الأربعاء 20 أكتوبر 2021 06:06 ص

بعد سنوات من التوترات الشديدة والدبلوماسية المتقطعة، يجب أن يكون واضحًا للجميع الآن أنه لن يكون هناك حل تفاوضي للملف النووي الإيراني. وبالرغم من تأكيد رؤساء الولايات المتحدة ورؤساء الوزراء الإسرائيليين على إبقاء جميع الخيارات مطروحة على الطاولة، فمن غير المرجح أن تستخدم الولايات المتحدة أو إسرائيل القوة العسكرية المباشرة للقضاء على برنامج إيران النووي. وقد حان الوقت لتصور عالم تكون فيه إيران مسلحة نوويا.

ويميل منتقدو الحكم الديني في طهران إلى تصوير هذه النتيجة على أنها سيناريو مرعب، ولكن في الواقع قد يؤدي امتلاك أسلحة نووية إلى تفكك الجمهورية الإسلامية. ومن المرجح أن يؤدي الحصول على القنبلة النووية إلى نتائج عكسية على النظام لأن ذلك سيدفع واشنطن للتركيز أخيرًا على الدولة الإسلامية نفسها وليس فقط على أجهزتها النووية.

ولن توفر الترسانة النووية للنظام الأمن الذي يتوق إليه بشدة. على العكس من ذلك، سيجد النظام الديني نفسه أكثر عرضة للخطر من أي وقت مضى بعد فترة وجيزة من اختبار السلاح النووي.

تكلفة باهظة

منذ عام 2005، جعل 4 رؤساء أمريكيين حل القضية النووية الإيرانية أولوية لكن لا الدبلوماسية ولا العمل السري ولا التهديد باستخدام القوة العسكرية نجح في إبطاء مسيرة إيران نحو القنبلة، ناهيك عن إيقافها.

ليس هناك شك في أن طهران يمكنها بسرعة تخصيب ما يكفي من اليورانيوم لاختبار سلاح نووي. كما أن الرجال المتشددين الذين يحكمون إيران مرتابون للغاية من الولايات المتحدة والنظام العالمي الذي تقوده، وملتزمون جدًا بتحقيق الهيمنة الإقليمية، ولن يتوقفوا ببساطة عند أعتاب الحصول على القنبلة.

وبعد فترة وجيزة من قيام الإيرانيين باختبار سلاح نووي، سيكون هناك الكثير من التشاؤم وتوجيه أصابع الاتهام وسوف تتدهور المصداقية الأمريكية، وسيبدأ حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها في المنطقة في التشكيك في التزام واشنطن وقدرتها على حمايتهم وستبدو إيران في ذروة قوتها.

لكن الجمهورية الإسلامية ستكتشف بعد ذلك حقيقة أن جميع الدول النووية، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، أدركت في النهاية أنه من المستحيل تقريبًا ترجمة القدرة الذرية إلى ميزة استراتيجية. لقد أمضى الملالي الذين يحكمون إيران عقودًا في محاولة الوصول إلى القنبلة رغم العزلة الدولية والعقوبات وحملة الاغتيالات والتخريب، لذلك سيلوحون بترسانتهم من أجل تحقيق مطالبهم بما في ذلك مغادرة القوات الأمريكية المنطقة وتحديد أسعار النفط وفقًا لتفضيلاتهم.

ولكن ماذا سيفعلون إذا رفضت واشنطن؟ وماذا سيحدث إذا ردت إسرائيل والسعودية، بدعم من واشنطن، على استفزازات إيران؟ من المشكوك فيه للغاية أن تخاطر إيران بمحوها من خلال استخدام الأسلحة النووية ضدها. في النهاية، السلاح الذي كان من المفترض أن يكرس هيمنة إيران الإقليمية لن يؤدي على الأرجح إلى أي تغيير ملموس في القوة الإيرانية.

ومع ذلك، فإن هذه النتيجة ستعتمد إلى حد كبير على رد واشنطن على التجربة النووية الإيرانية. سيحتاج الرئيس الأمريكي إلى إلقاء خطاب يصرح فيه أنه لم يتغير شيء في المنطقة مع ظهور قنبلة إيرانية، وأن الولايات المتحدة لا تزال مستعدة للدفاع عن حلفائها.

وسيتعين على واشنطن إخطار طهران بأنها ستتحمل المسؤولية عن أي استخدام أو نقل لأسلحتها الجديدة. ولتعزيز هذه الرسالة، ستحتاج الولايات المتحدة إلى نشر سفن نووية في الخليج وحتى وضع صواريخ ذات رؤوس نووية في دول الخليج تحت إشراف القوات الأمريكية. وستكون هناك لحظات توتر ولحظات مواجهة. وسوف تحتاج واشنطن إلى المخاطرة من أجل الردع.

ضربة نووية

بمجرد أن تصبح إيران دولة نووية، فإن تحييد أثر القنبلة الإيرانية لا ينبغي أن يكون مهمة واشنطن الوحيدة، حيث يجب أن يكون الهدف الأكبر هو صياغة إجماع عالمي ضد الجمهورية الإسلامية. وسيتعين على الولايات المتحدة وحلفائها فرض عقوبات قاسية على النظام وعزله بشكل أكبر من خلال الضغط على الأمم المتحدة لتوجيه اللوم رسميًا إلى إيران.

ستحتاج واشنطن إلى إقناع حلفائها الأوروبيين بقطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران. ولن تغلق هذه الخطوات جميع طرق التجارة مع إيران حيث ستستمر الصين في شراء بعض نفطها، لكن اليابان وكوريا الجنوبية ستضطران إلى التوقف عن ذلك.

وستحتاج الولايات المتحدة أيضًا إلى مزيد من تقييد العلاقات التجارية الإيرانية من خلال تجريد النظام من قدرته على استخدام النظام المصرفي الدولي وإعادة أمواله من الخارج. ولا يمكن لدولة تضم 85 مليون شخص أن تعيش على هذا النحو إلى الأبد. وستحاول الجمهورية الإسلامية ألا تنحني للعاصفة لكنها قد تنكسر.

وقد يعترض البعض باعتبار أن استراتيجية مماثلة لم تكسر النظام في كوريا الشمالية الذي تمكن من البقاء بالرغم من العزلة الاقتصادية والسياسية. لكن هذه المقارنة تتجاهل الاختلافات الشاسعة بين البلدين. على عكس كوريا الشمالية، تتمتع إيران بتاريخ من الاحتجاجات والثورات التي أطاحت بالحكومات. وبالرغم أن النظام في طهران وحشي وقمعي، لكنه لا يمارس نفس مستوى السيطرة الذي يمارسه النظام في بيونج يانج.

كما أن الحصول على القنبلة النووية سيساهم في تقويض مساعي إيران للهيمنة الإقليمية، فالسلاح الذي سيشيد به الملالي باعتباره الخلاص الاستراتيجي للبلاد يمكن أن يؤدي بدلاً من ذلك إلى سباق تسلح نووي في جوار إيران. فمن الصعب وقوف السعوديين مكتوفي الأيدي بينما يلوح خصمهم الرئيسي بترسانة نووية. كما أن تركيا قد تشارك أيضًا في هذا الفعل. وسيصبح الشرق الأوسط فجأة أكثر تقلباً وستكون إيران أقل أمناً.

وفي هذا السيناريو، سيكون العامل الحاسم هو تأثير إيران النووية على السياسة الداخلية للولايات المتحدة. وخلال السنوات الماضية، كانت الموضوعات الدولية التي أدت إلى انقسام حاد بين الجمهوريين والديمقراطيين محدودة للغاية. وقد انتقد الديمقراطيون الجمهوريين ووصفوهم بأنهم دعاة حرب بينما ندد الجمهوريون بالديمقراطيين ووصفوهم بأنهم خانعون. ولكن مع حصول إيران على القنبلة النووية، سيكون لدى الطرفين دوافع للتشدد في التعامل مع إيران.

وبالنظر إلى أن الجمهوريين متشددون بالفعل فمن غير المرجح أن يقللوا من عداواتهم. وسيكون الديمقراطيون عرضة للاتهام بأنهم سمحوا لإيران بالحصول على القنبلة، ما يمنحهم أسبابًا واضحة لتبني موقف أكثر صرامة. بهذه الطريقة، من المرجح أن يظهر إجماع جديد لصالح مواجهة الجمهورية الإسلامية وتقويضها. وستكون واشنطن قادرة على التركيز على طبيعة النظام الذي يقمع شعبه والذي قام مؤخرًا بتنصيب قاتل جماعي كرئيس.

وقد ينمو الاشمئزاز من سجل إيران المروع في حقوق الإنسان وسيكون بمثابة مدخل إلى إضعاف موقف النظام من خلال العمل السري ودعم المنشقين داخل إيران.

لن يتم تحويل جميع الديمقراطيين والليبراليين فجأة إلى قضية تغيير النظام. ولكن بمجرد أن تصبح إيران دولة نووية، فإن الفكرة القائلة بأن الملالي سوف يعتدلون إذا تعامل الأمريكيون بلطف لن يتردد صداها. في الوقت نفسه، سيتعين على السياسيين الأمريكيين من كلا الحزبين أن يفهموا أن القنبلة الإيرانية ستجعل من الصعب ترك الشرق الأوسط وراءهم وإعادة توجيه السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه آسيا أو إعادة توازنها.

وفي نهاية المطاف، ستكون الضحية الأكثر أهمية للقنبلة الإيرانية هي الثيوقراطية نفسها. لقد أنفق النظام مليارات الدولارات على برنامجه النووي وتعرض لعقوبات هائلة. وعندما تكتشف إيران أنها لم تحقق أي فائدة استراتيجية وتفاقمت معضلاتها الاقتصادية، فإنها ستواجه انتكاسة سياسية هائلة. وقد فقدت الجمهورية الإسلامية بالفعل الكثير من شرعيتها من خلال مسرحية الانتخابات الأخيرة والأداء الاقتصادي السيئ والفساد الهائل والاستجابة السيئة للوباء.

وفي السنوات القليلة الماضية، خرج الإيرانيون إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد للاحتجاج على النظام. وسيحاول الملالي بلا شك سحق أي حركة جماهيرية تسعى للإطاحة بهم. لكن بالرغم من القوة الغاشمة، سيجد النظام نفسه في أضعف موقف يواجهه منذ نشأته. ومثلما ستعزز القنبلة الإيرانية الإجماع المناهض للنظام في واشنطن، فإنها أيضًا ستقوي معارضة الملالي في الداخل، عندما يدرك الإيرانيون أن القنبلة لم تجلب لهم أي ميزة استراتيجية بالرغم من التكلفة الهائلة التي دفعها الإيرانيون.

قد يعترض البعض على هذا الرأي ويرون أن إيران النووية ستشكل مشكلة كبيرة للولايات المتحدة وشركائها وحلفائها في المنطقة حتى لو تمت الإطاحة بنظام الملالي. لكن إذا سقط النظام، فمن المرجح أن يخرج خليفته من بوتقة المعارضة، ما يعني أن النظام الجديد سيتجه للتركيز على التنمية الاقتصادية، وإصلاح العلاقات مع المجتمع الدولي، والانضمام إلى المعايير العالمية.

ومن المرجح أن يقوم النظام الجديد بعكس المسار بشأن الأسلحة النووية من أجل التعامل مع المشاكل العديدة التي قد يواجهها في الداخل. وسيكون لدى النظام الجديد كل الأسباب للانتباه إلى الدرس القائل بأن تكاليف امتلاك سلاح نووي تفوق بكثير الفوائد.

المصدر |  راي تاكيه | فورين أفيرز – ترجمة وتحرير الخليج الجديد