الثلاثاء 21 سبتمبر 2021 03:27 ص

وصلت العلاقات بين أنقرة وواشنطن إلى أدنى مستوياتها تاريخيا. ويحدد السياق فك التزاوج الجيوسياسي، وتراكم الإحباطات، وتكاثر الأزمات. ومنذ بعض الوقت، تبحث تركيا عن أزمات جيوسياسية مفيدة لتذكير الولايات المتحدة بأهميتها؛ مواقف توفر نفوذا لتحقيق مكاسب على جبهات أخرى دون المخاطرة بالمصالح التركية الأساسية. وتعتبر الأزمة الأوكرانية مثالا على ذلك؛ حيث تتبنى تركيا موقفا مؤيدا لأوكرانيا، وتعمل إلى حد كبير كقوة تابعة لحلف شمال الأطلسي "ناتو". وتعتبر أنقرة أفغانستان انفتاحا جيوسياسيا آخر لإصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة.

تدور العلاقة أحادية البعد إلى حد كبير بين الولايات المتحدة وتركيا حول الأمن والجغرافيا السياسية؛ حيث تقع الأزمات الرئيسية أيضا. ففي سوريا، على سبيل المثال، ينظر كل منهما إلى الشركاء المحليين للآخر من خلال عدسة الإرهاب. وعندما حصلت تركيا على نظام الدفاع الجوي الروسي "إس-400"، فرضت واشنطن عقوبات عليها بموجب "كاستا" (قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات). لقد أثارت هذه التطورات جدلا -سواء في الغرب أو في تركيا- حول مكانة تركيا ومستقبلها في المؤسسات الغربية، وتحديدا حلف "ناتو".

بعد توليه منصبه في يناير/كانون الثاني الماضي، عامل الرئيس الأمريكي "جو بايدن" وفريقه تركيا بجفاء في البداية. ردت تركيا بـ"هجوم السحر" (حملة دعائية للتأكيد على جاذبيتها أو جدارتها بالثقة)؛ فأرسلت سلسلة من الرسائل الإيجابية. على سبيل المثال، دافع الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" بحماس عن حلف "ناتو" خلال قمته في يونيو/حزيران.

وتماما كما أدى فك التزاوج الجيوسياسي إلى فصلهما عن بعضهما البعض، يبدو أن أنقرة تعتقد أن التقارب والتعاون في الاستجابة لأزمة جيوسياسية كبرى يمكن أن يقرب بين تركيا والولايات المتحدة مرة أخرى أو يقرب بينهما بعض الشيء على الأقل. بعبارة أخرى، يمكن أن تشكل أزمة جيوسياسية وسيلة لتحسين الأجواء بين الأتراك والأمريكيين.

نقطة الاهتمام: مطار كابل

وهذا يفسر سبب حرص تركيا على البقاء في أفغانستان عندما كان جميع حلفائها في "ناتو" يستعدون للمغادرة. وتسعى أنقرة إلى توثيق العلاقات مع "طالبان"، ولا تزال تطمح إلى لعب دور في إدارة مطار كابل، وهو أمر حاسم للوجود الدبلوماسي الغربي وربط أفغانستان ببقية العالم. وتجري تركيا وقطر و"طالبان" محادثات حول هذا الموضوع.

تأمل أنقرة أن تسمح "طالبان" لها بتشغيل المطار على الأرجح بالشراكة مع قطر. تود أنقرة أن يتضمن دورها بُعدا أمنيا أيضا، لكن "طالبان" حذرة للغاية في هذا، وتريد تقليل الجانب الأمني على افتراض موافقتها على الأمر.

تُظهر أنقرة حاليا مرونة في مساعيها لتأمين دور في أفغانستان. وقال الرئيس "أردوغان" إن تركيا قد تجد صفقة ثنائية مع أفغانستان مماثلة لتلك التي وقعتها في عام 2019 مع حكومة الوفاق الوطني الليبية بشأن التعاون الأمني ​​والحدود البحرية.

الهوية المزدوجة وثمن الاعتراف

التحدي الأكثر وضوحا هو أن "طالبان" ستربط أي دور تركي في المطار بالاعتراف بحكومتها، بينما لن ترغب أنقرة في أن تكون من بين أوائل من يفعل ذلك. وبدلا من ذلك، ستفضل تركيا التعاون دون اعتراف رسمي، عبر العمل في منطقة رمادية. إنها تريد تجنب استعداء واشنطن وستولي اهتماما وثيقا للمواقف التي يتبناها الأمريكيون واللاعبون الدوليون الآخرون. في أفغانستان، ستستمر تركيا في الاستفادة من هويتها المزدوجة "الإسلامية/الناتو"؛ أي الهوية الإسلامية الموجهة نحو أفغانستان، وهوية الناتو التي تواجه الغرب.

ويبدو أن مناورة "أردوغان" تؤتي ثمارها. فنبرة التصريحات المتبادلة بين أنقرة وواشنطن تزداد دفئا وتواتر المناقشات بين البلدين آخذ في الازدياد. فقد وصف وزير الخارجية "أنتوني بلينكن"، خلال جلسة الاستماع التي عقدتها معه لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ (لمناقشة ترشيحه للمنصب في يناير/كانون الثاني 2021) تركيا بأنها "شريك استراتيجي مزعوم". والآن، يصف هو ومسؤولون أمريكيون آخرون تركيا بأنها "حليف مهم في الناتو" و"شريك لا يُقدر بثمن في المنطقة". يبقى أن ننتظر لنرى ما إذا كان هذا التغيير في نبرة التصريحات يمثل ذوبان الجليد الحقيقي في العلاقات. من المؤكد أن أفغانستان لديها القدرة على كسر الجليد، رغم أنه من غير المرجح أن يكون ذلك مؤشرا على حدوث تحول عميق.

مُعوقات داخلية

يواجه دفع الرئيس "أردوغان" نحو لعب بلاده دورا حيويا في تأمين مطار كابل معارضة سياسية بالداخل.

فمع دخول أعداد متزايدة من اللاجئين الأفغان إلى تركيا عبر إيران، تضع المشاعر الشرسة المعادية للاجئين ضغوطا متزايدة على الحكومة التركية، وتقوض الدعم الشعبي لخطط أنقرة في أفغانستان. كما أشارت المعارضة أيضا إلى المخاطر التي قد يتعرض لها العسكريون الأتراك في أفغانستان.

قد تستغل أنقرة التضامن مع الشعب التركي في أفغانستان وآسيا الوسطى (الأوزبك والتركمان وغيرهم من السكان الأتراك) لتعزيز الدعم السياسي المحلي لتحركاتها ووضع أفغانستان ضمن الجغرافيا السياسية الأوسع لآسيا الوسطى والعالم التركي. لكن هذه اللغة القومية تأتي بنتائج عكسية.

وباعتبارها منظمة يغلب عليها البشتون، فإن "طالبان" لن تستسيغ هذه الرواية، وكذلك الصين وروسيا. في الواقع، كانت تركيا حتى وقت قريب جدا تدعم "تحالف الشمال" (الذي ضم قوميتي الطاجيك والأوزبك)، وشخصيات مثل أمير الحرب الأوزبكي "رشيد دوستم" في أفغانستان. وسيكون من الصعب التوفيق بين سياسة التضامن العرقي هذه وبين الانفتاح على "طالبان".

المصدر | فير أوبزرفر/فيكتور دالاي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد