيمي "الدولة" و"القاعدة".

وتعتبر إيران صعود طالبان رمزا لفشل الولايات المتحدة وطردها من أفغانستان. وفي افتتاحية لصحيفة "جافان" شديدة المحافظة، كتب مدير التحرير "عبدالله غانجي" أن "طرد القوات الأمريكية من أفغانستان كان الهدف الذي سعى إليه اللواء قاسم سليماني"، مضيفا: "إذا كانت طالبان قد ساعدت في تحقيق هذا الهدف، فقد تم تأمين مصالحنا الوطنية وأمننا أيضا".

وعلى نفس المنوال، كتب موقع "المشرق" الإخباري المتشدد، التابع للحرس الثوري: "بعد أعوام من الحرب في العراق وسوريا وأفغانستان، تقوم الولايات المتحدة عمليا بتسليمها إلى إيران، وهنا يأتي دور إدارة بايدن لتمهيد مسرح آخر في الشرق الأوسط لصالح إيران".

حتى إن بعض وسائل الإعلام التي لها علاقات مع المعسكر الإيراني المتشدد انتقدت وسائل الإعلام الدولية في تغطيتها بشأن حركة طالبان. وقالت هذه المنافذ إن وسائل الإعلام العالمية متحيزة ضد طالبان وصورتهم على أنهم أكثر عنفا مما هم عليه في الواقع.

"طالبان" تشن هجوم دبلوماسي

وأثار الموقف المؤيد لحركة طالبان الذي تبنته وسائل الإعلام الموالية للنظام في إيران ردود فعل واسعة النطاق داخل إيران، وكذلك بين الأفغان. وتساءل الكثيرون كيف تم الاعتراف بجماعة موصومة بأنها "إرهابية" من قبل بعض المسؤولين الإيرانيين باعتبارها "حركة نبيلة". ويرى بعض الخبراء والمحللين أن مثل هذه المواقف تجاه طالبان "ساذجة ومثيرة للضحك وغير واقعية"، مستشهدين بخلفية طالبان وسلوكها على الأرض.

من جانبها، شرعت حركة طالبان مؤخرا في حملة لتحسين صورتها في أذهان الإيرانيين. وفي محاولة لاستعادة الهيبة، زار ممثلو طالبان السفارة الإيرانية في الدوحة العام الماضي لتقديم تعازيهم بعد مقتل العالم النووي الإيراني "محسن فخري زاده" في هجوم ألقي باللوم فيه على إسرائيل.

علاوة على ذلك، أجرى مسؤولو طالبان مقابلات متعددة مع وسائل الإعلام الإيرانية في الأسابيع الأخيرة، حيث تسعى الحركة لتهدئة مخاوف طهران وتقديم ضمانات قوية حول التحولات في سياساتها القائمة منذ فترة طويلة.

وتعليقا على مستقبل العلاقات مع إيران، قال المتحدث باسم طالبان، "ذبيح الله مجاهد"، لوكالة "إنصاف نيوز" الإيرانية في منتصف شهر يوليو/تموز: "لا شك في أننا نعتزم إقامة روابط أخوية وقوية مع جمهورية إيران الإسلامية. إيران هي جارتنا التي نتشارك معها القيم. لذلك، نحن بحاجة إلى علاقات جيدة مبنية على الثقة المتبادلة مع إيران. وسوف نبذل قصارى جهدنا لبناء الثقة. ومع ذلك، سيكون للجانب الإيراني خيار أن يثق بنا أو لا".

الإيرانيون ما زالوا متشككين

وبالرغم أن المتحدثين باسم طالبان شددوا على ضبط النفس والعلاقات الجيدة مع إيران ودول الجوار الأخرى، إلا أن معظم الإيرانيين ما يزالون غير واثقين من الحركة "سيئة السمعة" هناك. وهناك قلق متزايد من أن إعادة تأسيس طالبان لـ"إمارة أفغانستان الإسلامية" من شأنه أن يقدم فرصة كبيرة لأكثر من 20 "جماعة إرهابية" تعمل في الدولة التي مزقتها الحرب، بما في ذلك تنظيم "القاعدة" وتنظيم "الدولة الإسلامية في خراسان".

وإذا واصلت هذه الجماعات أنشطتها بدعم ضمني أو علني من طالبان، فقد تنطلق موجة جديدة من العنف وانعدام الأمن على طول الحدود الشرقية التي يسهل اختراقها لإيران.

وبينما حاولت المؤسسة الإيرانية المحافظة إقامة علاقات أفضل بين طالبان وحكومة كابل، ما يزال العديد من الإيرانيين غير مقتنعين بجدوى العلاقة مع طالبان. وفي مقال افتتاحي في عددها الصادر في 14 يوليو/تموز، كتبت صحيفة "اعتماد" الإصلاحية: "في حال وصولها إلى السلطة في أفغانستان، لا يمكن الاعتماد على طالبان بأي حال من الأحوال.. سوف يصبحون أدوات في يد الولايات المتحدة والسعودية وقوى أخرى ضد إيران"، مشيرة إلى أن "طالبان ستتحول على المدى الطويل إلى تهديد خطير لطهران".

وفي حين احتضنت إيران طالبان علنا، فإن أفعالها تعكس شكوكها، بما في ذلك إغلاق القنصلية الإيرانية في "بلخ"، ونشر القوات والمعدات العسكرية على طول 900 كيلومتر من الحدود المشتركة مع أفغانستان لمواجهة أي محاولات محتملة لدخول متمردي طالبان إلى الأراضي الإيرانية.

ويقع التعامل مع أفغانستان ضمن نطاق سلطة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، لكن هذه الأزمة حلت بإيران في أسوأ الأوقات. ويمكن لانعدام الأمن على طول الحدود الشرقية، في وقت تواجه فيه إيران بالفعل العديد من المشاكل السياسية والاقتصادية، إجهاد جزء كبير من القدرة العسكرية للجمهورية الإسلامية في تأمين الحدود مع أفغانستان، وبالتالي تقويض يد إيران في العراق وسوريا ولبنان.

وفي غضون ذلك، أصدر مركز الأبحاث التابع للبرلمان الإيراني تقريرا في 4 يوليو/تموز يحذر المسؤولين الإيرانيين ضمنا من امتداد الصراع في أفغانستان وعواقب سيطرة طالبان. وتطرق التقرير إلى تهديد الجماعات الجهادية لإيران، والقيود المفروضة على الأقلية الشيعية في أفغانستان، واحتمال تدفق اللاجئين الأفغان إلى إيران. وأوصى التقرير بدخول طهران في محادثات بهدف تخفيض حدة الصراع العسكري بين طالبان والحكومة الأفغانية".

ومع انتشار مقاطع الفيديو التي تصور أعمال العنف المروعة لطالبان، قامت بعض وسائل الإعلام الحكومية في إيران بمراجعة سرديتها السابقة حول الحركة. وقامت صحيفة "كيهان" المتشددة، المرتبطة ارتباطا وثيقا بمكتب المرشد الأعلى الإيراني، بتغيير جذري في سياستها التحريرية بعد عدة أيام من زعمها أن "طالبان قد تغيرت بشكل جذري".

وصححت الصحيفة موقفها في 9 يوليو/تموز، فكتبت أن "الموقف الذي تبنته طالبان للسيطرة على أفغانستان يعني إجبار جميع القبائل والطوائف الأخرى على الطاعة الكاملة لحكمهم المطلق، أي الشمولية الحديثة. وإذا سيطرت الحركة على أفغانستان، فسوف تتراجع عن تعهداتها وتحمل السلاح لإجبار الآخرين على الصمت".

كما علق بعض كبار رجال الدين الشيعة في إيران على الأحداث الأخيرة في أفغانستان، بالقول: "وضع الثقة في طالبان بعد سجلها من المجازر سيكون خطأ كبيرا لا يمكن إصلاحه".

ولتخفيف بعض هذه المخاوف وربما إنهاء مثل هذه الانتقادات، سافر قائد فيلق القدس "إسماعيل قآني"، الذي كان مشاركا منذ عقود في شؤون الجارة الشرقية لإيران، إلى مدينة "قم" المقدسة الأسبوع الماضي والتقى بزعماء دينيين وكبار "آيات الله" هناك.

المرونة في مواجهة عودة "طالبان"

ومع تولي الرئيس المنتخب "إبراهيم رئيسي" منصبه هذا الشهر، ستكون قضية طالبان ثاني أهم قضية في السياسة الخارجية أمام إدارته، بعد إحياء الاتفاق النووي الإيراني مع الولايات المتحدة.

وبالرغم أن الروابط الثقافية والعوامل الجيوسياسية منحت طهران فرصة ممارسة نفوذ كبير في أفغانستان خلال العقدين التاليين للإطاحة بطالبان من السلطة عام 2001 على يد الولايات المتحدة، تدرك إيران تماما أن التمكين الحالي والمستقبلي لطالبان من شأنه أن يهدر الاستثمار الإيراني الضخم في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية في أفغانستان، ما يعني فقدان إيران نفوذها هناك.

وفي الوقت الحالي، تواجه إيران خيارات محدودة في التعامل مع الأزمة الأفغانية، فإما أن تلقي بثقلها ودعمها وراء طالبان، أو بدلا من ذلك إغضابها من خلال مساعدة الحكومة الأفغانية المحبطة والضعيفة.

وفي ضوء تقدم حركة طالبان وحقيقة أن على طهران التعامل مع طالبان وليس الحكومة الأفغانية على طول حدودهما المشتركة، ونظرا للفساد وعدم الكفاءة والاقتتال السياسي في كابل، سعت طهران إلى اتباع نهج براجماتي ثالث، باتباع التوازن في علاقاتها مع كلا طرفي الصراع.

ويعكس هذا النهج شكوك إيران من كلا الجانبين؛ ففي حين لا تثق إيران في طالبان، فإن الحكومة الأفغانية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة ليست حليفا لإيران أيضا.

ويتمثل الخط الأحمر لإيران في أفغانستان اليوم في تشكيل حكومة تديرها طالبان بالكامل. لذلك صرح قادة إيران أكثر من مرة بضرورة إبرام تسوية بين الحكومة الأفغانية والجماعات الأخرى من خلال الحوار. 

وفي هذا الصدد، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية "سعيد خطيب زاده": "طالبان لم ولن تكون أفغانستان بأكملها. المهم بالنسبة لنا هو تشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة يتم فيها تمثيل جميع المجموعات الأفغانية والتوصل إلى حل سلمي ومستدام في هذا البلد".

وإذا اختارت طالبان عدم وضع كل بيضها في سلة واحدة والاعتماد فقط على حليفها التقليدي، باكستان، فسيتعين عليها إقامة علاقات جيدة مع الدول المجاورة، ولا سيما إيران. وإدراكا لهذه النقطة المهمة، واستبعادا لاحتمال وصول طالبان إلى السلطة الكاملة في أفغانستان، تحاول طهران الحصول على بعض الضمانات من طالبان بشأن أمن الحدود وحماية الشيعة هناك.

واليوم، تمثل طالبان واقع لابد من الاعتراف به. وعلى مدى الأعوام الـ20 الماضية، تعرضت طالبان لحرب شرسة قادتها الولايات المتحدة ولكنها فشلت في تدميرها. وتتمتع طالبان بقاعدة اجتماعية ومستويات عالية من الدعم في بعض أجزاء أفغانستان، وبالتالي يجب الاعتراف بوجودها، رغم أنه بغيض.

وقد يبدو تشكيل حكومة تشاركية في أفغانستان بمثابة حلم لن يتحقق أبدا. لكن الواضح أن حركة طالبان قد لا يتم كبح جماحها إلا من خلال التوافق والتعاون الوثيق بين جميع الدول التي ستتأثر من الأزمة في أفغانستان. ولا يمكن لأي دولة أن تضمن مصالحها الخاصة من خلال تجاهل مصالح جيرانها على المدى الطويل.

المصدر | محمد هاشمي/منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد