الأربعاء 6 أكتوبر 2021 06:13 ص

 فيسبوك: معادلة عسيرة بين التواصل الاجتماعي وتكديس المليارات

تناقض موروث بين مزاعم الدفاع عن حرية التعبير وبين إخضاع هذا الحق لضوابط قانونية واجتماعية واضحة.

أخلاقيات النظام الرأسمالي ترجح كفة الربح أياً كانت الوسائل والعواقب من منطلق أن المال لا دين له ولا رائحة.

تفضح الوثائق الداخلية المسربة حقيقة تفضيل الشركة جني الأرباح على التمسك بالمسؤولية الاجتماعية والضوابط الأخلاقية.

هل تؤكد الأيام المقبلة أن سياسات فيسبوك لا تقيم إلا وزناً ثانوياً للضوابط ضمن ارتهانها لمبدأ أعلى هو ضخ الملايين في أرصدة كبار مالكي أسهم الشركة.

فيسبوك تفاخر بعدد مستخدمين يفوق 3,5 مليار يشكلون أكثر من نصف مستخدمي الإنترنت بالعالم وأن رصيد رأسمالها في السوق يتجاوز 920 مليار دولار.

فيسبوك أتاحت لأنظمة الاستبداد فرصة ممارسة الكذب والخداع ومكنت من تشجيع خطابات العنصرية والكراهية والتمييز ضد الأقليات الإثنية والدينية والنساء!

*     *     *

تقول الأرقام إن شركة التواصل الاجتماعي فيسبوك تفاخر بعدد من المستخدمين يفوق 3,5 مليار يشكلون أكثر من نصف مستخدمي الإنترنت على نطاق العالم، وأن رصيد رأسمالها في السوق يتجاوز 920 مليار دولار.

وبالأمس كانت ساعات قليلة من توقف خدمات الشركة وتوابعها في واتساب وميسنجر وإنستغرام قد كلفت أسهم الشركة هبوطاً بأكثر من 5% في بورصة نيويورك، كما خسر مارك زوكربرغ مؤسس الشركة ومديرها التنفيذي قرابة 7 مليارات من أمواله الشخصية.

هذه بعض المؤشرات الإحصائية التي تبرهن على المكانة الفريدة التي تتمتع بها الشركة في البورصات والأسواق، وأما الخطورة الاجتماعية التي تنطوي عليها قصة النجاح هذه فإنها تقع ضمن حال التجاذب الذي عاشته الشركة وتعيشه اليوم أيضاً، تحت وطأة المعادلة العسيرة بين منح البشرية منصة عملاقة للتواصل الاجتماعي من جهة، وتحويل المنصة ذاتها إلى مصدر للربح الفاحش وتكديس المليارات من جهة ثانية.

ومنذ تأسيس فيسبوك تراكمت الأدلة على أن المنصة أتاحت لعدد من أنظمة الاستبداد فرصة ممارسة الكذب والخداع، ومكنت البعض من تشجيع خطابات العنصرية والكراهية والتمييز ضد الأقليات الإثنية والدينية والنساء، كما منحت جماعات اليمين المتطرف والتيارات النازية والفاشية منبراً للتعبير وبث الأحقاد، وغضت النظر عن نظريات المؤامرة بصدد فيروس كوفيد-19 ومحاربة اللقاحات، وما إلى ذلك كثير.

وقد لا يكون التجاذب بين الفائدة والأذى خلاصة مفاجئة، حتى في أوساط مستخدمي فيسبوك وتطبيقاتها الأخرى، لولا أن انشقاق بعض كبار موظفي المنصة قد اقترن بكشف النقاب عن ملايين الوثائق الداخلية الدامغة التي لا تدين سياسات الشركة لجهة التقصير وارتكاب الأخطاء فحسب، فهذا أمر اتضح مراراً واستوجب اعتذارات متعاقبة من زوكربرغ شخصياً، بل تفضح أيضاً حقيقة تفضيل الشركة جني الأرباح على التمسك بالمسؤولية الاجتماعية والضوابط الأخلاقية.

وهكذا كانت استقالة فرانسيس هاوغن المديرة السابقة لفريق النزاهة المدنية في فيسبوك، وتسريبها آلاف الوثائق إلى وسائل إعلام أمريكية، قد أماطت اللثام عن سياسة داخلية منهجية تعتمدها إدارة المنصة وتقوم على إعلاء هدف الأرباح فوق سلامة المستخدم وحماية خصوصياته. وإذا استوجب الربح السماح بانتشار الكراهية وإشعال الأزمات السياسية والاجتماعية وترويج المعلومات المضللة، فلن تجد فيسبوك حرجاً أو رادعاً.

ولعل المغزى الأول خلف أزمات فيسبوك وفضائحها الأخيرة إنما يكمن في حقيقة كبرى ارتبطت على الدوام بأخلاقيات النظام الرأسمالي، من حيث ترجيح كفة الربح أياً كانت الوسائل والعواقب، ومن منطلق أن المال لا دين له ولا رائحة.

ولم يكن غريباً أن الكونغرس الأمريكي استمع إلى إفادة هاوغن، ليس من منطلق الصحة النفسية لمستخدمي فيسبوك وإنستغرام فقط، بل كذلك حرصاً على مؤسسة رأسمالية كبرى.

المغزى الثاني هو التناقض الموروث بين مزاعم الدفاع عن حرية التعبير وبين إخضاع هذا الحق لضوابط قانونية واجتماعية واضحة، وقد تؤكد الأيام والأسابيع المقبلة أن سياسات فيسبوك لا تقيم إلا وزناً ثانوياً للشطر الثاني، ضمن ارتهانها لمبدأ أعلى هو ضخ الملايين في أرصدة كبار مالكي أسهم الشركة.

المصدر | القدس العربي