الجمعة 24 سبتمبر 2021 01:59 ص

أدت الاعتبارات الاقتصادية واستمرار سيطرة "الأسد" على السلطة في سوريا إلى تغيير المملكة الأردنية موقفها تجاه جارتها. وكانت زيارة وزير الدفاع السوري اللواء "علي أيوب" إلى عمّان في 19 سبتمبر/أيلول بمثابة مؤشر على تغيير في العلاقة الفاترة بين البلدين منذ سنوات.

كان الأردن وسوريا على طرفي نقيض منذ بداية الحرب الأهلية السورية في عام 2011، حيث تحالف رئيس النظام السوري "بشار الأسد" مع روسيا، في حين انحاز العاهل الأردني الملك "عبدالله الثاني" إلى جانب الولايات المتحدة.

لكن زيارة "أيوب" تمثل نقطة تحول دبلوماسية، حيث من المتوقع أن يزور مسؤولون سوريون آخرون رفيعو المستوى عمّان في المستقبل. لكن كيف ستبرر المملكة الهاشمية تحولها السياسي؟

اعتبارات أمنية

تسبب الصراع في سوريا في أسوأ أزمة لاجئين في العالم حيث فر أكثر من 5.6 مليون سوري إلى البلدان المجاورة مع أكثر من مليون يعيشون في أوروبا.

كما قُتل حوالي نصف مليون شخص في الصراع السوري، بما في ذلك آلاف الأشخاص المحتجزين في سجون المخابرات السورية الذين لقوا حتفهم نتيجة التعذيب الوحشي.

ووثّق تقرير للأمم المتحدة في وقت سابق من هذا الشهر زيادة في القتال في الآونة الأخيرة مع "عودة الحصار والتكتيكات الشبيهة بالحصار" في بعض أجزاء البلاد، بما في ذلك محافظة درعا، مهد الثورة السورية وواحدة من آخر معاقل مقاتلي المعارضة.

وسبق أن اتهمت دمشق الأردن بتدريب مقاتلين من المعارضة والسماح لهم بدخول سوريا عبر حدودها. وتدهورت العلاقات بين البلدين إلى درجة طرد الأردن السفير السوري "بهجت سليمان" من البلاد في عام 2014.

لكن بحسب وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا)، فإن الاجتماع بين "أيوب" ورئيس أركان الجيش الأردني العماد "يوسف الحنيطي" كان يهدف إلى "ضمان سلامة الحدود المشتركة بين البلدين، والوضع في جنوب سوريا، ومحاربة الإرهاب والعمل معًا من أجل وقف تهريب المخدرات".

وبحسب الجنرال الأردني المتقاعد "مأمون أبو نوار"، فإن زيارة وزير الدفاع السوري هدفت إلى "تعزيز الأمن على الحدود بعد أن استعاد الجيش السوري السيادة على المناطق الجنوبية القريبة من الحدود الأردنية".

يشار إلى أنه تم إغلاق الحدود السورية الأردنية بشكل متكرر منذ عام 2015 بسبب تواجد مجموعات مسلحة مختلفة حول معبر "جابر نصيب" الحدودي.

لكن القوات الموالية "للأسد" استعادت السيطرة على جميع المناطق المتاخمة للأردن في وقت سابق من هذا العام بعد اتفاق مع مقاتلي المعارضة في درعا تضمن تسليم أسلحة.

وقال "أبو نوار": "المفتاح هو ضمان عدم انتقال الفوضى في سوريا إلى الأردن".

وأضاف الجنرال المتقاعد أن عمّان تلقت تأكيدات بأن الميليشيات المدعومة من إيران لن تتواجد في المنطقة الحدودية، خاصة بعد أن حصل الأردن على إعفاء من "قانون قيصر" الأمريكي الذي يفرض عقوبات على أي تجارة مع الحكومة السورية.

المصالح المتبادلة

وتأتي الزيارة في الوقت الذي سعى فيه الأردن مؤخرًا إلى تطبيع العلاقات مع "الأسد"، وهو انقلاب في موقف المملكة من الأزمة في سوريا.

وفي عام 2017، ألمح الملك "عبدالله" لصحيفة "واشنطن بوست" بأن على "الأسد" أن يستقيل. وقال الملك في ذلك الوقت: "الحس السليم يملي على شخص ما هو مسؤول عن إراقة دماء شعبه أن يذهب".

لكن "عبدالله" تبنى منذ ذلك الحين نهجًا أكثر براجماتية، حيث قال لشبكة "سي إن إن" في يوليو/تموز إن "الأسد" وحكومته موجودون في سوريا لفترة طويلة، وبالتالي فإن الحوار والتنسيق ضروريان.

وفي 19 أغسطس/آب كشف رئيس الوزراء الأردني "بشر الخصاونة" أن بلاده ومصر يدفعان لإعادة دمج سوريا في جامعة الدول العربية. وقال "الخصاونة" لصحيفة "الإندبندنت العربية" إن "الأردن ومصر ودول شقيقة أخرى يرغبون في استعادة سوريا مقعدها في جامعة الدول العربية".

ويرى المعلق الأردني "مالك عثامنة" أن هذا التغيير "في مصلحة الطرفين"، وأضاف "هذا التقارب بين البلدين يخدم مصالحهما الخاصة".

ومنذ زيارة الملك "عبدالله الثاني" إلى البيت الأبيض في يوليو/تموز ومناقشته للقضية السورية واللبنانية، اقتنعت واشنطن بدور الأردن المتمثل في محاولة تغيير السلوك السوري بدلاً من تغيير النظام بأكمله.

ونتيجة لذلك، تمكن الأردن من الحصول على تنازل عن حركة المنتجات ونقل الكهرباء إلى لبنان عبر سوريا. وأدى ذلك كله إلى زيادة فرص التوصل إلى تفاهم إقليمي جديد.

الاعتبارات الاقتصادية

كشف وزير الدولة الأردني لشؤون الإعلام "صخر دودين"، في لقاء مغلق مع مديري الإذاعات الأردنية الخميس الماضي، عن "عقد اجتماع لوزراء سوريين وأردنيين خلال الأسابيع المقبلة لبحث مجموعة متنوعة من القضايا الاقتصادية بين البلدين".

وبحسب "دودين"، تم التخطيط لعقد اجتماعات لوزراء الطاقة والمياه والزراعة، والتي ستنسجم بشكل جيد مع الخطط الجديدة للحكومة بشأن المرحلة المقبلة من العلاقات مع الدول المجاورة بهدف دعم الاقتصاد.

وفي 8 سبتمبر/ أيلول، اجتمع في عمان وزراء الطاقة في كل من مصر وسوريا ولبنان والأردن، وناقشوا تفاصيل إيصال الغاز المصري إلى لبنان عبر سوريا والأردن.

وقال الرئيس السابق للجمعية الأردنية للعلوم السياسية، "خالد شنيكات"، إن "الأردن والولايات المتحدة يدركان أن النظرة الواقعية إلى المشهد السياسي تتطلب تجاوز فكرة تغيير النظام بعد أن بسط النظام السوري سيطرته على أغلب المناطق".

واقتصاديا، فقد تضرر الأردن، الذي يستضيف 1.3 مليون لاجئ سوري، من قطع العلاقات مع سوريا وإغلاق الحدود. وانخفض الميزان التجاري الأردني مع سوريا من 615 مليون دولار في عام 2010 إلى 94 مليون دولار في عام 2020، وفقًا لإحصاءات أردنية رسمية.

وقال "شنيكات" إن "الأردن وعدد من الدول الغربية يرون أن الاستقرار في سوريا أولوية عن دعم تشكيلات عسكرية تتسبب في إثارة الاضطرابات".

ومع عدم وجود حل نهائي قريب للصراع السوري ومكافحة البلاد مع التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للحرب، يبقى أن نرى ما إذا كانت مقامرة عمّان الجديدة ستؤتي ثمارها.

المصدر | محمد عرسان/ ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد