قروض السعودية وسر الصمت المصري

يا قوم أليس منكم رجل رشيد يخاف على مصر ومستقبلها واقتصادها وقرارها الوطني الذي قد يتدحرج ليقع في يد الدائنين الدوليين؟

ألم يحن الوقت للتوقف عن مارثون الاقتراض الخارجي واستدانة مليارات الدولارات لتمويل مشروعات قد لا تمثل أولوية للمواطن والاقتصاد.

ألا توجد خطة لسداد كل الديون المستحقة لدول الخليج، أم أن هناك رهانا على إسقاطها كما يروج بعض المحسوبين على السلطة الحاكمة في مصر.

إذا كانت قيمة الودائع السعودية المستحقة على مصر 5.3 مليارات دولار قبل إعلان الدعم الأخير، فهل هذا يعني أن المملكة لم تضخ سيولة جديدة وإنما جددت قروض قائمة؟

*     *     *

في بيان من طرف واحد، أعلنت وزارة المالية السعودية، يوم الأحد الماضي، إنها قدمت مؤخرًا وديعة بقيمة 3 مليارات دولار للبنك المركزي المصري، بالإضافة إلى تمديد الودائع السابقة بمبلغ 2.3 مليار دولار، أي أن إجمالي الدعم المالي السعودي لمصر 5.3 مليارات دولار.

 لم تكشف الوزارة عن تفاصيل، كل ما أضافته هو قولها إن المملكة تستخدم الأدوات المتاحة لتقديم الدعم للتعامل مع آثار كوفيد19، بما في ذلك دعم السيولة من النقد الأجنبي.

في المقابل، التزمت الحكومة المصرية الصمت تجاه هذه الأموال السعودية، ولم يصدر بيان عن البنك المركزي المصري يوضح طبيعة الشروط المصاحبة لتجديد هذه الودائع أو القروض المساندة. ولما العودة إلى أسلوب تأجيل سداد الودائع الخليجية وترحيلها أو مد أجل سدادها منذ العام 2017؟

بل إن معظم وسائل الإعلام المصرية المعروفة لم تنشر شيئا عن تلك القروض السعودية. حتى المواقع التي نشرت الخبر نقلته عن مصادر سعودية، منها وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس"، أو من قنوات فضائية سعودية، أو من وكالة رويترز.

الإعلان السعودي عن تقديم دعم مالي ضخم لمصر من جانب واحد بعد 4 سنوات من التوقف طرح عدة أسئلة في حاجة إلى إجابة، من منطق الشفافية الواجب توافرها في مثل هذه القرارات المهمة التي يتحمل أعباءها الشعب المصري وحده، غنيه وفقيره، في صورة أعباء ضخمة للديون واقتطاعات من دعم السلع الرئيسية والوقود وزيادة في فواتير المياه والكهرباء والغاز المنزلي وتوسعا في فرض الرسوم والضرائب.

السؤال الأول

لمَ الصمت المصري تجاه هذا الدعم السعودي الضخم الذي يُحسب لحكومة المملكة؟ خاصة أنه يأتي في مرحلة تعاني فيها مصر من تراجع إيرادات قطاع السياحة الحيوي، كما تعاني الأنشطة الاقتصادية من تداعيات جائحة كورونا التي أضرت بكل الاقتصاديات العالمية.

وهل ستخرج علينا الصحف والمواقع المصرية التي لم تنشر هذا الخبر المهم بعد لتؤكد أن احتياطي البنك المركزي المصري زاد بقيمة 5.3 مليارات دولار مرة واحدو، وأنه يشهد طفرة تاريخية، من دون أن تقول لنا إن هذا "الانتفاخ المفاجئ" ناتج عن تدفق قروض خارجية على مصر سواء من السعودية أو من صندوق النقد والبنك الدولي أو ودائنين دوليين أخرين وبنوك وصناديق استثمار عالمية؟

السؤال الثاني

هل صحيح أن المملكة ضخت خلال الأيام الأخيرة سيولة طازجة في احتياطي مصر من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي قيمتها 3 مليارات دولار، كما جاء في بيان وزارة المالية السعودية؟

وإذا كانت قيمة الودائع السعودية المستحقة على مصر هي 5.3 مليارات دولار قبل الإعلان عن الدعم الأخير، فهل هذا يعني أن المملكة لم تضخ سيولة جديدة وإنما قامت بتجديد قروض كانت مستحقة لها بهذه القيمة؟

أم أن مصر سددت 3 مليارات دولار كانت مستحقة عليها للسعودية قبل شهور وتحديدا في شهر يوليو الماضي، ثم قامت بإعادة اقتراضها مرة أخرى؟

السؤال الثالث

على أي أساس تمت عملية تجديد الودائع السعودية، وما هي الشروط المصاحبة للتجديد، وهل تختلف عن الشروط السابقة، وكم تتحول الخزانة المصرية نتيجة هذا التأجيل؟ وهل كانت هناك بدائل أرخص تكلفة؟

أليس من حق الشعب المصري ودافعي الضرائب الذين سيسددون وحدهم أعباء هذه القروض الخارجية الماراثونية، أن يعرفوا تفاصيل وشروط عملية تجديد الوديعة، ومن حقهم أيضا معرفة التفاصيل المتعلقة بأعباء هذه الديون السعودية وتكلفتها وسعر الفائدة الذي سيتم سداده عليها؟ وهل التكلفة تزيد عن العوائد المستحقة على الدولار في الأسواق الدولية؟

السؤال الرابع

ماذا عن خطة الحكومة المصرية لسداد 23 مليار دولار أخرى، قيمة قروض سعودية حصلت عليها في العام 2016 ووجهت حصيلتها لتمويل شراء واردات مصر من المشتقات البترولية السعودية على مدى خمس سنوات (2016 -2021)، وهي الشحنات التي لعبت دورا كبيرا في تلبية احتياجات السوق المصرية من البنزين والسولار والغاز والمازوت، كما ساهمت في توفير منتجات الطاقة للمصانع ومحطات إنتاج الكهرباء؟

السؤال الخامس

ماذا بشأن ودائع أو قروض دول الخليج الأخرى التي تم تجديدها على مدى السنوات الثماني الماضية، والبالغة قيمتها 17.2 مليار دولار؟ هل سيتم تجديدها وتأجيل سدادها عندما يحل موعد سدادها وإلى الأبد كما حدث من قبل؟

ألا توجد خطة لسداد كل الديون المستحقة لدول الخليج، أم أن هناك رهانا على إسقاطها كما يروج بعض المحسوبين على السلطة الحاكمة في مصر وذلك في يوم ما كما حدث عقب حرب الخليج الأولى، حيث تم اسقاط 50% من ديون مصر الخارجية مكافأة لها على مشاركتها في تحرير الكويت؟

السؤال السادس

ألم يحن الوقت لأن تقف الحكومة المصرية وقفة جدية وتراجع سياساتها بشأن الاقتراض الخارجي قبل أن تقع الفأس في الرأس؟

ألم يحن الوقت للتوقف عن مارثون الاقتراض الخارجي واستدانة مليارات الدولارات لتمويل مشروعات قد لا تمثل أولوية للمواطن والاقتصاد، ولا تمثل قيمة مضافة في الوقت الحالي؟

ألم يحن الوقت بعد لأن تضع الحكومة حدا لهذا الإسراف وإساءة استخدام المال العام اللذين أوصلانا إلى مستويات قياسية من الديون الخارجية لم نصل إليها من قبل، وجعلتنا نستقطع تريليوناً و170 مليار جنيه من أموال الدولة لسداد أعباء الدين العام فقط، وهو رقم يزيد عن حصيلة الضرائب السنوية؟

يا قوم، أليس منكم رجل رشيد يخاف على مصر ومستقبلها واقتصادها وقرارها الوطني الذي قد يتدحرج ليقع في يد الدائنين الدوليين؟

* مصطفى عبد السلام كاتب صحفي مصري

المصدر | العربي الجديد