الأربعاء 11 أغسطس 2021 12:04 م

تركز معظم تقييمات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان على نتيجتين رئيسيتين هما تحديات حقوق الإنسان فيما بعد الانسحاب وخاصة بالنسبة للنساء، أما الأمر الآخر فهو انتقال أفغانستان إلى قاعدة للضربات الإرهابية ضد القوى الأجنبية.

وهذه ليست بالضرورة تصورات خاطئة بالنظر إلى تاريخ سيطرة طالبان الأولى على لأفغانستان. فقد تقوم طالبان مرة أخرى بتجنيد أو إيواء مقاتلين أجانب. وبالفعل، يقال إنهم يعملون بالفعل مع الجماعات الطاجيكية المسلحة على طول الحدود مع طاجيكستان.

ويمكن أن تؤدي الاضطرابات إلى خلق مساحة يمكن للمقاتلين الأجانب أن يستخدموها في التدريب والتخطيط لهجمات على البلدان المجاورة أو على الصعيد الدولي. إن حماية طالبان لـ"أسامة بن لادن" و"القاعدة" قبل 20 عامًا تشير إلى أن هذا النمط قد يتكرر لتصبح أفغانستان مرة أخرى مصدرا لهجوم 11 سبتمبر/أيلول القادم.

لكن من المهم أيضًا البحث في كافة الأبعاد لتوقع النموذج المستقبلي. ففي كتابه "دروس من الماضي.. استخدام وإساءة استخدام التاريخ في السياسة الخارجية الأمريكية"، كتب "إرنست ماي" أن "صانعي السياسة يستخدمون التاريخ بشكل سيئ في العادة. وعند اللجوء إلى القياس، فإنهم يميلون إلى اغتنام أول ما يتبادر إلى الذهن. إنهم لا يبحثون على نطاق أوسع. كما أنهم لا يتوقفون لتحليل القضية أو اختبار ملاءمتها أو حتى السؤال عن الطرق التي قد تكون مضللة".

وإذا أخذنا كلمات "ماي" للاسترشاد بها، فإن القصد هنا ليس التأكيد على تقييم جديد لطالبان، بل تقديم عوامل إضافية للنظر فيها عند دراسة مستقبل أفغانستان.

ومع تحول العقلية الأمنية للولايات المتحدة من صراعات مكافحة الإرهاب والتمرد إلى المنافسة مع الصين، ستجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتدخلاتها العسكرية. وسيكون هذا صعبًا نظرًا لأن هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول قد شكلت جيلًا من القادة العسكريين والمفكرين الأمريكيين.

لقد سيطرت الحرب ضد الإرهاب والتمرد أيضًا على دورات تدريب ونشر أفراد الخدمة الأمريكية. ومن الطبيعي أن تكون هذه التجربة هي العدسة الأساسية التي من خلالها تراقب الولايات المتحدة وتقيم التهديدات المحتملة. وكما يقول المثل، عندما يكون كل ما لديك أو كل ما تفكر به هو مطرقة، فإن كل شيء يبدو وكأنه مسمار.

ربما كانت التقييمات المستندة إلى تجارب طالبان في أواخر التسعينات ثم عمليات مكافحة التمرد في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، دقيقة تمامًا في يوم من الأيام. لكن الزمن تغير، كما تغيرت الظروف وتوازنات القوى الإقليمية. وبالنظر إلى هذا السياق المتغير والدروس التي تعلمتها طالبان نفسها على مر السنين، أزعم أن هناك حاجة لمراجعة تلك التقييمات والافتراضات من خلال التعامل مع الأسئلة الأساسية الثلاثة التالية كما لو كانت جديدة:

1. ما هي طالبان؟

2. ماذا تعلمت طالبان من الصراعات في أفغانستان والعراق وسوريا؟

3. ماذا تعلمت طالبان من 11 سبتمبر/أيلول؟

ما هي طالبان؟

هذا سؤال مهم لأنه يساعد في تحديد أهداف الحركة، وكذلك بعض قدراتها ونقاط ضعفها. إن الافتراض الشائع هو أن طالبان منظمة إرهابية عازمة على فرض الشريعة الإسلامية في أفغانستان وخارجها، وأن لديها استعدادا بشأن استضافة جهاديين دوليين أجانب عازمين على مهاجمة الولايات المتحدة أو أوروبا. باختصار، طالبان جزء من حركة جهادية عابرة للحدود تسعى للإطاحة بالنظام الغربي عالميًا.

لكن ماذا لو غيّرنا وجهات النظر، ونظرنا إلى المجموعة في سياق حركات ثورية أخرى؟ في ضوء ذلك، يمكننا وصف حركة طالبان على أنها حركة إثنوغرافية دينية قومية، عازمة على إعادة بناء أفغانستان السابقة المتصورة والتي كانت قوية وواثقة من نفسها ومتكاملة في أنماط التجارة والسلطة الإقليمية المحدودة، فضلاً عن كونها قادرة على الدفاع عن مصالحها الخاصة.

من خلال هذا الإطار، سيكون لدى طالبان أهداف محلية أكثر - ربما تنتشر في باكستان وإيران أو أجزاء من آسيا الوسطى - لكن من الواضح أنها مقيدة في نطاقها. وهذا المنظور لا يعني الاستبعاد الكامل لإمكانية استخدام طالبان للمقاتلين الأجانب لتحقيق أهدافها لكنه يضع جغرافيا أفغانستان في مركز اهتمام الحركة، وليس القوى الغربية البعيدة.

وكانت طالبان قد حققت هذا الهدف تقريبًا في أواخر التسعينات وحتى هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001. وكانت قواتها قد دفعت التحالف الشمالي إلى الوراء، وبدأت في تعزيز قوتها في أجزاء رئيسية من أفغانستان، واستولت على كابل.

كما أقامت طالبان علاقات دبلوماسية مع باكستان والسعودية والإمارات، وكانت تجري مناقشات مع دول أخرى (بما في ذلك الصين).

وبالرغم من الاحتلال السوفييتي السابق، لم توجه حركة طالبان أنشطتها نحو مهاجمة روسيا. وشارك مقاتلو طالبان بشكل دوري في اشتباكات على طول حدود أفغانستان، لكن تلك الهجمات كانت في الغالب تتعلق بضرب قوات المعارضة الداخلية أو تأكيد مطالباتهم بأفغانستان التاريخية الأكبر، بدلاً من محاولة مهاجمة القوات الروسية.

وبعد احتلالها لكابل في عام 1996، سعت طالبان للحصول على اعتراف من الأمم المتحدة لكنها قوبلت بالرفض مرارًا وتكرارًا، مما وجه تركيزها إلى الداخل. ومع ذلك، قامت المجموعة بحماية "أسامة بن لادن" ورفضت تسليمه بعد هجمات 1998 على السفارة في كينيا وتنزانيا، وهجوم 2000 على المدمرة "يو إس إس كول"، وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول2001، والتي سنتناولها بشكل أكبر في السؤال الأخير.

ماذا تعلمت طالبان من العراق وسوريا؟

تدرك طالبان ميزتها الإستراتيجية طويلة المدى في القتال على أراضيها ولعل هذا السبب في اعتبار أفغانستان "مقبرة الإمبراطوريات". وترى طالبان الانسحاب المستمر للقوات الأمريكية كمثال آخر على أن الصمود والإصرار يمكن أن يطرد القوات الأجنبية. ومع ذلك، فقد أظهر التاريخ أيضًا أن هذه المثابرة تأتي على حساب الأرواح والاقتصاد والبنية التحتية، بعبارة أخرى، يتسبب ذلك في إضعاف أفغانستان وتمزيقها.

وتتبنى طالبان سردية أنه حتى مع ضعفها التكنولوجي، فإنها قادرة على التغلب أخلاقيًا وعسكريا على القوة الخارجية "المتفوقة" سواء كانت الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفييتي أو الإمبراطورية البريطانية. ويعزز هذا النمط تصور النصر الحتمي.

وقد يكون، إلى جانب دروس العراق وسوريا، أحد الأولويات في تقييم القوى الأجنبية. في العراق وسوريا على سبيل المثال، تعد المصالح القريبة لتركيا أكبر بكثير من المصالح البعيدة للولايات المتحدة، كما يتضح من تحول اهتمام واشنطن وعمليات نشر القوة. وقد كان الهدف الرئيسي للحكومة الأمريكية في صراعات العراق وسوريا وأفغانستان هو وقف شيء ما، لكن لم يكن لديها اهتمام حقيقي أو التزام حقيقي ببناء شيء جديد في مكانها.

كما أظهرت الولايات المتحدة الولايات المتحدة استعدادا محدودا في التاريخ الحديث لتحمل التكلفة الهائلة والمسؤولية لإعادة بناء بلد في صورة جديدة. ولم يكن للتدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط على مدار العشرين عامًا الماضية صور نهائية واضحة تتجاوز معاقبة أو وقف تطور تهديد معين (سواء كان ذلك هجمات إرهابية أو مخاوف من أسلحة نووية). وحتى ذلك الحين، اندفعت الولايات المتحدة ببساطة إلى صراعات غير محددة المعالم لا تنتهي أبدًا.

وفقط مع الاعتراف المتأخر بالمنافسين الصاعدين، بدأت الولايات المتحدة في إخراج نفسها من المهام التي لا تنتهي، مدركةً لمواردها المحدودة والتصور المتضائل للتهديد الملموس من قبل الشعب الأمريكي.

على نفس المنوال، أشعلت تصرفات روسيا في سوريا الخلاف بين الولايات المتحدة وتركيا. وبالرغم أن روسيا لديها مصالح إستراتيجية في المنطقة، فقد وجدت نفسها عالقة أيضا في سوريا.

وقد يكون الدرس المستفاد لدى طالبان هو أن القوى القريبة هي مصدر قلقها الأكبر وأن القوى البعيدة هي بعيدة بالفعل. ولذلك فإن المصالح الروسية في آسيا الوسطى، إلى جانب حدود الصين مع أفغانستان ومبادرة "الحزام والطريق"، تمنح هاتين القوتين الكبيرتين مزيدًا من الاهتمام المباشر بتطور أفغانستان مقارنة بالولايات المتحدة.

لكن لا موسكو ولا بكين لديهما أي نية أو مصلحة في الانجرار إلى مستنقع التدخل، خاصة بعد وقت قصير من انسحاب الولايات المتحدة. لقد تواصلت الصين بالفعل مع طالبان ووضعت مصالحها الأساسية، والتي تشمل التأكد من أن أفغانستان ليست ملاذًا آمنًا لمقاتلي "الإيجور" أو المتعاطفين الذين يمكنهم ضرب الصين. وتواصلت موسكو أيضا مع طالبان، وبينما تعمل روسيا على تعزيز علاقاتها مع جيرانها في آسيا الوسطى، فمن المرجح أن يقتصر ذلك على الأنشطة في آسيا الوسطى أو بالقرب من الحدود الشمالية لأفغانستان.

إن التحديات الأكثر احتمالاً التي تواجه طالبان الآن هي أماكن مثل باكستان وطاجيكستان وأوزبكستان وإيران، حيث تعبر مصالحهم العرقية والطائفية بوضوح الحدود. وبالنسبة لطالبان، فقد يكون لديها ما يكفي بالكاد للتعامل داخليا في أأفغانستان وعلى طول حدودها المباشرة، وبالتالي ليس لديها نية كبيرة لضرب مناطق بعيدة في الخارج.

ماذا تعلمت طالبان من 11 سبتمبر/أيلول؟

إذا نظرنا إلى طالبان كحركة قومية عرقية دينية، حتى لو كانت ذات آراء سياسية ومجتمعية مخالفة للغرب، فإن أحد الاحتمالات هو أن طالبان ترى أن أحداث 11 سبتمبر/أيلول أخّرت توطيد سلطتها في أفغانستان لنحو عقدين من الزمان. وبعبارة أخرى، فإن السماح للجهات الأجنبية باستخدام أفغانستان كقاعدة عمليات لتخطيط وتنفيذ ضربات ضد القوى الغربية الرئيسية (أو الصين أو روسيا بشكل مباشر) قد يدفع هذه الدول للقيام بعمليات عسكرية من شأنها أن تؤخر مرة أخرى تكريس نفوذ طالبان في أفغانستان واستعادة الأهمية الإقليمية.

وكانت الأنماط التقليدية للضربات الصاروخية المحدودة هي القاعدة للرد الأمريكي على تصرفات "بن لادن" في أفغانستان ولكن ضرب الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول 2001 أدى إلى تغيير كبير في رد فعل واشنطن. وبالنظر إلى هذه التجربة، فقد تعلم قادة طالبان أن الإجراءات المماثلة تجاه روسيا أو الصين يمكن أن تغير سلوك هذين البلدين أيضًا.

حاليًا، تستخدم الصين النفوذ الاقتصادي لمحاولة تقييد مقاتلي "الإيجور" المتشددين في الدول الأجنبية، وقد تتمسك بهذه الاستراتيجية إذا شن المسلحون المتمركزون في أفغانستان هجمات على شينجيانغ فقط. لكن ماذا لو بدأ هؤلاء المسلحون بمهاجمة بكين أو شنجهاي؟ هل ستترك الصين هذا الهجوم يمر دون رد قوي، بالنظر إلى تطورها العسكري وتطلعاتها العالمية؟ ستفكر طالبان في هذه التداعيات، ويفسر ذلك محادثاتها الأخيرة مع بكين.

اختبار الافتراضات

هناك طرق أخرى لتقييم حركة طالبان وأفعالها المحتملة داخل أفغانستان وخارجها. لقد رأينا طالبان تقاتل الجهات المنبثقة عن تنظيم "الدولة الإسلامية" والتي كانت تمثل مركز قوة منافس في أفغانستان. وفي الماضي، استخدمت طالبان مقاتلين أجانب لكنها سعت أيضًا إلى إبقائهم تحت السيطرة أو في عمليات إقليمية محدودة.

وتسعى طالبان بالفعل للحصول على اعتراف دبلوماسي إذا تغلبت على الحكومة الأفغانية الحالية، ويتعلق ذلك بإظهار شرعيتها في الداخل كما في الخارج. وقد يؤدي القتال المستمر في نهاية المطاف إلى تقويض التدخل الغربي، لكنه لن يفعل الكثير لتوفير الخدمات والفرص للشعب الأفغاني ويهدد ذلك مساعي طالبان لقيادة أفغانستان.

وحتى مع أخذ هذه الأساليب البديلة في الاعتبار (والتي تتطلب المزيد من التحقيق)، تظل هناك أسئلة أكثر إلحاحًا بما في ذلك هل تستطيع طالبان أو الحكومة الأفغانية، سواء بمفردهما أو معًا، تأكيد السلطة والسيطرة الكاملة على أفغانستان؟

وبالنسبة لجميع القوى التي تحيط بأفغانستان، يبدو أن التخوف الأكثر إلحاحًا هو تحول أفغانستان لقاعدة للمقاتلين الأجانب للاختباء والتدريب والتخطيط لهجمات. وبالنسبة لطالبان، سيكون التحدي هو إدارة الحوكمة اليومية للفضاء المعقد في أفغانستان والتأكيد على أفكارها القومية دون إثارة تهديدات فورية من القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا.

المصدر | رودجر بيكر | ستراتفور – ترجمة وتحرير الخليج الجديد