الأحد 17 أكتوبر 2021 09:57 ص

حالة من السيولة لا يزال يعيشها السودان، منذ 21 أغسطس/آب 2019، عندما تم إعلان فترة انتقالية تستمر 53 شهرا، تنتهي بإجراء انتخابات مطلع 2024، ويتقاسم خلالها السلطة كل من الجيش وقوى مدنية والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق السلام.

ويدير السودان، خلال الفترة الانتقالية، حكومة مدنية ومجلس سيادة (بمثابة الرئاسة) مكوّنا من 14 عضوا، هم: 5 عسكريين و6 مدنيين و3 من الحركات المسلحة.

وخلال الأيام الماضية، تصاعد توتر بين المكونين العسكري والمدني في السلطة الانتقالية، بسبب انتقادات وجهتها قيادات عسكرية للقوى السياسية، على خلفية إحباط محاولة انقلاب في 21 سبتمبر/أيلول الماضي.

بدأت الأزمة بين شركاء الحكم الانتقالي، على خلفية مواقف الأطراف من محاولة الانقلاب، وتسبب ذلك في تعطيل عمل البرلمان المؤقت ومجالس السيادة والأمن والدفاع، على خلفية تراشق لفظي بين المكون العسكري والمدني.

توسيع سياسي

المكون العسكري يصر على "توسيع الحاضنة السياسية" بقوى سياسية كانت حليفة للمؤتمر الوطني المنحل قبيل عزله بثورة شعبية، وهو ما يجد رفضا من المجلس المركزي لتحالف الحرية والتغيير، الذي يعد قيادة المكون المدني في السلطة.

وخلال حفل تخريج قوات عسكرية غربي العاصمة الخرطوم، في 22 سبتمبر/أيلول الماضي، قال "البرهان" إن القوى السياسية، الممثلة للمكون المدني بالسلطة "غير مهتمة بمشاكل المواطنين"، فيما اعتبر نائبه "محمد حمدان دقلو" (حميدتي) أن "السياسيين هم السبب في الانقلابات العسكرية".

وفي السياق، رفض رئيس الوزراء السوداني "عبدالله حمدوك"، طلبا من "البرهان" و"حميدتي"، لحل الحكومة الحالية وتعيين حكومة جديدة بدلا منها، لتعود الأزمة بين المكون العسكري والمدني إلى مربع الخلافات الأول، في فترة ما قبل تشكيل السلطة الانتقالية، وفقا لما أورده موقع "سودان تريبيون".

فيما أكد "البرهان" رفض المكون العسكري، محاولات المدنيين لاستمرار الشراكة بشكلها السابق، بحسب وسائل إعلام سودانية.

وفي اليوم ذاته، طرح "حمدوك" خريطة طريق من 10 محاور للخروج من الأزمة السياسية، التي تتفاقم بين المكونين المدني والعسكري.

وقال "حمدوك" إن الصراع في السودان ليس بين المدنيين والعسكريين، بل بين أنصار الانتقال الديمقراطي وخصومهم.

وبينما قرأ مراقبون تصريح "حمدوك" باعتباره إشارة إلى تبني قيادات الحراك المدني لمفهوم الفصل بين "القيادة" العسكرية الحالية وبين عموم الجيش السوداني، رآه آخرون مؤشرا على رغبة "حمدوك" في التوصل لحلول وسط مع المكون العسكري للسلطة، وهو ما بدا مرفوضا من جانب أنصار الحراك السوداني.

رفض مدني

وعبرت "قوى التغيير" عن هذا الرفض بوصفها تصريحات "البرهان" ونائبه بأنها تهدف إلى "تقويض الأسس التي قامت عليها المرحلة الانتقالية، التي لا تعرف إلا طريق واحد هو التحول المدني الديمقراطي، الذي يريد رئيس مجلس السيادة ونائبه النكوص عنه، وهو ما لن نسمح به وسنتصدى له بكل قوة وصرامة"، بحسب بيان صادر عن التحالف.

احتشد آلاف السودانيين، السبت، أمام القصر الرئاسي بالخرطوم، للمطالبة بـ"استرداد الثورة وتحسين الأوضاع المعيشية"، وذلك استجابة للدعوة التي أطلقتها قوى الحرية والتغيير - مجموعة الميثاق الوطني، بتوسيع قاعدة المشاركة في حكومة الفترة الانتقالية وتشكيل حكومة كفاءات، و"استعادة الثورة من مختطفيها" وإكمال هياكل الفترة الانتقالية من المحكمة الدستورية ومجلس القضاء وكل المفوضيات الواردة في الوثيقة الدستورية.

وتضم "مجموعة الميثاق الوطني" كيانات حزبية وحركات مسلحة أعلنت مطلع الشهر الجاري ما سمي ميثاق التوافق الوطني لتوسيع "الحاضنة السياسية" للثورة.

وطالبت قوى "إعلان الحرية والتغيير" بنقل رئاسة مجلس السيادة الانتقالي إلى المدنيين، التزاما بالوثيقة الدستورية، التي تنص على دورية رئاسة المجلس السيادي، كما طالبت بأن تكون الحكومة المدنية مسؤولة مباشرة عن قوات الشرطة وجهاز الاستخبارات العامة.

لكن "تفسير" الوثيقة الدستورية بات محل جدل بين فرقاء الساحة السياسية بالسودان، خاصة أن توقيعها جرى عن طريق مجلس عسكري منحل، في 17 أغسطس/آب 2019، كما تم تعديلها بموجب اتفاق السلام في جوبا بين الخرطوم وعدد من الحركات المسلحة، ما أربك نصوص الانتقال، بعد أن أقرت تعديلات الوثيقة بدء الفترة الانتقالية من تاريخ التوقيع على اتفاقية السلام في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2020، دون التطرق لمسألة رئاسة المجلس السيادي.

ولذا غابت استحقاقات كبرى في الوثيقة عن التنفيذ، مثل تشكيل المجلس التشريعي أو تأسيس المحكمة الدستورية أو مجلس القضاء الأعلى.

وإزاء ذلك، دعا تجمع المهنيين السودانيين، أبرز مكونات قوى الحرية والتغيير، إلى إنهاء "الشراكة مع المجلس العسكري" و"إلغاء الوثيقة الدستورية".

وطالب التجمع، في بيان نشره عبر "فيسبوك"، بتشكيل "حكم مدني خالص"، مشيرا إلى ضرورة "تصفية سيطرة لجنة البشير الأمنية"، واصفا السلطة الانتقالية بـ"المعطوبة".

الموقف الدولي

يأتي ذلك فيم يبدو الموقف الدولي من تطورات الأزمة السودانية منقسما بين دعم المكونين المدني والعسكري، فبينما ترفض الولايات المتحدة استئثار العسكريين بالسلطة في السودان بوضوح، تدعم قوى إقليمية أخرى، لا سيما السعودية.

وهو ما عبر عنه  المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية "نيد برايس"، الذي صرح، مطلع الشهر الجاري، بأن الولايات المتحدة حذرت من أن الانحراف والتقاعس عن المسار الانتقالي في البلاد، سيعرض علاقة السودان الثنائية مع الولايات المتحدة للخطر، بما في ذلك المساعدات.      

وقال "برايس" إن المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي "جيفري فيلتمان" حث الساسة السودانيين على إحراز "تقدم سريع" نحو الحكم المدني بما في ذلك "التوصل إلى توافق بشأن الموعد" الذي تتولى فيه شخصية مدنية رئاسة مجلس السيادة.

وأدان أعضاء لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، محاولة الانقلاب الفاشلة في السودان، وأكدوا في الوقت ذاته "الحاجة إلى إصلاح شامل ورقابة مدنية قوية على المؤسسات الأمنية السودانية".

كما أكد مستشار الأمن القومي الأمريكي "جيك سوليفان"، وفق بيان للبيت الأبيض، أن "أي محاولة من قبل الجهات العسكرية لتقويض الروح والمعايير المتفق عليها للإعلان الدستوري السوداني سيكون لها عواقب وخيمة على العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والسودان والمساعدات التي تخطط واشنطن لتقديمها إلى الخرطوم".

لكن المكون العسكري السوداني يمنح نفسه، في المقابل، صلاحيات شبه مطلقة في إدارة علاقات البلاد الخارجية، والانفتاح على المحور العربي الإقليمي، والمضي أبعد في التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي دون تفويض من مؤسسة الحكم الانتقالي أو حتى من رئاسة الوزراء.

وتؤيد عديد القوى الإقليمية هذا النهج، خاصة السعودية والإمارات، وسط مؤشرات عديدة على دعم أبوظبي والرياض لهيمنة عسكرية على مقاليد الحكم في السودان.

وفي ظل التطوّرات الجارية في المنطقة العربية، بما فيها مساندة الجيش التونسي لاستئثار الرئيس "قيس سعيّد" بكافة السلطات، وتأجيل البرلمان الليبي الخاضع لسيطرة "خليفة حفتر" في ليبيا للانتخابات، تبدو نزوع العسكر في السودان إلى استمرار الوصاية على الدولة أكثر قوة، وهو ما يهدد الانتقال الديمقراطي في البلاد بالخطر.

وأمام تلك المعادلة، يرى ى المحلل السياسي "يوسف سراج الدين" أن استفراد العسكر بالسلطة في السودان من الصعب أن يتحقق على المدى القريب، لكن "ما يمكن أن يحدث إذا لم ينتبه المدنيين هو أن تأتي انتخابات مبكرة حيث أن القوى السياسية ليست جاهزة حتى الآن للدخول في معترك انتخابي"، وفقا لما أوردته وكالة "الأناضول".

عنوان ديمقراطي ربما يفضي إذن إلى "استبدال" المكون المدني الحالي بآخر خاضع لرغبات المكون العسكري، وهو ما يراه "سراج الدين" أسوأ سيناريو للسودان، خاصة في ظل الأزمات الأمنية المتكررة للدولة، التي لم تستكمل إصلاح أجهزتها حتى الآن.

أما المحلل السياسي "وليد النور زكريا" فيشير إلى سيناريو عسكري آخر لإقصاء المكون المدني، عبر تفجير "قوى الحرية والتغيير" من الداخل واستقطاب الأطراف "الإصلاحية" داخلها، إضافة إلى مكونات سياسية أخرى، بما فيها الكيانات (الحركات المسلحة) التي وقعت في اتفاق السلام بجوبا.

لكن "زكريا" لا يرجح نجاح هكذا سيناريو في ظل تماسك قوى الحرية والتغيير واستنفار الشارع ضد أي نكوص عن انتقال مدني للسلطة في السودان، حسبما أوردت "الأناضول".

بينما يرجح المحلل السياسي، الأكاديمي المقيم في أوروبا "محمد تور شين" استثمار المكون العسكري لاستئثاره بالعلاقات الخارجية السيادية في محاولة "تليين" الموقف الأمريكي من انفراد العسكريين بالسلطة، ولو من وراء ستار مدني طيع، وذلك عبر اتخاذ "إجراءات عملية ناجزة في ملف التطبيع مع إسرائيل".

ونوه "تور شين"، في هذا الصدد، إلى تداول أنباء عن زيارة سرية قام بها "حميدتي" مؤخرا إلى إسرائيل، دون علم وزيرة الخارجية السودانية "مريم الصادق المهدي"، مشيرا إلى تعويل المكون العسكري السوداني على إسرائيل للتأثير في أمريكا ودعم موقفه مقابل المكون المدني، باعتباره الأكثر مساندة لملف التطبيع، وفقا لما نقله موقع "التغيير" السوداني.

ولفت المحلل السياسي السوداني إلى أن زيارة "حميدتي" إلى إسرائيل ليست الأولى، إذ سبق أن زار إسرائيل "قبل شهر في جولة شملت فرنسا وألمانيا وهولندا"، وكانت إذاعة الجيش الإسرائيلي قد أفادت بأن وفداً عسكرياً سودانياً زار إسرائيل خلال الأيام الماضية، دون تفاصيل.

وأيا ما كان سيناريو المكون العسكري، فالمؤكد أن مبادرة "حمدوك" تبدو خارج المعادلة، إذ يراها المدنيون والعسكريون، على السواء، مجرد عبارات إنشائية بعيدة عن التشخيص الحقيقي للأزمة السياسية في البلاد، حسبما نقلت وكالة "سبوتنيك" عن المحلل السياسي السوداني "ربيع عبدالعاطي".

وإزاء ذلك؛ فإن الفترة القادمة "فاصلة" في تاريخ السودان -على الأرجح- لضرورة أن تكون هنالك خطوات تعيد التوازن للبلاد وتشكيل مشهد سياسي سوداني جديد. فما هو السيناريو الذي سيفرض نفسه على ساحة تموج بالسيولة؟ الإجابة تحملها الأيام القادمة.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات