الثلاثاء 24 أغسطس 2021 11:07 م

اعتبرت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية أن حكم أفغانستان سيكون أصعب من غزوها، وتساءلت كيف ستحكم "طالبان" أفغانستان؟

وقالت المجلة في تقرير لـ"كارتر مالكسيان"، مؤلف كتاب "الحرب في أفغانستان"، مستشار رئيس هيئة الأركان السابق الجنرال "جوزيف دانفورد" إن تقدم "طالبان" نحو كابل وانهيار الحكومة الديمقراطية في أفغانستان حدث بسرعة كبيرة وعلى مدى أسابيع. وكان تطور الأحداث المذهل ومشاهد الفوضى التي تبعت ذلك مثارا لفيضان من الأسئلة حول أن ما حدث خطأ. ولكن نجاح طالبان السريع يعطي فكرة عن مناظير حكمهم- من ناحية الحرية التي تريد من خلالها تطبيق رؤيتها والتحديات الشاقة التي ستظهر في الطريق.

فقد أثبتت حركة "طالبان" بأنها من أفعل الحركات السياسية في البلاد، فمع تناحر الساسة وترنح الدمقراطية ظلت قيم الحركة وتماسكها وتنظيمها قائمة. وانطلاقا من مفاهيمهم حول الوحدة والهوية الأفغانية فقد تغلبت طالبان على عمليتي انتقال في القيادة، وهما صعود تنظيم "الدولة" وعشرين عاما من الوجود الأمريكي. وهم الآن في القيادة ومن المتوقع أن يستمروا لبعض الوقت. ولا يعني انتصارهم نهاية 40 عاما من الحرب والغموض والصدمة. وتواجه الحركة الفقر والنزاع الداخلي والجيران الذين يريدون التدخل وتهديدات التمرد الداخلي، اللعنة التي لاحقت كل حكامها.

ويرى الكاتب أنه فمع تناحر الساسة وترنح الديمقراطية ظلت قيم الحركة وتماسكها وتنظيمها قائمة. وأي لاعب سياسي يتفاوض مع "طالبان" حول شكل الحكومة كما هو حال حامد كرزاي، الرئيس السابق ورئيس لجنة المصالح "عبدالله عبدالله"، يظل عرضة لخطر الضغط من طالبان وتحت فوهة البندقية. وقال زعيم أفغاني إن عرابي السلطة في الشمال قبلوا النظام الجديد بالقول: "لم يكن لديهم أي خيار".

وبهذه السيطرة بدأت ملامح الدولة التي تعمل طالبان على بنائها بالظهور، فهي تقول إنها تعمل على مسودة دستور جديد. ويناقش الزعيم ملا "عبدالغني برادار" في كابل شكل الحكومة مع "كرزاي"، و"عبدالله" وغيرهما.

وأيا كانت نتيجة المحادثات، فالنظام الجديد سيجسد القانون الإسلامي كأساس للحكومة وحكومة مركزية بقيادة "طالبان" مع بعض المناصب الرمزية للزعماء الأفغان الآخرين مثل "كرزاي" و"عبدالله" مع منح مناصب لزعماء قبليين غير معروفين مكافأة على تعاطفهم مع قضية "طالبان"، وربما سمح الدستور بانتخابات لكنها ستصمم بطريقة تؤكد سيطرة طالبان على الدولة.

وكشف انتصار "طالبان" عن التماسك في صفوفها والذي سيستمر، مع أنه من الصعب معرفة مستوى الوحدة فيها.

"المهمة أنجزت"

وفي الوقت الحالي أجل قادة "طالبان" لحظة "المهمة أنجزت"، ففي طريقهم نحو النصر طمأنوا أعداءهم بأنهم لن يصابوا بضرر طالما سلموا أسلحتهم وربما منحوهم بعض التنازلات. ولكن سيطرة طالبان العسكرية على البلاد تجعل من التزامهم بهذه التعهدات محلا للشك. ومع مرور الوقت لن يتردد قادة الحركة عن استخدام القوة لتوطيد السلطة واحتكارها.

وكشف انتصار "طالبان" عن التماسك في صفوفها والذي سيستمر، مع أنه من الصعب معرفة مستوى الوحدة فيها. فهي مكونة من الحركة الرئيسية في جنوب البلاد وشبكة حقاني في الشرق وعدد من الجماعات المرتبطة بالقبائل وكوادر الميليشيات.

وعكس الهجوم العسكري في أفغانستان عن التعاون والتماسك بين هذه الجماعات المختلفة. فعلى خلاف المجاهدين في عام 1989، لم تتشرذم حركة "طالبان" إلى فصائل متحاربة مع خروج المحتل الأجنبي. وفي الحقيقة كانت الحكومة السابقة هي التي تعاني من الانقسامات، وبخاصة بين "غني" الذي يدعمه البشتون في الشرق و"عبدالله" وغيره من قادة الشمال. وفي الأسابيع التي سبقت انهيار الحكومة، أخبر قادة الشمال المسؤولين الأمريكيين بأنه "لا يريد أي شخص الموت من أجل غني".

ومن هنا تبدو "طالبان" محصنة عن الوقوع في أزمة الفصائلية كما حدث مع الديمقراطية. وتماسك الحركة سيعطيها القدرة على فرض مستوى من النظام في المناطق الخاضعة لها وبخاصة في الشرق والجنوب حيث نبعت جذورها. ولا يمكن شرح قدرة "طالبان" على فرض النظام والقانون عبر الطرق الوحشية، فأمراء الحرب كانوا أكثر وحشية منها. والفرق هو أن "طالبان" تستطيع ممارسة العنف بدون أن تتقاتل فيما بينها.

وما يثير القلق هو أن انتصار "طالبان" الأخير قد يعطي الحكومة الجديدة دعما شعبيا واسعا أكثر مما حصلت عليه عندما كانت في السلطة بين 1996- 2001. وبعد سنوات من القتال في الشمال، فقد حصلت الحركة على قدر من الدعم من الطاجيك والأوزبك الذين عارضوها في الماضي. وفي المدن وقف الشباب غير الملتحين مع عناصر الحركة لالتقاط الصور وهناك عدد من المتعلمين يعملون معهم الآن.

مخاطر وتحديات

ومع ذلك، ورغم مظاهر القوة التي عبر عنها النصر هناك مخاطر كامنة وتحديات يمكن أن تستمر وستتزايد مع مرور الوقت. منها أن الخلافات القبلية والتناحر ظلت لعنة تلاحق الحكومات الأفغانية. وستواجه حركة "طالبان" مصاعب في إدارتها. وبين القبائل عداوات وتنافس طويل وعادة ما تعطي الأولوية لشرف الفرد على الوساطة.

وعندما يتعلق الأمر بقضايا المياه والأرض، فستحاول "طالبان" إرضاء المزارعين غير المالكين للأرض، نظرا لكونهم مصدر الدعم والتعاطف الرئيسي. وهو ما سيغضب قادة القبائل الذين سيخسرون. وحتى في ظل القانون الإسلامي يرغب قادة القبائل بالدفاع عن أراضيهم التي تعد مصدر الحياة لعائلاتهم. والنزاعات القبلية والانتقام أمر محتوم وستكون صداعا لطالبان كما كانت في سنوات التسعينات من القرن الماضي.

وستكافح "طالبان" في موازنة أولوياتها عندما يتعلق بزراعة الحشيش، فهذا القطاع غير الشرعي ظل مصدرا كبيرا لموارد الحركة المالية. وأدى السماح بزراعة الحشيش لزيادة الدعم لها بين المزارعين الفقراء. وكانوا عاملا مهما في انتصارها نظرا للملاجئ التي منحوها لمقاتليها وساعدها على التقدم نحو مراكز المدن خلال السنوات الست الماضية.

وستواجه "طالبان" في الحكم ضغوطا لا حد لها من الخارج، بمن فيهم الجيران الأقوياء مثل الصين وإيران لمنع زراعة الحشيش كما فعلت لفترة وجيزة عام 2000. وفي ضوء ما يمثله اقتصاد الخشخاش، فالنقد الدولي سيكون ذا أثر هامشي.

ويعني انتصار "طالبان" الحاسم خسارة التمويل الدولي الذي كان سيستمر لو وصلت الحركة إلى السلطة عبر تسوية سياسية، ولا يوجد ما يشي باستمرار الدعم لمعظم الدول المانحة في الوقت الحالي. وهذا يعني اعتماد "طالبان" على زراعة الخشخاش والتمويل من الصين.

وقبل وبعد حملة "طالبان" العسكرية، حاول قادة طالبان تعزيز علاقتهم مع العالم الخارجي. وزاروا باكستان وإيران وروسيا والصين التي لم تظهر أية معارضة جدية لسيطرة طالبان على الحكم. فالرغبة للحصول على القبول الإقليمي كان سببا وراء محاولة قادتها تقديم أنفسهم بطريقة مهنية وكمحايدين.

ومن غير المحتمل استمرار حصول الحركة على دعم القوى الأربع في ظل تغير الديناميات الإقليمية. ولو كان التاريخ دليلا لجيران أفغانستان فستجد بعض الدول سببا لمعارضة طالبان بل وتقديم الدعم لمعارضيها الذين يحاولون تقويضها.

وفي ذلك الوقت، تساءل عدد من المراقبين عن قدرة قادة الشمال على تعبئة قواهم والدفاع عن ولاياتهم. وطالما أكد قادة هذه المناطق أنهم يقومون بتخزين الأسلحة ومستعدون للقتال و"الذهاب إلى الجبال" وشن حرب عصابات لو اقتضى الأمر.

وعلى مدى 40 عاما لم يستطع أي حاكم أفغاني جلب الاستقرار لأفغانستان. وكانت هناك لحظات شعر فيها الشعب الأفغاني بالتعب من الحرب ونهاية العنف. فخروج السوفييت عام 1989 وسيطرة طالبان 1996 والغزو الأمريكي 2001 كانت لحظات، إلا أن العنف عاد نتيجة للتصدع الداخلي الأفغاني والجغرافيا الوعرة والمصادر النادرة والجيران المتشاكسين.

فالمعوقات لحكم مستقر لا تزال قائمة، وطالبان ليست بعيدة عنها رغم أنها في وضع قوي لحكم البلاد، فهي تواجه تحديات بنيوية. وفي الوقت الحالي حققت طالبان لحظة "المهمة انتهت" لكن هناك سببا جيدا يدعو للتفكير بأن حرب أفغانستان التي مضى عليها أربعة عقود لم تنته بعد.

المصدر | الخليج الجديد + القدس العربي