سلط تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية الضوء على تداعيات مقتل الزعيم الليبي الراحل "معمر القذافي" في 2011، التي لم تتوقف عند الحدود الليبية.  

وذكرت الصحيفة في تقرير مطول أن مقتل "القذافي" -الذي حكم ليبيا مدة 42 عاما واتسم حكمه بالفساد والقسوة- لا تزال أوروبا ودول الساحل على وجه التحديد تدفع ثمنه حتى بعد مرور 10 سنوات على هذا الحادث.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا يتمثل في استمرار الانتهاكات الوحشية بحق آلاف المهاجرين، وعدم الاستقرار في دول الساحل، وتسبب تدفق المهاجرين على ليبيا التي تضاعف بعد رحيل "القذافي" في ازدهار الأحزاب اليمنية المتطرفة.

وهناك ما يزيد عن 700 ألف مهاجر عالقين اليوم في ليبيا، وذلك حسب إحصائيات لجنة الإنقاذ الدولية

واستشهدت الصحيفة فيما يتعلق بالانتهاكات التي لم تتوقف برحيل القذافي، بقصة امرأة نيجيرية تدعي "بريشس" وجدت نفسها في ليبيا بعد ان تعرضت للخداع في 2017، وكان من المفروض أن تعمل كخياطة في إيطاليا لمساعدة عائلتها.

وأشارت "بريشس" (22 عاما) إلى أنها بدلا من أن تنعم برحلة سهلة إلى إيطاليا تم نقلها من قبل وسيطها إلى وسيط آخر في نيجيريا ثم نقلت إلى النيجر ثم وضعت في سيارة تويوتا هيلاكس مع 25 شخصا في رحلة استغرقت 3 أيام في الصحراء، وتعرضت للضرب والتجويع ومات آخرون في الرحلة.

وكشفت الشابة النيجيرية أنها بعد وصولها إلى الحدود الليبية بدأت معاناتها الحقيقة، حيث أجبرت مع أخريات من دول الصحراء على الدعارة، ولم يسمح لها بالخروج من بيت المتعة وتعرضت للإهانة والتجويع.

وقالت: "ليبيا بلد سيئ، ولا توجد قوانين هناك".

وهربت "بريشس" عام 2019 وعادت على طائرة تجارية تابعة للأمم المتحدة.

وأكدت الصحيفة أن قصص الانتهاكات والوحشية معروفة ومشتركة بين مئات الآلاف من المهاجرين الذين عبروا خلال ليبيا في العقد الذي أعقب مقتل "القذافي" ودخلت البلاد في حالة من الحرب الأهلية.

وذكرت الصحيفة أن تداعيات رحيل "القذافي" تظهر بوضوح بعد عقد في وفاة المهاجرين في قوارب مطاطية في عرض البحر المتوسط ومعسكرات الرقيق والمواخير التي يتم فيها بيع جسد المهاجرات وانهيار الأمن في دول الساحل والصحراء مما أدى لمقتل الآلاف وتشريد الملايين وورط فرنسا فيما أصبح يطلق عليها "الحرب الأبدية".

ويقول "ماثياس هونكبي" مدير مكتب مالي لمبادرة المجتمع المفتوح في غرب أفريقيا: "أصبحت ليبيا نقطة الضعف لكل الدول المحيطة بها.. وتعاني مالي والنيجر وتشاد وكل الدول من مشاكل لعدم وجود استقرار في ليبيا".

ويرى "يوفان غويشايو" المتخصص في منطقة الساحل بجامعة كينت البريطانية، أن مقتل "القذافي" لم يكن السبب في مشاكل منطقة الساحل التي تعيش فيها أفقر التجمعات السكانية في العالم وتشهد عدم استقرار، بل كان مسرعا لعدم الاستقرار أو هكذا يجب التفكير.

وقال: "حركات التمرد هذه في بوركينا فاسو والنيجر ومالي كانت جاهزة للاشتعال وأرادت فقط من يضغط على الزناد.. وكانت ليبيا المحفز".

وتعاني مالي مثلا من تمردات الطوارق والجهاديين وعلى مر السنين، لكن المقاتلين الذي خبروا الحرب في ليبيا واجتاحوا شمال مالي مجهزين بأسلحة "القذافي" التي نقلوها من مخازنه وأمواله حيث سيطروا على منطقة الشمال.

وأدى تدخل فرنسا عام 2013 لدعم الحكومة التي وجدت نفسها عاجزة في باماكو، ولا تزال القوات الفرنسية هناك حيث تخوض حربا عصية وأصبحت تمثل خطرا على حظوظ "إيمانويل ماكرون" بالفوز بانتخابات عام 2022. 

وأقام الجهاديون من القاعدة وتنظيم "الدولة الإسلامية" جذورا عميقة لهم بحيث أصبحت المنطقة من أهم مناطق نشاط التنظيمين، واستلهم الجهاديون في الجارة بوركينا فاسو مثال مالي وشنوا تمردهم الذي مزق أمن البلد.

واستطاع الجهاديون استثمار التوترات الإثنية في البلدين واستغلوا فراغ الحكم الذي تركته الحكومات المركزية في المناطق المهمشة لصالحهم.

وعلق "غويشايو" قائلا إن قادة دول الساحل استغلوا ليبيا لتبرير سياسة القمع تجاه سكانهم. وتمت المبالغة في دور ليبيا كدافع لعدم الأمن.

 وعلى الصعيد الأوروبي أثر سقوط "القذافي" على حركة الهجرة من الصحراء نحو أوروبا.

ففي سنوات حكمه الأخيرة لعب الديكتاتور السابق دور المنظم للهجرة حيث كان يتحكم بموجات الهجرة بالطريقة التي تخدم مصالحه وتساعده للحصول على تنازلات من أوروبا وإيطاليا، وبنهاية حكمه ملأ المهربون وعصابات تهريب البشر الفراغ.

وبحسب تقرير نشرته المبادرة الدولية ضد الجريمة المنظمة العابرة للحدود فقد "كان اقتصاد التهريب قادرا على توسيع قدرته ومساحاته اللوجيستية والعمل بحرية أكثر من أي وقت مضى ودون خوف من العقاب".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات