الثلاثاء 14 سبتمبر 2021 07:21 ص

من مدرج قاعدة العديد الجوية المشمسة، يستغرق الأمر ساعة تقريبا للوصول إلى أبراج الدوحة المتلألئة. لكن الرحلة بالنسبة لأمريكا بدأت قبل 8 سنوات.

في عام 2013، أنشأت حركة "طالبان" مكتبا سياسيا في العاصمة القطرية. وآنذاك، تم افتتاح المكتب بمباركة واشنطن، وكان الهدف منه إطلاق عملية سلام من شأنها إنهاء الحرب الأمريكية بأفغانستان. وبالطبع، لم تكن النهاية كما كانت تأمل أمريكا.

ومثل المحادثات التي سبقته، اعتمد جسر الإجلاء الجوي المتعجل من كابل، الشهر الماضي، على قطر بشكل كبير.

فمن بين 120 ألف شخص أجلتهم أمريكا من أفغانستان، مر نصفهم تقريبا عبر قاعدة "العديد".

وبالتالي، لعبت الإمارة الصغيرة، التي يقطنها 3 ملايين شخص فقط (20% منهم فقط مواطنون)، دورا مركزيا في بداية النهاية، وفي النهاية نفسها.

الآن لدى قطر دور حيوي كمحاور بين حكام أفغانستان الجدد والغرب، لكنها قد تكافح لتقديم الكثير لأي من الجانبين.

سمعة طيبة كوسيط

قبل الربيع العربي عام 2011، بنت قطر سمعة طيبة كوسيط في النزاعات الإقليمية.

فقد كانت توازن بدقة بين علاقات متناقضة عديدة؛ فلديها على سبيل المثال علاقة جيدة مع إيران، وتستضيف أيضا جنودا أمريكيين.

كما استضافت مفاوضات للفصائل المتناحرة من اليمن والسودان ولبنان؛ حيث لم يكن غريبا أن يصادف زوار فندق "ريتز كارلتون" في الدوحة متمردين يرتدون ملابس مموهة، وهم يحتسون الشاي في الردهة في أوقات الراحة بين الاجتماعات.

وعلى عكس جيرانها في الخليج، تتعاطف قطر أيضا مع الإسلام السياسي.

لا عجب إذن أن ينتهي الأمر بها بالنجاح في تسهيل المحادثات بين أمريكا و"طالبان"؛ فقد كانت قادرة على كسب ثقة الجانبين.

سعت الإمارات أيضا إلى استضافة "طالبان"، لكنها سعيها قوبل بالرفض.

ومثل دول الخليج الأخرى، ترى قطر في أمريكا الضامن الرئيسي لأمنها.

وعلى مدى عقد من الزمان على الأقل، راودت منطقة الخليج شكوكا متزايدة حول مصداقية أمريكا.

إذ بدأ كل من "باراك أوباما" و"دونالد ترامب" (رئيسي أمريكا السابقين) ينظران إلى دول الخليج على أنهم منتفعون بالمجان، وهي صورة أنفق الخليجيون ملايين الدولارات على جماعات الضغط في محاولة لتبديدها.

وتفاقمت مخاوف قطر عام 2017، عندما فرضت البحرين ومصر والسعودية والإمارات حصارا عليها، شمل إغلاق المجال الجوي أمامها وحظر التجارة معها.

فقد أرادت البلدان الأربعة من قطر قطع العلاقات مع الإسلاميين وإغلاق قناة "الجزيرة" الفضائية، من بين مطالب أخرى.

وأيد "ترامب" في البداية الحصار على قطر، قبل أن يغير موقفه.

كان دور قطر كوسيط مع "طالبان" إحدى حجج استمرار الدعم الأمريكي لقطر. (تم رفع الحصار في يناير/كانون الثاني 2021).

فرصة الجسر الجوي

كان الجسر الجوي الأفغاني فرصة أخرى لدول الخليج لإثبات قيمتها لدى أمريكا.

فقد قامت الإمارات بنقل آلاف الأفغان على متن طائراتها الخاصة، وكانت نقطة انطلاق لجهود الإجلاء الفرنسية من أفغانستان.

كما شاركت البحرين في جهود نقل الأفغان الذين تم إجلاؤهم إلى واشنطن.

ولكن مرة أخرى، رغم ذلك، جاءت قطر في الصدارة؛ حيث قام سفيرها في كابل شخصيا بمرافقة القوافل إلى المطار لضمان المرور الآمن. وحظيت جهودها في هذا الإطار بثناء الرئيس "جو بايدن".

ففي 20 أغسطس/آب، اتصل "بايدن" بأمير قطر "تميم بن حمد" لشكره على جهود بلاده في عمليات الإجلاء من أفغانستان.

وقال وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكن": "لا يوجد بلد فعل أكثر من قطر (في جهود الإجلاء)"؛ في دعاية لا يمكن أن يحققها أي عقد ضغط باهظ الثمن.

وفي 6 سبتمبر/أيلول، وصل "بلينكن" ووزير الدفاع الأمريكي "لويد أوستن" إلى الدوحة لإجراء محادثات مع المسؤولين القطريين.

فيما قام وزير الخارجية البريطاني "دومينيك راب" بزيلارة الدوحة قبل ذلك بـ4 أيام.

الأمل في الاقتصاد

لكن السؤال هو إلى متى سيستمر نفوذ قطر؟

لقد جاء الكثير من هذا النفوذ من دورها كوسيط في النزاع الأفغاني ومضيف للفصائل المتناحرة.

ولكن مع رحيل الأمريكيين من أفغانستان، وانهيار الحكومة الأفغانية القديمة، لم يعد هناك محادثات للتوسط.

فقادة "طالبان" أحرار في طريقة إدارة الحكم كما يحلو لهم، وفي السعي لنسج علاقات دبلوماسية جديدة.

وبينما وعدوا بتشكيل نظام شامل (لا يستثني أحدا) وتجنب الأعمال الانتقامية، فإن أفعالهم الأولية لم تكن مشجعة.

وتأمل قطر في أن يوفر لها الاقتصاد نفوذا مستمرا بأفغانستان.

إذ تحتاج "طالبان" إلى إبقاء البلاد واقفة على قدميها وسط أزمة في ميزان المدفوعات تلوح في الأفق.

ومع ذلك، فإن مقدار ما تستثمره قطر في أفغانستان سيعتمد على الطريقة التي تحكم بها "طالبان"؛ فالأنظمة الوحشية سيئة لسمعتك، والأنظمة الطائشة ضارة بأموالك.

وإذا اختار "بايدن" الإبقاء على عقوبات صارمة على "طالبان"، فستحتاج قطر إلى الابتعاد عنها.

لعبة الانتظار

يلعب جيران قطر لعبة الانتظار.

ففي المرة السابقة التي سيطرت فيها "طالبان" على السلطة بأفغانستان في تسعينات القرن الماضي، كانت السعودية والإمارات دولتين من 3 دول فقط تعترف بحكمها (كانت باكستان الثالثة).

لكن كليهما أكثر حذرا هذه المرة.

فقد تغيرت السعودية منذ ذلك الحين؛ حيث يحرص ولي العهد الشاب "محمد بن سلمان" على إبراز صورة أكثر ليبرالية عن مملكته، كجزء من حملة لجذب المستثمرين والسياح وتنويع الاقتصاد المرتبط بالنفط. وقد لا يتناسب احتضان "طالبان" مع هذا الهدف.

أما الإمارات فهي كعادتها تتحوط في رهاناتها. إذ منحت حق اللجوء للرئيس الأفغاني المخلوع "أشرف غني"، وقيادتها معادية بشدة للإسلام السياسي.

ومع ذلك فقد تحالفت مع الإسلاميين عند الحاجة (في اليمن على سبيل المثال).

وإذا لم تكن التكاليف عالية على سمعتها، فقد تسعى الإمارات إلى أسلوبها الخاص في العيش مع "طالبان"، حتى لو كان ذلك فقط للتنافس مع خصميها؛ قطر وتركيا. وكل هذا مبني على الدفعة الكبيرة الأخيرة لقطر في السياسة الإقليمية.

هل ينجح رهان قطر؟

في الأيام الأولى للربيع العربي، بدا أن مقامرة قطر على الإسلاميين تؤتي ثمارها.

فقد وصل الإسلاميون إلى السلطة في تونس ومصر عبر الانتخابات، وشكلوا ميليشيات قوية في ليبيا وسوريا.

لكن في غضون سنوات قليلة، تحولت رهانات قطر في الغالب إلى عبء عليها.

فقد أثبت حلفاؤها الإسلاميون أنهم غير أكفاء ومسببين للانقسام؛ وهو ما استخدمه جيرانها كهراوة للإضرار بسمعة قطر.

وقد يسير رهانها على "طالبان" في نفس الاتجاه.

المصدر | ذي إيكونوميست - ترجمة وتحرير الخليج الجديد