الأحد 24 أكتوبر 2021 06:23 ص

السودان: مَنْ يهشّ عصا المارشالية؟

شرق السودان أشبه بأهراء البلد لكنه يعاني أيضا إهمال السلطة المركزية في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية والتنمية.

مخطط العسكر ليس حماقة موصوفة صريحة فحسب بل أقرب لمنهجية مفتوحة للانقلاب على مكتسبات انتفاضة الشعب السوداني.

سارت إدارة بايدن على نهج إدارة ترامب في تقوية شوكة العسكر من باب مكافأة الجنرالات على لهاثهم إلى التطبيع مع الاحتلال الصهيوني.

بعض المدنيين من أعضاء المجلس، ممثلي «ائتلاف قوى الحرّية والتغيير»، ليسوا أكثر طهارة من الجنرالات، في جانب موازٍ يخصّ الصراعات على الكراسي.

مطالب نظارات البجا بشرق السودان ضمن خيارات الإغلاق والمقاومة السلبية تنطوي على قدر كبير من المشروعية وإن كانت وسائل الجهر بها ليست سليمة دائماً.

*     *     *

يتردد بقوّة أنّ جنرالات في الجيش السوداني، ممّن يشغلون مواقع محورية في قلب مجلس السيادة الانتقالي ذاته، هم وراء تنظيم اعتصام القصر الجمهوري يطالب بحلّ حكومة عبد الله حمدوك الانتقالية وتسليم كامل السلطة إلى الجيش.

فإذا صحّت هذه التقديرات، ولا معطيات ملموسة على الأرض وفي المنطق العامّ يمكن أن تنفيها بالقوّة ذاتها، فإنّ مخطط العسكر ليس حماقة موصوفة صريحة فحسب؛ بل هو أقرب إلى منهجية مفتوحة للانقلاب على مكتسبات انتفاضة الشعب السوداني، وتفريغها تدريجياً من كبرى مضامينها الثورية، تمهيداً للانقلاب الصريح عليها لصالح دكتاتورية عسكرية، موصوفة بدورها.

ليس بعض المدنيين من أعضاء المجلس، ممثلي «ائتلاف قوى الحرّية والتغيير»، أكثر طهارة من أولئك الجنرالات، في جانب موازٍ يخصّ الصراعات على الكراسي (كما في التعبير الذي يتداوله الشارع الشعبي السوداني، محقاً)، من جهة أولى؛ كما ينبثق من، ويتفاقم سريعاً في سياق، سيرورة إحجام عن الشروع في تطبيق التعهدات التي قُطعت من أجل توطيد المناخ الديمقراطي الكفيل بانتقال سليم وسلس نحو انتخابات حرّة وحكم مدني، من جهة ثانية.

وكي لا تكون عوامل مثل اختلال الموازين، واهتراء التجانس والتوافق داخل المجلس الانتقالي، وتحوّل المشهد من خلافات بين العسكر والمدنيين إلى انقسام «بين معسكر الانتقال المدني الديمقراطي ومعسكر الانقلاب على الثورة» حسب تعبير حمدوك، كافية في ذاتها لتأجيج النزاعات؛ أتت أزمة شرق السودان وإغلاق الموانئ ونقص المواد الغذائية والأدوية والمشتقات النفطية لتأخذ البلد إلى صعوبات أكثر وتعقيدات أدهى.

والمطالب التي تطرحها نظارات البجا هناك، ضمن خيارات الإغلاق والمقاومة السلبية، تنطوي على مقدار كبير من المشروعية، حتى إذا كانت وسائل الجهر بها ليست سليمة دائماً، بمعنى مصادرة حاجات الشعب السوداني ومقتضيات الحياة اليومية.

هنا أيضاً يتردد بقوّة أنّ العسكر ليسوا بعيدين عن شبكات التحريض في الشرق، إنْ لم يكن بسبب الغزل الخفي الذي يجمع بعض شيوخ قبائل المنطقة، ببعض الضباط من أصحاب الحنين إلى عهود حسن البشير؛ فعلى الأقلّ لأنّ أصداء حال الاحتقان بين الجنرالات والمدنيين في العاصمة الخرطوم يتوجب أن تتردد أصداؤها أيضاً في البحر الأحمر وكسلا والقضارف، أياً كانت الذرائع: كاذبة تارة أو صادقة طوراً.

هنالك لافتة أولى عنوانها اتفاقية جوبا، التي أبرمتها السلطة المركزية ولا يرى أبناء الشرق أنها أنصفتهم؛ وهنالك تاريخ طويل من المظالم والتهميش والتمييز، استوجب ذات يوم حمل السلاح ضدّ الخرطوم.

فمن الصحيح، في نهاية المطاف، أنّ شرق السودان أشبه بأهراء البلد ولكن مناطقه تعاني في الآن ذاته من إهمال السلطة المركزية في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية والتنمية.

وليس أقلّ صحة، في المقابل، أنّ عدداً غير قليل من وجوه القبائل الـ17، التي تشكّل التركيب الديمغرافي للشرق، لم يتخلصوا تماماً من ارتباطات إقليمية شتى تراكمت نتيجة وجود المنطقة ضمن تقاطعات جيوسياسية عديدة وأزمات إقليمية شملت بعض أبرز بلدان القرن الأفريقي، مثل مصر وإثيوبيا وإريتريا والسودان ذاته.

ثمّ، أخيراً وليس آخراً، ها أنّ جيفري فيلتمان، المبعوث الأمريكي الخاصّ للقرن الأفريقي، يزور السودان للمرّة الثانية خلال ثلاثة أسابيع، هاجساً، كما يعلن، بحرص الولايات المتحدة على «أهمية الالتزام بالانتقال الديمقراطي»؛ متناسياً، كما يليق بأمثاله، أنّ هذه الإدارة سارت على نهج سابقتها إدارة دونالد ترامب في تقوية شوكة العسكر من باب مكافأة الجنرالات على لهاثهم إلى التطبيع مع دولة الاحتلال الصهيوني.

خلصاء فيلتمان ليسوا خلف توظيف أيّ مخاض ديمقراطي خلال المرحلة الانتقالية، لا لأيّ اعتبار آخر يسبق حقيقة اصطفافهم خلف قيادة أمثال عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو؛ حيث تُوظّف حماقة موصوفة في تصنيع شارع الثورة المضادة، إنْ لم تنفع عصا المارشالية… ذاتها التي كان البشير يهشّ بها على أتباعه!

* صبحي حديدي كاتب سوري مقيم بباريس

المصدر | القدس العربي