السبت 16 أكتوبر 2021 05:33 ص

هل تغيّر المواجهة مع تنظيم «الدولة» علاقة طالبان مع العالم؟

أولى رسائل تنظيم الدولة أنه قادر على تنفيذ ضربات بمعقل طالبان التاريخي.

استمرار هجمات تنظيم الدولة على الشيعة يعني أن طالبان لن تكون قادرة على ضمان أمن مواطنيها.

هدف هجمات تنظيم الدولة تفكيك الأفغان على أسس مذهبية وهو أمر يوجّه أيضا رسائل إلى الجهات الإقليمية المتوجسة من طالبان!

يبقى الهاجس الأمني في بلدان أغلبها محكوم بدكتاتوريات أقوى أسباب تغيّر بعض أجندة طالبان وسياساتها، وصولا إلى قبول المنظومة الدولية الاعتراف بها.

تواجه طالبان تحدّيات أمنية وسياسية واقتصادية بانتقالها من القتال لسدّة الحكم دفعت الأمم المتحدة والدول الكبرى ولاعبين أساسيين بالمنطقة للتحرّك بسرعة.

تحث كل المفاوضات طالبان على التصرّف كدولة قادرة على احتواء التنوع السياسي الأفغاني وليس كحركة متغلبة ومنع أزمة إنسانية تفيض عن حدود البلاد بموجات هجرة كبيرة جديدة.  

*     *     *

بدأ تنظيم «الدولة الإسلامية ـ ولاية خراسان» تحدّيه الكبير لطالبان أثناء اللحظات الأخيرة لاكتمال سيطرة الحركة على كابول وانسحاب الأمريكيين، محقّقا، في الوقت نفسه، ضربة الختام التي لا يمكن نسيانها لواشنطن، بتسببه في مقتل 12 من الجنود الأمريكيين وجرح 15، ومذبحة للمدنيين الأفغان الذين كانوا متجمعين حول مطار كابول، بأمل الهروب مع الهاربين.

أتبع التنظيم ذلك بهجوم انتحاري استهدف هذه المرة المصلين في مسجد الشيعة بمدينة قندوز شمال شرق البلاد، يوم الجمعة الماضي، مخلفا أكثر من 50 قتيلا و140 جريحا، ليعود التنظيم ويضرب مجددا، أمس الجمعة، حيث هاجم انتحاريون مسجد الشيعة في قندهار، خلال الصلاة، مخلفين هذه المرة أكثر من أربعين قتيلا و73 جريحا.

يوجّه الهجوم الأخير عدة رسائل إلى حركة طالبان، أولى هذه الرسائل أن التنظيم قادر على تنفيذ الضربات في معقل طالبان التاريخي، وثاني الرسائل أن هجماته على الشيعة ستستمر، مما يعني أن الحركة لن تكون قادرة على ضمان أمن مواطنيها.

وثالث تلك الرسائل هدفها العمل على تفكيك الأفغان على أسس مذهبية، وهو أمر يوجّه أيضا رسائل إلى الجهات الإقليمية المتوجسة من طالبان أصلا، كما هو الحال في إيران وباكستان وطاجكستان وتركمانستان وكازاخستان، إضافة طبعا إلى الصين والهند وروسيا.

المنظومة الدولية، على اختلاف مصالحها، تبدو معنية بقوة بعدم تحوّل أفغانستان إلى جغرافيا لتصدير الإرهاب والقلاقل المذهبية والإثنية، وإذا كان انسحاب القوات الأمريكية والحليفة قد جاء نتيجة لمفاوضات شاقّة مع طالبان على مدار السنوات الماضية، فإن التحدّيات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي بدأت الحركة تواجهها، مع انتقالها من القتال المسلح إلى سدّة الحكم، دفعت الأمم المتحدة، والدول الكبرى، واللاعبين الأساسيين في المنطقة، للتحرّك بسرعة.

لعبت قطر، خلال الأعوام الأخيرة، دورا شديد الأهمية في «تأهيل» الحركة ووضع لغة دبلوماسية قابلة للتبادل مع الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي.

وبعد رعايتها للاتفاقات التي أدت للانسحاب الأمريكي، صار مطلوبا من الدوحة أيضا، أن تلعب دورا يمكن أن يساهم في تليين مواقف بعض قيادات طالبان المتشددة حول احتواء الأطراف السياسية الأخرى، والتعامل بمرونة أكثر مع قضايا تعليم النساء.

تزامنت رعاية قطر للاجتماعات الأولى بعد سيطرة الحركة على أفغانستان، وتم فيها اجتماع مسؤولين غربيين مع نظراء لهم من طالبان في الدوحة، مع قمة افتراضية لمجموعة العشرين عقدت في روما، ونتج عنها تعهد الاتحاد الأوروبي توفير مساعدة إنسانية بقيمة مليار يورو لأفغانستان.

كما بحثت اجتماعات الدوحة قضايا عديدة منها توفير ممر آمن للراغبين بالمغادرة، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، واحترام حقوق النساء، وتجنب تحول أفغانستان إلى ملاذ للجماعات الإرهابية.

تساهم تركيا، بدورها، في العمل على الملف الأفغاني، وكان آخر فصول هذا العمل زيارة لوزير الخارجية الأفغاني لأنقرة أول أمس، كما تقوم موسكو، ذات العلاقة الوثيقة بالملف، بحراك دبلوماسي واضح، حيث أعلنت أمس عن استضافتها للقاء بين أمريكا وروسيا والصين وباكستان والهند وإيران لبحث الملف الأفغاني.

وكان لافتا، في هذا السياق، إعلان المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن الجولة المرتقبة من المباحثات الأفغانية في موسكو (وهي الثالثة حتى الآن) ستعقد الأربعاء المقبل، وإلى كونها ستبحث «تقوية الدعم الدولي لأفغانستان لتفادي وقوع أزمة إنسانية» فقد أشارت إلى «قلق بلادها من النشاط المتنامي لتنظيم الدولة الإسلامية».

تتجه هذه المفاوضات جميعها على حث طالبان على التصرّف كدولة قادرة على احتواء التنوع السياسي الأفغاني وليس كحركة متغلبة على باقي الأطراف، وعلى منع أزمة إنسانية تفيض عن حدود البلاد وتدفع بموجات كبيرة جديدة للهجرة، ويبقى الهاجس الأمني، في بلدان أغلبها محكوم بدكتاتوريات، أقوى الأسباب التي قد تغيّر بعضا من أجندة طالبان وسياساتها، وصولا إلى قبول المنظومة الدولية الاعتراف بها.

المصدر | القدس العربية