انتهى الملياردير "نجيب ميقاتي" أخيرا من تشكيل الحكومة لكن بعد أن استنزف الرئيس "ميشال عون" طاقته وصبره.

وبينما كان "ميقاتي" يتجاهل رغبة "عون" في السيطرة على ما لا يقل عن ثلث الحكومة الجديدة - الأمر الذي كان سيسمح له بتحديد أجندتها وتهديد مصيرها – فقد اضطر "ميقاتي" إلى التخلي عن هدفه المنشود منذ فترة طويلة بتشكيل حكومة تكنوقراط أكثر تحررا من  الأحزاب والمصالح السياسية الراسخة.

وسيظل تعاون الرجلين ضروريا لمعالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تواجه البلاد اليوم.

وقد لاحظ الجميع انفعال رئيس الوزراء الجديد عندما أعلن ولادة حكومته في مؤتمر صحفي قصير في القصر الرئاسي في بعبدا بالقرب من بيروت. لقد حاول فعلاً أن يكتم دموعه وهو يصف الظروف اليومية الأليمة التي يواجهها جميع اللبنانيين، بما في ذلك عدم قدرة الأمهات على تأمين ما يكفي من حليب الأطفال.

ووعد "ميقاتي" بأن يبدأ فريقه الجديد على الفور ببرنامج إنقاذ لمعالجة القضايا الملحة، لكنه أعلن في الوقت نفسه أن الحكومة ستقطع الدعم لأن خزائنها فارغة، وطلب من الجميع المزيد من التضحيات.

بصراحة، يأمل "ميقاتي" أن يفهم اللبنانيون أنه ليس لديه حلول سريعة، وأن عليهم التحلي بالصبر أكثر، وأن البلد بأكمله سيظل في نفس القارب المتهالك حتى يصل إلى بر الأمان.

ومن السابق لأوانه الحكم على احتمالات نجاح الحكومة الجديدة المكونة من 24 وزيرا. وفي حين أنها ليست حكومة من سياسيين سابقين - لم يكن أي من الوزراء قد خدم سابقًا في البرلمان أو الحكومة - فقد تم اختيارهم كممثلين للقوى السياسية في البلاد.

وبالرغم من مهمة الوزراء الجدد المتمثلة في معالجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية الملحة، فلا يمكنهم التحرر تمامًا من تأثير الزعماء السياسيين، بغض النظر عن مدى مصداقيتهم. وبالتالي يتوجب على "ميقاتي" الحد من هذا التأثير وإبعاد فريقه عن الجو العام للشقاق والخلاف.

وإذا أراد "ميقاتي" أن ينجح في معالجة الظروف الأليمة التي تحياها البلاد، فيجب عليه أن ينفذ بسرعة أوامره على وزرائه مع محاولة إبعادهم عن الاعتبارات السياسية الضيقة والمصالح الفئوية.

وتتمثل المهمة الفورية للحكومة الجديدة في وضع برنامج إصلاح يرسم طريقة لمعالجة الفساد المستشري في النظام السياسي والماكينة البيروقراطية والاقتصاد.

يجب أن يبدأ طريق لبنان نحو الانتعاش بخطة تقنع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما من المقرضين الإقليميين والدوليين بأن البلاد جادة في معالجة المخالفات الماضية وإصلاح بنيتها التحتية الاقتصادية.

ولم يعد بإمكان لبنان أن يعيش فقط على سمعته كمركز مالي وخدمي وجذب سياحي. وكما تتجه دول الخليج لتنويع اقتصاداتها بعيدًا عن اعتمادها على الهيدروكربونات، يجب على لبنان أن يهتم بأنشطة اقتصادية مستدامة ومنتجة مثل الزراعة والصناعة.

ولدى لبنان قوة عاملة قادرة وذات دراية ولكنها تسعى للتوظيف خارج البلاد. لذلك يجب أن تركز المساعدات الخارجية على استثمار هذه القوة لتطوير ركائز جديدة للاقتصاد اللبناني يمكنها استيعاب المواهب الجديدة والقادرة. وعندها فقط يمكن أن يصبح الاقتصاد مستدامًا.

كما يجب على "ميقاتي" وحكومته البدء في التحضير لانتخابات محلية وبرلمانية ورئاسية مهمة في عام 2022. وقد أكد رئيس الوزراء الجديد أن حكومته ستلتزم بالانتخابات المقررة دستوريًا في مايو/أيار المقبل.

ومن المقرر إجراء انتخابات الرئاسة في نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

وفي الوقت الحالي، هناك قدر كبير من الخلاف حول قانون الانتخابات الذي نظم الانتخابات البرلمانية عام 2018. ومن الصعب أن نرى كيف سيتمكن "ميقاتي" من إجراء تغييرات على هذا القانون، حتى لو أراد ذلك. لذلك سيتعين على الناخبين الساخطين والقوى السياسية المتضررة من ذلك أن يبتكروا طرقًا لبناء تحالفات جديدة ليكونوا قادرين على التغلب على العقبات الداخلية.

انتظر لبنان تشكيل حكومة فاعلة منذ خريف عام 2019. وأدت حالة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي إلى خروج مئات الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع، ما أجبر رئيس الوزراء آنذاك "سعد الحريري" على الاستقالة هو وحكومته.

وقد فشلت حكومة تصريف الأعمال الحالية برئاسة "حسان دياب" - التي تولت الحكم في بداية عام 2020 واستقالت بعد انفجار 4 أغسطس/آب في مرفأ بيروت - في معالجة أي من المشاكل التي ظهرت فجأة في عام 2019.

وأصبحت شروط النجاح في هذه المهمة الآن أكثر صعوبة، ما يجعل هناك شكوكا متزايدة في إمكانية أن يتمتع "ميقاتي" بحظ أفضل.

وبالنظر إلى الولاية القصيرة لحكومة "ميقاتي" حتى الانتخابات البرلمانية المقبلة في مايو/أيار 2022، فيتعين عليه حقًا أن ينطلق إلى العمل على الأرض بلا كلل.

المصدر |  عماد حرب/ المركز العربي في واشنطن دي سي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد