الاثنين 27 سبتمبر 2021 06:11 ص

في حين يشير انتخاب "إبراهيم رئيسي" لرئاسة إيران وتعيين "حسين أمير عبداللهيان" وزيرا للخارجية إلى انتصار واضح للمتشددين في البلاد، فمن غير المرجح أن ينذر ذلك بـ "ثورة" في السياسة الخارجية تحت مظلة النظام الموحد.

وبينما يعززون سلطتهم، سوف يتكيف قادة إيران مع التحديات والفرص الناشئة بينما أعينهم على الأجندات المتنافسة والقواعد الانتخابية. نتيجة لذلك، ستظهر سياسة إيران الخارجية مزيجا مذهلا من البراجماتية والحزم وانعدام الأمن والشجاعة والمخاطرة الخاضعة للرقابة والتحوط المحسوب، وهو نهج متنوع لطالما ميز العلاقات الإقليمية والعالمية لإيران.

ومع ذلك، إذا أظهرت السياسة الخارجية الإيرانية قدرا قويا من الاستمرارية، فإن هذا لا يعني أنها ستشكل قلقا أقل لتلك القوى، القريبة والبعيدة، التي تتصارع الآن مع نظام أكثر جرأة. ولا يعد المتشددون في وضع جيد لجني ثمار النفوذ العسكري والسياسي لإيران في لبنان وسوريا والعراق فحسب، في الوقت الذي تكافح فيه إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" من أجل الحفاظ على سياستها الخارجية قائمة.

وقدم هذا التطور فرصا أمام قادة إيران لاستغلال المخاوف المتزايدة بشأن مصداقية الولايات المتحدة في العالم العربي وما وراءه. وهم يفعلون ذلك من خلال إبراز تفضيل استباقي للدبلوماسية الإقليمية، حتى مع استمرار طهران في الإشارة إلى استعدادها لاستخدام القوة.

ولن يلعب نجاح هذا النهج المزدوج دورا صغيرا في مستقبل "رئيسي" السياسي. فبعد أن أعاد صياغة نفسه كشعبوي وعد بإنهاء معاناة الناس تحت وطأة التضخم والبطالة المتفشية، عليه أن يحافظ على ارتباط إيران بالعالم العربي.

علاوة على ذلك، لا يمكنه الابتعاد عن المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران المتوقفة في فيينا بشأن تجديد خطة العمل الشاملة المشتركة دون تقويض أجندته الاقتصادية. ويجب أن تفسح المقتضيات الأيديولوجية للمقاومة العريقة الطريق لاتخاذ خيارات صعبة على الجبهات الداخلية والإقليمية.

وسوف يستفيد "رئيسي" وحلفاؤه من مكاسب إيران الإقليمية لإدارة هذه التوترات بينما يراهن على أن معوقات السياسة الخارجية لـ "جو بايدن" ستكون لصالح طهران. ولكن بعيدا عن المناورة التكتيكية، ستظهر استراتيجية المقاومة المعدلة للمتشددين بشكل متقطع قبل أن تبدأ في أخذ مكانها مع استقرار حكومة "رئيسي".

إيران تعزز نفوذها الإقليمي

وتتكشف جهود قادة إيران المتشددين لتوطيد سلطتهم من خلال خريطة إقليمية تميل معالمها الاستراتيجية والعسكرية والسياسية الرئيسية لطهران. ولم تأت مكاسب إيران في المنطقة، بطبيعة الحال، بدون تكاليفها الخاصة ومعضلاتها المصاحبة لها. وهكذا، في لبنان، أصبحت علاقة إيران بحزب الله أقوى من أي وقت مضى، رغم أن طهران لعبت دورا رئيسيا أدى إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي زعزعت الآن أسس الدولة التي تحتاج طهران لوجودها.

لكن في سوريا المجاورة وفي الشرق في العراق، أقامت إيران علاقات عسكرية وسياسية واجتماعية يمكن أن تعزز نفوذها الدبلوماسي في كل من السياقات الإقليمية والعالمية الأوسع.

الساحة السورية

وفي سوريا، يسيطر رئيس النظام "بشار الأسد" وحلفاؤه على أكثر من ثلثي البلاد وجميع المدن الرئيسية، دمشق وحلب وحمص واللاذقية وطرطوس ودرعا ودير الزور. وحقق هذا الانتصار على حساب شعبه، الذي أصبح ما يقرب من 7 ملايين منهم لاجئين، وهم يشكلون نسبة هائلة تبلغ 34% من إجمالي السكان قبل الحرب.

