الثلاثاء 17 أغسطس 2021 11:58 ص

دروس مهمة من أفغانستان

الأهم أنه يجب على العرب الذين يُروجون للهزيمة والارتماء في أحضان الاحتلال أن يفهموا هذه الدروس جيداً.

فشلت امريكا في أفغانستان، وقبلها فشلت في العراق، ومشروعها في منطقتنا العربية والإسلامية يشهد تراجعا مستمرا.

الاحتلال يرحل عندما تصبح تكلفته مرتفعة على المحتلين فيتحول إلى مشكلة يبحث المحتلون عن حلٍ لها وهنا يبدأ بالاندحار تدريجيا.

ضرورة المقاومة بمواجهة أي احتلال رغم أنها قد لا تستطيع تكبيد الاحتلال هزيمة عسكرية مباشرة لكنها بذات الوقت تُكبده خسائر تدفعه إلى الرحيل.

الاحتلال الأمريكي المباشر استمر عشرين عاماً وانتهى إلى فشل وانسحاب وعدم تحقيق أهدافه بل تعود طالبان إلى الحُكم بعد عقدين أكثر قوة وأشد بأساً!

لا الاحتلال الإسرائيلي سيستمر إلى الأبد على أرض فلسطين ولا التحالف معه أو العمالة له يُمكن أن توفر الحماية لأي نظام يفتقد لشرعيته المستمدة من شعبه.

*     *     *

الأحداث التي شهدتها وتشهدها أفغانستان منذ أيام، تبعث جملة من الدروس المهمة إلى عالمنا العربي والإسلامي، إذ ثمة تحول مهم يجب فهمه وفهم مضامينه، وهذا التحول ليس حدثاً عابراً، ولا هو سقوط عادي لنظام سياسي سوف يحل مكانه نظام سياسي آخر.

ما حدث في أفغانستان هو أن الاحتلال الأمريكي المباشر، استمر عشرين عاماً متواصلة، ثم انتهى إلى الفشل والانسحاب، وعدم تحقيق أهدافه، ليس هذا فحسب وإنما تعود حركة طالبان إلى الحُكم بعد هذه السنوات، كما كانت من قبل، بل أكثر قوة وأشد بأساً!

حيث كانت تحكم البلاد بقيادة الملا محمد عُمر، الذي يُقال إنه ما وقف أمام عدسة كاميرا في حياته، ولا يوجد له أي صور ولا مقاطع فيديو، إذ ظلّت الحركة تحكم هناك حتى عام 2001 عندما بدأ الأمريكيون احتلالهم للبلاد، رداً على هجمات 11 سبتمبر/أيلول التي استهدفت نيويورك وواشنطن.

رحيل القوات الأمريكية بعد عقدين من الاحتلال، وعودة حركة طالبان إلى سالف عهدها بحكم أفغانستان، والانهيار السريع والدراماتيكي للنظام السياسي الحاكم الذي فصّلته الولايات المتحدة على مقاسها، وهروب الرئيس أشرف غني، الذي لم يكن سوى دمية في أيدي القوات الأجنبية التي كانت تهيمن على بلاده، كل ذلك له جملة من الدلالات المهمة، ويحمل الكثير من الدروس، وهذه أهمها:

أولاً: الاحتلال الأجنبي مصيره الزوال، ولو طال الزمان، ومهما بلغت قوته، لأنه حالة شاذة يُمكن أن تستمر لبعض الوقت، لكنها لا تبقى إلى الأبد، وزوال الاحتلال وانهياره لا يتطلب بالضرورة أن يُهزم عسكرياً وبشكل تقليدي أمام القوى المضادة له.

ومن هنا كنا نعتقد وسنظل نؤمن بضرورة وجود المقاومة في مواجهة أي احتلال، مع الاعتراف بأن المقاومة قد لا تستطيع أن تُكبد الاحتلال الهزيمة العسكرية المباشرة، لكنها في الوقت ذاته تُكبده الخسائر التي تدفعه إلى الرحيل، وتكون قوة جاهزة للحلول مكانه عند رحيله.

ثانياً: الاحتلال يرحل عندما يُصبح ذا تكلفة مرتفعة على صاحبه، فيتحول إلى مشكلة يبحث المحتلون عن حلٍ لها، وهنا يبدأ بالاندحار تدريجياً، وهذا يعني أن رحيل الاحتلال لا يتطلب بالضرورة هزيمته عسكرياً، وإنما يكفي رفع تكلفته.

وهذا ما حدث مع الإسرائيليين في لبنان عندما تقهقروا وانسحبوا في عام 2000، وحدث أيضاً مع الإسرائيليين في غزة، عندما انسحبوا من دون قيد ولا شرط في عام 2005، وحدث سابقاً مع الروس في أفغانستان، ويحدث الآن مع الأمريكيين هناك.

ثالثاً: ولاء النظام السياسي للقوى الخارجية الكبرى مثل الولايات المتحدة، أو عمالة النظام لهذه الدول، لا يُمكن أن تكون ضمانة لاستمراره، إذ أن الشرعية الوحيدة التي يُمكن أن تمنح الحاكم ونظامه السياسي القوة، هي الشرعية المستمدة من الشعب الذي هو مصدر السلطات.

وكل ما عدا ذلك مجرد هُراء وأوهام، ولذلك فإن الرئيس الأفغاني الموالي للأمريكيين فرَّ هارباً، وقبله سقط حسني مبارك في مصر، ولم يُسعفه الأمريكيون ولا الإسرائيليون، والأمثلة على ذلك كثيرة ومعروفة.

رابعاً: فشلت امريكا في أفغانستان، وقبلها فشلت في العراق، ومشروعها في منطقتنا العربية والإسلامية يشهد تراجعاً مستمراً، وهذا يعني أن واشنطن وإن كانت تمتلك القوة الأكبر في العالم.

لكنها لن تستطيع أن تتحكم بالكون بالطريقة التي يريد أن يفهمها بعض السطحيين، أي أن لدى الأمريكيين القوة الأكبر في العالم لكنهم لن يتمكنوا من التحكم به بمفردهم والهيمنة على البشرية بشكل كامل.

هذه دروس مهمة يجب على من يُراقب المشهد في أفغانستان أن يفهمها ويُدركها، والأهم أنه يجب على العرب الذين يُروجون للهزيمة والارتماء في أحضان الاحتلال أن يفهموا هذه الدروس جيداً.

فلا الاحتلال الإسرائيلي سيستمر إلى الأبد على أرض فلسطين، ولا التحالف معه أو العمالة له يُمكن أن توفر الحماية لأي نظام يفتقد لشرعيته المستمدة من شعبه.

* محمد عايش كاتب صحفي فلسطيني

المصدر | القدس العربي