وفي الوقت الذي بادرت به قوات "الأسد" بدعم من حزب الله والقوات الإيرانية والشيعية الأفغانية، لعبت القوات الروسية والقوة الجوية الدور الحاسم في عهد الإرهاب الذي أصاب الشعب السوري.

ويعني دور روسيا في إنقاذ "الأسد" أن جهود طهران لتعزيز مكاسبها في سوريا يجب أن تأخذ في الاعتبار مركز موسكو المهيمن هناك. وتشير مشاركة إيران في مفاوضات أستانا، التي أنشأتها وقادتها روسيا، إلى أن طهران مستعدة بل حريصة على السماح لموسكو بأخذ زمام المبادرة في عملية دبلوماسية لم تكشف، حتى الآن، عن أي اختلافات عملية كبيرة في كيفية رؤية البلدين للمصير السياسي النهائي لنظام "الأسد".

علاوة على ذلك، يبدو أن إيران وروسيا مصممتان على العمل معا في أي جهود لإعادة الإعمار بعد الحرب، وهي نقطة أكدها "الأسد" و"رئيسي" في محادثة هاتفية بعد انتخاب الأخير في يونيو/حزيران. ومن الناحية العملية، كان هذا أشبه بتقسيم غنائم الحرب، لا سيما فيما يتعلق بالمشاريع التجارية. وليس من المستغرب أن تكون روسيا قد أخذت زمام المبادرة في تأمين الفرص في سوريا في مجال العقارات، وتعدين الفوسفات، وقطاع النفط، ما أدى إلى إزعاج طهران على ما يبدو.

وقد لا تعكس دوافع روسيا مصالحها المالية فحسب، بل قد تعكس أيضا رغبة استراتيجية أوسع للحد من حجم البصمة الإيرانية في سوريا. لكن هذه الاعتبارات لم تمنع موسكو وطهران من التعاون في شمال شرق سوريا.

وفي الواقع، ساعد المتعاقدون الروس وكذلك الطائرات الحربية الروسية في حماية الميليشيات الشيعية وقوات الحرس الثوري الإسلامي. كما وفر دعم موسكو غطاء لجهود إيران لتأمين دعم القبائل المحلية في منطقة دير الزور، التي قيل إنها حصلت على حوافز مالية مقابل التحول إلى المذهب الشيعي الإثني عشري.

وبينما تأتي بنتائج متباينة، بل وأثارت رد فعل عنيف بين بعض القبائل السنية، تؤكد هذه الجهود على الفرص التي تتدفق على طهران من التعاون الإيراني الروسي. وامتد هذا إلى محاولات روسيا وإيران استخدام الإغراءات لتأمين دعم القادة المحليين في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية في مايو/أيار 2021. وبالرغم من تزوير الانتخابات لضمان فوز "الأسد"، إلا أن التصويت الانتخابي قد يوفر ذريعة أخرى لروسيا وإيران لرفض أي تسوية سياسية بعد الحرب تستبعد الرئيس السوري.

الساحة العراقية

وفي أبريل/نيسان ومايو/أيار وأواخر أغسطس/آب 2021، استضافت بغداد محادثات إيرانية سعودية لم تحدث مثلها منذ قطع العلاقات بين البلدين في عام 2016. وبحضور مسؤولين من الإمارات والسعودية ومصر وفرنسا والاتحاد الأوروبي والأردن والكويت وقطر وتركيا وإيران، أتاح "مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة" في أغسطس/آب الماضي للقادة العراقيين فرصة لتسليط الضوء على دور العراق كصانع سلام إقليمي وليس ساحة للنزاع الأمريكي الإيراني.

بالإضافة إلى ذلك، أكد المسؤولون العراقيون على أملهم في أن يساعد "أصدقاؤنا"، أي الولايات المتحدة وإيران، بغداد على مواجهة عودة ظهور قوات الدولة الإسلامية في العراق، وهو تطور كان له نفس الاهتمام لدى واشنطن وطهران.

وبالنسبة للسعودية، أتاحت المحادثات فرصة لاختبار استعداد طهران للضغط على حلفائها الحوثيين للعودة إلى طاولة المفاوضات بعد انهيار المحادثات في أواخر يونيو/حزيران 2021. وفي بغداد، يبرز بشكل فعال نفوذ طهران المتنامي في المنطقة.

ولكن إلى جانب تسليط الضوء على نفوذ طهران الإقليمي، فقد وفرت المحادثات السعودية الإيرانية للمتشددين الإيرانيين فرصة لوضع بصمتهم المميزة على نهج طهران تجاه القضايا العالمية، وليس أقلها مصير المحادثات النووية في فيينا.

وفي الواقع، على النقيض من الرئيس السابق "حسن روحاني"، الذي كان يأمل على ما يبدو في أن يكون الاتفاق النووي الذي تم إحياؤه بمثابة نقطة انطلاق للمصالحة مع الرياض، لم يشر "رئيسي" وحلفاؤه إلى نيتهم ​​في اتباع استراتيجية مشاركة أكثر طموحا فحسب، بل فعلوا ذلك أيضا بشكل مستقل عن المسار النووي.

لكن في الواقع، لا تزال العلاقة بين دبلوماسية إيران الإقليمية والعالمية قوية. وينطوي نهج طهران المزدوج على القيمة المحتملة المتمثلة في إقناع الدول العربية بوضع مسافة بينها وبين الولايات المتحدة بطرق قد تقلل من النفوذ الأمريكي في التفاوض على اتفاق لتجديد خطة العمل الشاملة المشتركة.

وفي الواقع، يعتمد نهج "رئيسي"، أو ما يمكن تسميته بـ "المقاومة البراجماتية"، على إظهار استعداد إيران للتخلي عن الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وأوروبا لصالح اتباع نهج "شرقي"، وهو نهج من شأنه أن يشمل العالم العربي أيضا بطرق قد تفتح فرصا للتخفيف من تأثير العقوبات العالمية. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يخدمه هذا النهج جيدا إذا قرر "رئيسي" إرسال كبير مفاوضيه الجديد، الدبلوماسي المتشدد المخضرم "علي باقري كاني"، إلى فيينا لتأمين اتفاق.

ويحاول "رئيسي" جني الفوائد سواء اتبعت طهران دبلوماسية غير مباشرة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أم لا. وإذا لزم الأمر، لا يزال بإمكان طهران الاعتماد على الميليشيات العراقية الموالية لإيران لزيادة حدة التوتر إذا قررت واشنطن عدم سحب قواتها المتبقية من العراق.

باختصار، يحافظ قادة إيران على سمة راسخة للسياسة الخارجية الإيرانية، وهي أنهم يتحوطون في رهاناتهم لكسب أقصى قدر من النفوذ.

رئيسي يراهن على المقاومة البراجماتية

وقد يعتمد رأس مال "رئيسي" السياسي بشكل كبير على فعالية استراتيجية التحوط هذه، ومن خلال قدرته على إنشاء فريق حاكم يستمد الدعم الكامل والحاسم من المرشد الأعلى "علي خامنئي". وصحيح أن هذا الفريق سيتم تشكيله من قبل المتشددين، لكن هذا المصطلح يحجب تعدد أجنداتهم وأولوياتهم.

وقضى "رئيسي" جل حياته المهنية في القضاء، حيث اكتسب سمعته كمدعي عام ثم رئيس قضاة، ثم معارض لا يرحم للإصلاحيين. لكن في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية وبعد ذلك، قدم نفسه على أنه شعبوي اقتصادي سيدافع عن الحقوق الاجتماعية للشعب بدلا من تقديم أي رؤية سياسية معينة.

ولهذه الغاية، يتمثل التحدي الذي يواجهه في التنقل بين التيارات المتعددة للفصيل المتشدد الذي يضم المحافظين السياسيين المخضرمين والقادة العسكريين السابقين و"المؤمنين الحقيقيين" الملتزمين أيديولوجيا بجبهة الصمود شديدة المحافظة.

وقد يحد تعيين "رئيسي" لـ"أمير عبداللهيان" وزيرا للخارجية من نفوذ هذه الجبهة. ففي حين أن وزير الخارجية الجديد متشدد بالتأكيد مقارنة بسلفه وحلفائه في المعسكر الإصلاحي، فهو دبلوماسي محترف يركز على الشؤون الإقليمية والعلاقات مع العالم العربي بشكل خاص.

وإذا لم يكن "عبداللهيان"، على عكس "محمد جواد ظريف"، من المدافعين عن خطة العمل الشاملة المشتركة، فمن المؤكد أنه سيلعب دورا رئيسيا في تعزيز تعهد "رئيسي" بجعل العلاقات مع جيران إيران العرب أولوية.

باختصار، يبدو أن "عبداللهيان" في وضع جيد ليكون بمثابة رأس رمح التحوط لدى "رئيسي". وفي هذا السياق، قد يلعب دورا مهما عندما ترسل حكومة "رئيسي" مفاوضيها إلى فيينا.

وسيكون الدافع النهائي للعودة إلى محادثات خطة العمل المشتركة الشاملة اقتصاديا؛ لأن وعد "رئيسي" بتخفيف معاناة شعبه سيواجه عقبات كبيرة دون تخفيف العقوبات. لكن قدرته على الإنجاز ستتطلب أيضا تجميع فريق اقتصادي يمكنه إدارة الخيارات الضرورية والصعبة للتخفيف من العقبات الداخلية المفروضة أمام إنعاش الاقتصاد ومعالجة قضية الفساد الحاسمة.

نتيجة لذلك، تحول "رئيسي" إلى العديد من قدامى المحاربين في الحكومات السابقة، بما في ذلك نائب الرئيس المعين حديثا، "محمد مخبر"، و"مسعود مير كاظمي"، الذي يرأس هيئة الميزانية والتخطيط ووزير البترول السابق.

ويعكس وعد "مير كاظمي" بمعالجة عجز الميزانية والسياسات النقدية التضخمية صدى العديد من المكونات الرئيسية لاستراتيجية الإصلاح الاقتصادي الكلاسيكية. ولكن كما قال العديد من الخبراء، عيّن "رئيسي" أيضا مجموعة أصغر سنا وأقل خبرة من "الخبراء الثوريين" الذين قد يحدون أو حتى يعارضون الدفع باتجاه الإصلاحات الموجهة نحو السوق.

باختصار، سيتعين على "رئيسي" إدارة حكومة من المتنافسين. وإذا كان هذا سيثبت أنه يمثل تحديا، فهو الآن يحظى بدعم "خامنئي"، الذي منح "رئيسي"، في خطاب ألقاه يوم 2 سبتمبر/أيلول، تصويتا مشروطا بالثقة إلى جانب تحذير من أنه يجب أن يكون "حريصا" على عدم تقديم وعود قد يكون من الصعب الوفاء بها.

تأثير بايدن

وخلال خطابه يوم 2 سبتمبر/أيلول، كرر "خامنئي" وجهة نظره بأن "جو بايدن" هو مجرد نسخة أخرى من "دونالد ترامب". ثم أضاف الملح إلى الجرح بالسخرية من خروج الولايات المتحدة "المشين" من أفغانستان.

وليس من المفاجئ أن يغتنم المرشد الأعلى فرصة أخرى للسخرية من "بايدن". لكن ما يستحق بالتأكيد قلق المسؤولين الأمريكيين وأصدقاء واشنطن في الشرق الأوسط وخارجه هو أن العديد من الحلفاء الغربيين استنتجوا أن "بايدن" يقدم نسخته الخاصة من "أمريكا أولا".

وإذا كان هذا يبدو وكأنه حكم حاد أو سابق لأوانه، فإن الشيء المذهل في سياسة "بايدن" الخارجية هو أن البيت الأبيض عانى لترجمة وعده بالتواصل متعدد الأطراف مع الأصدقاء الأمريكيين إلى سياسة متماسكة وفعالة.

وفي الواقع، يقدم نهج إدارة "بايدن" تجاه الشرق الأوسط ومناطق أخرى حافزا كبيرا للدول لرسم مسارها الخاص بشكل مستقل عن الولايات المتحدة. وهكذا، وفيما يتعلق بالشرق الأوسط والمسألة السورية على وجه الخصوص، قام العاهل الأردني الملك "عبدالله الثاني" بزيارة واشنطن في يوليو/تموز لوضع خطة للمجتمع الدولي لإعادة تنشيط الدبلوماسية بشأن سوريا.

وتعليقا على هذا الاقتراح، أشار مسؤول أمريكي سابق في تقرير حديث إلى أن "الملك عبدالله سافر لتوه إلى موسكو لبحث الفكرة مع بوتين. وإذا تم العمل عليها بذكاء، يمكن لمبادرة الملك أن تساعد في استقرار الصراع السوري دون دور أمريكي مركزي مفرط، ولكنها ستتطلب دعما واضحا من البيت الأبيض".

ومهما كان رأي المرء في هذه الصيغة، فإنه يسلط الضوء على النظام العالمي المتغير الذي تبدو الإدارة الأمريكية غير مستعدة له بشكل مدهش.

وقد تمنح متاعب "بايدن" في السياسة الخارجية لطهران سببا للاحتفال، لكن الملك "عبدالله" وحلفاء آخرين للولايات المتحدة ربما ما زالوا يأملون في أن يتمكن البيت الأبيض من وضع صعوبات الأشهر القليلة الماضية وراء ظهره، وأن تسعى واشنطن من جديد إلى ترسيخ صوتها على الساحة الدولية.

المصدر | دانيل برومبرج/المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد